حول العالم

رسالة الإمام… أول كتاب في أصول الفقه

الشافعي جدد فتواه وفقًا لتغير الأحوال

يعد كتاب «الرسالة» للإمام محمد بن إدريس الشافعي، أول كتاب ألف في علم أصول الفقه، وأراد به أن يضع الضوابط التي يلتزم بها الفقيه أو المجتهد لبيان الأحكام الشرعية لكل حديث ومستحدث في كل عصر.

ألفه الشافعي في العراق، وقام بإعادة تأليفه مرة ثانية بمصر، بعدما جدد في بعض فتواه وفقًا لتغير الأحوال التي اقتضاها الأمر.

كتاب الرسالة

كتاب «الرسالة» سلطت عليه الضوء إحدى حلقات المسلسل التليفزيوني الذي يحكي سيرة الإمام الشافعي، تناول لب موضوعات أصول الفقه، فقد تناول موضوعين رئيسين، وموضوعات فرعية : الموضوع الأول: أدلة الأحكام التي يستدل بها، وقد تناول تحته ستة من الأدلة، و هي: الدليل الأول؛ القرآن، والثاني، السنة ـ و قد ذكر تحت هذا الدليل أبوابًا كثيرة من أبواب أصول الحديث، وهو أول مؤلف يذكر فيه هذه الجمل من أصول الحديث.

وقد تناول تحته الحجة في تثبيت خبر الواحد ـ والثالث: الإجماع، والرابع: القياس، و الخامس: الاستحسان، والسادس: أقاويل الصحابة، و قد تناول فيه أيضًا بيان مراتب الأخذ بالأدلة. الموضوع الثاني: كيفية الاستدلال بالوحيين، وهو أكثر الكتاب، وهو الذي يعرفه كثير من أهل العلم بباب البيان، وقد تناول تحته موضوعات: المجمل والمبين، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والظاهر، والنص، وصفة الأمر والنهي، والناسخ و المنسوخ..

موضوعات فرعية

و أما الموضوعات الفرعية فقد تناول في كتابه : ـ أنواع العلم من حيث كونها: عينية، أو كفائية، ومن حيث كونها قطعية، أو ظنية.

ـ الاجتهاد، و بيان جوازه، وأنه يقع على الظاهر من الأدلة للمجتهد .

ـ الاختلاف، و بيان أنواعه

ـ بيان ضوابط الأخذ بالرأي .

ـ جمل الفرائض.

ـ جمل المحرمات.

و قد تناول الشافعي في كتابه كثيرًا من الأمثلة من الكتاب والسنة والمسائل الفقهية لإيضاح ما يريد، والكتاب كتب على الطريقة الحوارية بافتراض بعض المناظرين السائلين عن موضوع من الموضوعات، ثم يجيب عنه الإمام، و يورد المحاور بعض الإيرادات على القول، أو بعض الاعتراضات على الاستدلال، ثم يجيب عنها الإمام.

وكُتب في رسالة الإمام الشافعي الكثير من الشروح وطبعت (الرسالة) طبعات كثيرة.

تصنيف أصول الفقه

الشافعي هو أول من صنف أصول الفقه، فكان بذلك أول من ألف في قواعد الأحكام التي تبين أدلة الفقه الإجمالية، وتضبط للناس طرق الاستنباط منها، و سبق أيضًا أنه ما قصد وضع لبنة علم جديد ـ وهو أصول الفقهـ ، و لا شرع في تأليف كتابه ابتداء لهذا، و إنما وضعه بطلب من الإمام المحدث عبد الرحمن بن مهدي ـ رحمه الله تعالى ـ ففتح الله به أفق هذا العلم الجليل، قال البيهقي في معرفة السنن و الآثار ( 1 /143 /171 ) : « وهذا هو الذي أشار إليه عبد الرحمن بن مهدي، وهو أحد أئمة هذا الشأن، ولأجله صنف الشافعي كتاب الرسالة، وإليه أرسله». و إنما تيسر ذلك للشافعي كما سبق لاجتماع علمي أهل الحديث، و أهل الرأي عنده، و تمتعه بهذه الملكة التقعيدية.

قال النووي في وصف الشافعي [ تهذيب الأسماء و اللغات ( 1 / 49 ) ] : « وهو المبرز في الاستنباط من الكتاب والسنة، البارع في معرفة الناسخ والمنسوخ، والمجمل والمبين، والخاص والعام، وغيرها من تقاسيم الخطاب، فلم يسبقه أحد إلى فتح هذا الباب؛ لأنه أول من صنف أصول الفقه بلا اختلاف ولا ارتياب».

الرسالة العراقية والمصرية  

لرسالة الإمام الشافعي إبرازتان مشهورتان : الأولى: التي كتبها ببغداد أو مكة للإمام عبد الرحمن بن مهدي، وتعرف بـ«الرسالة القديمة»، أو العتيقة، أو البغدادية، أو العراقية، وهي التي كتبها عام: 195 هـ تقريبًا، وقد خطها بيده، وأرسلها إلى الحافظ عبد الرحمن بن مهدي مع الحارث بن سريج الذي سمي بالنقال؛ لنقله رسالة الشافعي لابن مهدي، وهذه لم يعد لها أثر إلا ما ينقله بعض أهل العلم منها كالجويني والغزالي، وقد لا تجد بعض العبارات التي ينقلها هؤلاء في الرسالة الجديدة.

الثانية: الكتاب الذي أملاه في مصر، ونقله عنه الإمام الربيع المرادي، وقد أملاها ما بين عام: 199 هـ وهو عام دخوله مصر، وعام: 204 هـ وهو عام وفاته فيها.

الرسالة الجديدة

 و«الرسالة الجديدة» هي التي في أيدي الناس الآن يتداولونها، وهي ليست كتابًا جديدًا، بل هي إبرازة ثانية محكمة من الرسالة القديم. وقد كانت الإبرازتان متداولتين في أيدي أهل العلم، يكتبونهما، أو تنسخ لهم، و ممن كتبهما الإمام أحمد بن حنبل، و مما يشير إلى ذلك قول فوران: قسمت كتب الإمام أبي عبد الله [ يعني : أحمد بن حنبل ] بين ولديه ، فوجدت فيها رسالتي الشافعي «العراقية»، و«المصرية»، بخط أبي عبد الله -رحمه الله- . [ انظر : ترجمة الإمام الشافعي في سير أعلام النبلاء ( 10 / 57 ) ] اسم الكتاب ذهب بعض أهل العلم إلى أن الشافعي لم يسم كتابه بهذا الاسم (الرسالة)، وإنما هو اسم اكتسبه الكتاب من إرساله لابن مهدي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى