حول العالم

رحلة «جميلة» بين النقد والشعر والفلسفة

كلما قرأت للمفكرين والأدباء المعاصرين أشعر أنّني لم أصل من خلال أيٍ منهم إلى ما أريد

  • مكتبة ودار نشر في طريق مدرستي سهلا حصولي على الكتب وقراءتها
  • الأدباء والمفكرين المعاصرين لم أصل من خلالهم إلى ما أريد
  • من يقرأ على وسائل التواصل الاجتماعي لا يترك بصمة تؤكد إعجابه
  • الإنترنت صحافة حرة، نزيهة، عادلة، لا مجال فيها للمحسوبية

أديبة وباحثة في الفكر العربي والإسلامي. بدأت حياتها المهنية كمدرسة علوم ورياضيات للمرحلة الابتدائية والإعدادية. وبعد ذلك تفرغت للدراسة والبحث الأكاديمي في الفلسفة، وتخصصت في نقد الفكر العربي والإسلامي.

اشتهرت د. جميلة الكجك على مواقع التواصل الاجتماعي بخواطرها الفكرية والأدبية، حيث يتابع صفحتها «خواطر جميلة» ما يقرب من مليون متابع. وتشارك د. جميلة مع متابعيها نقدها لعدد من الشعراء والمفكرين، وقصص قصيرة تعالج فيها جوانب النفس الإنسانية، ومقالات في التنمية الذاتية، وخواطر دينية وشعرية. 

صدر لها عن دار النخبة العربية عدد كبير من الإصدارات منها؛ كتاب «الإمام الأكبر: المعقول والامعقول»، عدد من الخواطر الشعرية: ديوان «ليل العاشقين»، «قدس الأقداس»، «أنا ليلاك»، و«شهريار»، وقريبًا «النظرية النقدية في فلسفة زكي نجيب محمود» و«العملية النقدية في فلسفة زكي نجيب محمود».

أجرينا معها هذا الحوار المستفيض الذي جاء متميزًا مثل هذه القامة الأدبية المتميزة لنتعرف فيه على رأيها في العديد من القضايا في مجال الفكر والأدب.

نص الحوار…

  • نود أن يتعرف القارئ على سيرتك ومسيرتك كناقدة وباحثة وشاعرة مرموقة؟ ما أبرز الصعوبات و التحديات التي واجهتك في مسيرتك الأدبية والأكاديمية، وكيف تغلبت عليها؟

– بدايةً شكرًا لكم على اهتمامكم بالكاتب الذي يوازى اهتمامكم بالكتاب الذي تقومون بنشره في داركم «دار النخبة» والتي أرجو لها كل التّقدم والازدهار.

أمّا جواب السؤال: فإنّ أبرز الصعوبات والتّحدّيات التي واجهتي تتلخّص في كوني زوجة وأم لديها مسؤوليّات لا تعدّ ولا تُحصى، ومن ثمّ جدّة، فكان لذلك دور في إبطاء حركتي اتجاه تحقيق ما كنت أصبو إليه، فقد تزوّجت في بداية سنتي الجامعّية الثّانية، ممّا زامن بين إنجاب أبنائي والعناية بهم وبين دراستي، وقد تغلّبت على تلك الصعوبات والتّحدّيات من خلال تنظيم وقتي. وتشجيع زوجي، مساندة أبنائي لي.

  • حدثينا عن أهم قراءاتك في السابق والآن، سواء في المجال الأكاديمي أو النقدي أم الأدبي؟

– من حسن حظّي أنْ كانت هناك مكتبة ودار نشر في طريق مدرستي وأنا في المرحلة الابتدائيّة والإعداديّة، وكان صاحب المكتبة كريمًا معنا نحن الطلّاب، فكان يبيعنا الكتب بأسعار مخفّضة، أو يُقرضها لنا مقابل قروش قليلة. وكنت من أكثر من يقترض الكتب خاصة في العطلات المدرسيّة.

أمّا دار النّشر فقد كان عمّالها يلقون بالكتب التي لا تصلح للبيع – بسبب الخلل الذي قد يحدث عند التّصميم أو الطّباعة، مهما كان بسيطًا – في ساحة مكشوفة تابعة لها. فكنت وزميلاتي نستأذن من نراه من العمّال لأخذ بعض الكتب، فيجيبوننا خذوا ما تشاؤون دون استئذان.

وإلى جانب المكتبة ودار النّشر السّابق ذكرهما، كانت مدرستي تمتلك مكتبة كبيرة تتيح لطالباتها الاشتراك فيها، وكانت أمينة المكتبة تشجّعنا على القراءة وكذا مدّرساتنا ومدرسينا، وأهم أولئك كان أستاذ العربيّة، الذي كان يعرف أن القراءة والكتابة من أحب الهوايات إلى نفسي، فكان يقرأ كل ما أكتب ويشجّعني على المضيّ قدمًا.

أمّا أستاذ الدين فكان يجمع بعض الطالبات في ساحة المدرسة – وأنا منهم – ويفتح حوارات ثقافيّة في كافة المجالات خلال فرصة الغداء التي كانت طويلة نسبيًّا، أو في أيام النشاطات المدرسيّة.

كل ذلك جعل الكتب الثّقافيّة والروايات العالميّة متاح لي الحصول عليها وقراءتها حتى حصولي على شهادة الثّانويّة العامّة – القسم العلمي.

وعندما بدأت دراستي الجامعيّة اقتصرت قراءاتي على كتب الفلسفة، ولم أعد ألتفت إلى الروايات، ولم يكن الشّعر حتى ذلك الوقت يشدّني إليه.

لكنّني عندما أنشأت صفحتي على شبكة التواصل الاجتماعي بدأت بقراءة الشّعر لأصدقائي الشّعراء وحاولت مجارتهم في كتابة الشعر وتحليل ما يكتبونه من قصائد، ومن ثمّ الاطلاع على الشّعر الموزون والحرّ. أمّا الآن فجلّ اهتمامي ينصبّ على الفكر العربي القديم والمعاصر.  

  • لكِ دراسات اكاديمية مستفيضة عن كل من شيخ الأزهر السابق عبد الحليم محمود، والفيلسوف الكبير زكي نجيب محمود… ما سبب اختيارك لهذه القامات الدينية والفكرية والفلسفية الكبيرة؟ وهل ترددت في اختيارها خصوصًا أنكِ ركزتي على الجانب النقدي في أعمالهم؟

– أهمّ سبب كان ولا زال هو محاولة الوصول إلى المنهج الأكثر فاعليّة الذي يمكن أنْ يؤدّي إلى ارتقاء هذه الأمّة. أمّا عن الجانب النّقدي فقد تدرّبت عليه منذ الثّانويّة، ثمّ الدبلوم الذي هو تدريب عمليّ على النّقد قبل الشروع في الماجستير فالدكتوراه، وكان أستاذ المهجيّة العامّة وأستاذ المنهجيّة الخاصّة يشجعان طلابهما على نقد ما يقرأون دون الشّعور بالرهبة من سطوة شهرة الكاتب أو مكانته العلميّة إن كان هناك ما يستوجب النّقد.

  • من أكثر الأدباء والباحثين الذين تأثرتِ بهم في مسيرتك؟

– صراحة، كلما قرأت لمفكرينا والأدباء المعاصرين أشعر أنّني لم أصل من خلال أيٍ منهم إلى ما أريد الوصول إليه، مهما كان في نظري ونظر النّاس عظيمًا.

  • من هو مثلك الأعلى في الحياة على المستوى الشخصي والأكاديمي؟

– مثلي الأعلى على المستوى الشخصي هو والدي الذي كان يفتخر بي، ويدفعني إلى الأمام دومًا، ويجعلني أشارك في نقاشاته ويتقبّل آرائي برحابة صدر، ولم يشعرني يومًا أنني مجرد فتاة صغيرة مدلّلة. ولذا أقوم الآن بالدّور ذاته مع أبنائي وأحفادي.

أمّا على المستوى الأكاديمي، فأنا أرجو أن أتجاوز سائر من عرفتهم من الأكاديميين، وأن أُبدع منهجًا أتميّز به عن غيري. فكلّما قرأت لهم كلّما أدركت أنّني لم أجد فيهم ذلك المثال الذي أريد.

ولكنّني وجدت مثالي الذي أرجو تحقيقه – في ذاتي – عند شخصيّات – الفلاسفة العلماء – وأهمّم بنظري «الحسن بن الهيثم»، و«البيروني»، و«ابن خلدون»، وغيرهم ممّن أبدعوا مناهج علميّة، وموضوعات لم تكن مطروقة قبلهم. 

  • إذا طلب منك ترشيح باحث أو أديب عربي معاصر لجائزة نوبل للعلوم أو الآداب… فمن تختارين؟

– أظنّ أنّ «زكي نجيب محمود» كاد أن يضع بصمة في عالم الفكر العربي المعاصر، لكنه للأسف توقّف قبل أن يقوم بتقنينها، لكنّني لا أجزم بذلك حتى أنتهي من الجزء الثّالث عنه.

  • إلى أي مدى استفدت في مسيرتك الاكاديمية من التطور التكنولوجي الهائل الذي شهده العالم في العقدين الأخيرين؟

– استطعت من خلال هذه التكنولوجيا تقديم نفسي إلى القارئ العربي، ففي سنوات دراستي حتى حصولي على درجة الدكتوراه، لم يتسنّ لي أن أقدم نفسي للقارئ من خلال الصحافة المكتوبة إلا عندما كنت في الكويت أكتب في جريدة الوطن.

  • نعرف أن لكِ آلاف المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة… ما هي إيجابيات وسلبيات هذه الوسائل في رأيك؟

– أهمّ سلبياتها أن الكثيرين يقرأون لك، لكنّهم للأسف لا يتركون بصمة تؤكد إعجابهم. فقد تصل المشاهدات إلى سبعين ألفًا أو يزيد، لكن تسجيل الإعجابات وكتابة التعليقات قليلة جدًا وهذا يُحبط الكاتب لولا ثقته بنفسه، وبما يكتب، إلّا أنّها وسيلة تواصل ذات فاعليّة عظيمة.

  • هل أثَّرت انشغالاتك في المجال الأكاديمي سلبًا على مشروعك الإبداعي أم ساعد في تطويره؟

– الجميل والمريح بهذا الصدد أن مشروعي الإبداعي الذي بدأت أحلم به منذ صغري يكمن في المجال الأكاديمي ذاته. إذ أنّه بدأ بذرة صغيرة ألقيتها في حقل العلم والمعرفة، فأخذت تنمو عامًا بعد عام لكنّها لهذه اللّحظة لم يظهر منها إلا طليعتها فقط. حقًا هي تجذّرت لكنها لم تصبح شجرة وارفة كما أريد بعد. ممّا يعني أنّ هدفي لازال يتشكّل حتى يستوي قائمًا على عوده.

  • من تستهدفين في كتاباتك أكثر- القارئ العام أم المثقفين؟

– صراحة أنا لا أستهدف أحدًا، ففي كتاباتي الأدبيّة إنّما أعبّر عن مكونات ذاتي كما هي، وكما تتشكّل في وجداني، وأجسّد عواطفي وخبراتي النفسيّة في عبارات وأنساق، وأشكال أدبيّة متنوّعة ، وإذًا فليقرأها من يجد أنها تستحقّ القراءة وتعبّر عن ذاته هو أيضًا، وليضعها جانبًا من يرى أنّها عكس ذلك.

أمّا في المجال الأكاديمي فأنا ألاحق هدفًا رسمته لنفسي ولا أزال ماضية في تحقيقه. ولكن إنْ وجَدَتْ كتاباتي قبولًا في نفوس الآخرين وتأثروا بها إيجابيّا وكانت عامل إلهام لهم فهذا ممّا يسعدني.

  • إلى أي مدى حققتِ حلمكِ كباحثة وأديبة؟ وما الحلم الذي لم يتحقق حتى الآن؟

– أكذب إن قلت أنّني حققت حلمي كما أردته. لا يزال الحلم أمامي كنجمة في السماء، تتوهج حينًا، ويخفت لمعانها حينًا آخر. وفي كثير من الأوقات أشعر بقربها كأنّما يمكنني القبض عليها بيدي.

  • كيف يمكن أن يساهم الباحثون والأدباء العرب كقوة ناعمة في إرساء روح الوحدة وتقبل الآخر؟

– لا يتم هذا الأمر إلّا إن اقتنع الجميع أنّنا أبناء أم واحدة وأب واحد، أبناء اللغة العربيّة والوطن. وأن ما يجمعنا أكثر بكثير ممّا يفرّقنا. فمهما تعدّدت ثقافتنا الفرعيّة إلّا أنّها تنبثق من أرضيّة واحدة مشتركة هي ثقافة العائلة الكبيرة التي تضمّ الجميع، إنّها ثقافة العروبة، قيمها وأخلاقيّاتها، وحوامل تلك القيم الأصيلة من دين وفن وأدب وسلوكيّات قويمة. فثقافتنا الأصيلة هي البوتقة التي ننصهر فيها، وتشكّلنا وتجمعنا. ومن يستشعر أصالته، يقبل الآخر ويتقبّل تعبيره عن ذاته كندٍ له، لا يتبع غيره ولا يطالب الغير باتباعه، إنّما هو التأثّر والتأثير بكل ما يُقتَنع به. فكيف لي أن لا أقبل غيري كما هو في الوقت ذاته الذي أعتز فيه بنفسي.

  • ما هي مسؤولية الكاتب تجاه مجتمعه؟

– أهمّها على الإطلاق أنْ لا يخترق قيم مجتمعه الأصيلة وأخلاقيّاته السويّة، سواء في الكتابة أو السلوك، وأنْ يكون صادقًا مع نفسه ضمن تلك الحدود.

  • إلى أي مدى استطاع الإنترنت أن يؤسس لحركة ثقافة وتواصل بينك ككاتبة من جميع أنحاء الوطن العربي بديلًا عن الإعلام التقليدي؟

– الإنترنت صحافة حرّة، نزيهة، عادلة. لا مجال فيها للمحسوبيّة إن بقيت هكذا على طبيعتها، وهي متاحة للجميع دون تمييز.

  • ما هي آخر مشروعاتك الإبداعية؟

– الإعداد لنشر ديوان، أو بالأحرى نشر كتابات شعرية ضمن كتاب. وبعض القصص القصيرة في كتاب آخر إن شاء الله تعالى.

  • كلمة أخيرة تودين تقديمها إلى قراء النخبة، ونصيحتك إلى الباحثين والكتاب الجدد؟

– أقول لهم: بكم نحن – دار نشر  ومؤلفين: أدباء وأكاديميين – نرتقي. فأنتم من تستطيعون تقييمنا إيجابًا أو سلبًا من خلال قراءة ما نُنتج، لكنكم لن تستطيعوا ذلك إلّا إنْ تفضّلتم بالاطلاع على محتويات ما يتمّ نشره.

وأمّا نصيحتي إلى الكتّاب الجدد، فتتلخّص في نشر مؤلفاتهم في هذه الدار التي يُحسن أصحابها التعامل مع المؤلف ومع ما يقدّمه من كتب إليهم لنشره وتسويقه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى