إبداع

«روزالين» رواية الحلم والمشاهد السردية المدهشة

محمود شامي يرسم المعجزة الرواندية ويظهر بعدًا جماليًا مخفيًا لها

Advertisements

 

تكرَّم الأستاذ محمود شامي بإهدائي رواياته الثلاث  «وثالثهما الفنجان»، «9 مارس»، «روزالين»، الصادرة جميعها من دار النخبة للطباعة والنشر والأبحاث القاهرة مصر .

 وقد قرأت الأولى والثانية، ثم الثالثة التي شدتني من صفحتها الأولى، لأكتب هذه الأسطر القليلة عنها بأسلوب تفاعلي. أي أن أكتب عنها، وأحاوره حول أساليب أتبعها في إنجاز عمله، ومضامين ناقشها، والقراءة التفاعلية نقيض البنيوية التي تقول بموت المؤلف، إذ أن التفاعلية تعتمد على الحوار بين القارئ والكاتب دون لقاء، على أساس نصه المكتوب. إذ أن العملية الإبداعية تتكون من ثلاثة أضلاع، أو مثلث قاعدته النص وضلعيه الكاتب والمتلقي. فالنص خطاب يدور حوله الحوارات.

محمود شامي يصطحب القارئ إلى أجواء مختلفة

بداية يجب أن ندرك أن الكاتب أراد في «روزالين» أن يشاركه القارئ، مصطحبًا إياه  إلى أجواء مختلفة عن روايتيه السابقتين، وإن كان المشترك بينهما الانتصار للقيم الإنسانية. إضافة إلى ذلك النطاق المكاني الذي يتمدد ليعبر الحدود السياسية لعدة كيانات.

في «روزالين» قدم الكاتب عدة ثيمات منها: الأحلام، اختلاف الثقافات، هيمنة الدين، العنصرية، الحرب… إلا أن الأحلام هي التي كانت المحرك لتلك الثيمات وغيرها. فالقارئ يكتشف مع قرب نهاية الرواية أن تلك الأحداث وتلك الشخصيات لم تكن واقع، بل متخيلة ومجرد أحلام، وهنا يمكننا محاورة الكاتب حول محور الرواية الذي جاء بعمق إنساني؛ ماذا لو أن ذلك التمازج الإنساني كان المحور وقد وضعه كثيمة ضمن عدة ثيمات.

الواقع البديل

الكاتب يسرد حكاية جديدة على اعتبار أنها الواقع البديل لما كان يحلم به وليد الشخصية المحورية للرواية، لنجده مرة أخرى يظهر بأنه خرج من حلم إلى حلم آخر وزوجة اسمها بلقيس، وصديقتها الطبيبة روزالين، ليعود من جديد ويبين أن ذلك ما كان إلا حلم ثان. ويبدأ يحكي حكايته الحقيقية ليسرد العلاقة مع زوجته الطبيبة إيميلي. تلك نقلات حالمة رائعة، أظهرت قدرة الكاتب على حبك الأحداث التي أراد أن تكون فاعلة بإدهاش جميل.

فهل أراد الكاتب من حلم شخصيته الأولى أن يصحبنا من خلال قصة حب بين وليد وروزا إلى مجتمع إفريقي والمتمثل في المجتمع (رواندا) ليحكي مأساة المذابح العرقية، حتى اقترب من الرقم مليون ونصف مليون ضحية لتلك المذابح البشعة، بل والإبادات الجماعية، متحولًا من مجتمع دوني متخلف، إلى مجتمع متلاحم ومتطور اقتصاديًا وإنسانيًا، فهل أراد الروائي بث الأمل والقول بأن الضوء يولد من حلكة الظلمة والنهضة تولد من رحم المعاناة. وأن رواندا نموذج للتحول من الهمجية والدموية والفقر إلى التمدن والنهضة والمعاصرة.

مجتمع رواندا يتجاوز محنته

 وقد أورد أرقاماً مرعبة، وصوراً قبيحة لتلك الجرائم بحق العزل بين الهوتو والتوتسي. ثم تحدث عن تجاوز هذا المجتمع لمحنته ونهوضه خلال عقود قليلة، لتصعد رواندا من القاع إلى القمة، في تحضر إنساني لافت، منقطع النظير، حيث يعيش الجميع الرواندي اليوم بسلام ووئام  ضمن أوضاع تشجع على التطور الاقتصادي والتحضر الإنساني. لتمثل هذه الحالة الإنسانية الناجحة تجربة وأمل لشعوب تعاني من الاحتراب والتخلف .

الكاتب يحمل هموم المجتمعات الإفريقية والعربية في هذه الرواية.. ويبشر بغدٍ مشرق، واضعًا رواندا نموذجًا لهذا التحول المدهش.

لم يكن لي كقارئ وقد فرضت رواية كاتبنا الأولى أجواءها على قراءتي لروزالين، إلا أن الاختلاف فنيًا وأيضًا في بعض ثيمات روزالين ساعدني على تناولها بشكل مختلف، مفضلاً أن يشاركني الكاتب تساؤلاتي.

روزالين الحلم

 روزالين الحلم، وبلقيس، والعريفة وردية هن جميعهن إيميلي واختتم الروائي أسطر الرواية بحكاية العريفة وردية، وعلاقتها بوليد، وإن شابها الغموض، مشيرًا إلى أن زملاء الثكنة العسكرية يحبون تسميتها بروزالين بدلًا عن وردية. ويكفي أن كلمة (روز Rose) بالفرنسية تعني اللون الوردي وعليه كانت روز أو روزا ترجمة حرفية من الفرنسية اللغة الرسمية في بلد وليد.

استخدم الراوي نفس تكنيك روايته السابقة برسم سلسلة لوحات حكائية متناسقة لشخصيات العمل، ذات الصلة بالشخصية المحورية (وليد). ليدفعنا إلى تخيل خيارات طافت برأس الكاتب، كما هي عند كُتاب الرواية أثناء صياغة رواياتهم.

عشر حكايات مختلفة

اشتملت هذه الرواية على أكثر من عشر حكايات لشخصيات مختلفة، منها: حكاية القائد مونقا قامي والثورة الرواندية التي اختارت نهجا سلمي حضاري إنساني ووقفت في وجه الظلم بكافة أشكاله، (ولو على نفسك)، حكاية تحول جوزيف من الأرثوذكسية إلى البروتستانتية ومعاناته من ذلك، الشيخ آدم وانتقاله رفقة مسجده من البر العربي إلى بر العفر وتعكس حكاية الشيخ آدم الصوفية ودورها في المنطقة، الشركة السياحية متعددة الأفرع، العم ابراهيم وتحوله الفكري من مستنير إلى متطرف، برنارد المصري الفرنسي واليوناني أو متعدد الجذور ، طيبوا ومآسي الإبادات العرقية، وقصة هند مع سعيد الرجل المزواج، وحكايات أخرى لصفية وكورونا. بلقيس وعائشة الحلم الثاني، إيميلي الحقيقة الوحيدة في قصة يقظة الحلم.

إلا أن حكاية الحكايات هي حكاية الرواندية روزا ووليد. تلك الحكاية الحلم، التي بدأها الكاتب بداية قوية ثم تماهت بين تلك الحكايات الأخرى، وذلك الحشد من المعلومات، حول كوارث حرب رواندا، وأصابع الرجل الأوروبي القذر، وخاصة الفرنسي، ثم نهوض ذلك الشعب رغم جراحه ليصنع تحولًا أشبه بالمعجزة. اضافة إلى الوصف الباذخ لطبيعة رواندا الخلابة، وتميز طقسها وموروثها الإنساني. الكاتب يمزج بين فن الرواية وتقريرية تقديم المعرفة.

لوحات فنية بلغة إبداعية

ولا ننسى ذلك الغموض الذي أكتنف علاقة وليد بزوجته روزالينا، فلا هما رجعا لبعضهما، ولا هما انفصلا، فقط ظلت علاقتهما جامدة، ليوحي لنا الكاتب أن ذلك الفتور نتاج عن تباين الثقافات، وأثر الدين على استمرار العلاقة الزوجية، وشتات الأسفار للزوجة والزوج، والفرق الشاسع بين بين رواندا وجيبوتي بين دولة تعتلي الريادة تنمويًا وزراعيًا وصناعيًا في أفريقيا وأخرى تتذيلها، وبين ذلك الأفق الواسع لتعدد الأمكنة، تخللها صور جميلة لطبيعة تلك الأمكنة وسحرها.. لوحات شكلها الكاتب بلغة سلسة وأسلوب مدهش.

إلا أن هناك ملاحظة مهمة يجب أن نذكرها وهي فتور العلاقة الزوجية التي صاحبت أسلوب غير مشوق ما قبل الأربعين الصفحة الأخيرة، حتى أن المتلقي يظن بأن الكاتب لم يعد يجد ما يكمل به روايته، ليفاجئنا بأن تلك الحياة وتلك العلاقات ما هي إلا حلم نائم ، يصحو منه وليد على صوت زوجته بلقيس، ومن هنا يعيد الكاتب لقارئه التشويق الذي افتقده، ليواصل قراء الصفحات الأخيرة وقد حفها الإدهاش، بأسلوب جميل يخرج القارئ من حلم إلى آخر حتى نهاية السطر الأخير.

دهشة المتلقي

هنا يدهش المتلقي ولي أن أستشهد من أسطر الرواية «والغريب والعجيب أن هن: روزا الحلم الأول، وروزا الحلم الثاني، والعريف روزا، جميعهن كن نسخاً متطابقة من إيميلي، وربما كن جميعهن روح شريكتي التي رحلت وتزورني في كل أحلامي… وربما أنا من يرى إيميلي فيهن…».

جانب آخر، يدهش الكاتب قارئه بغزارة معلوماته وثراء معرفته، وقد أدرج واصفًا مناطق في دول مختلف ومناظر من الطبيعة الخلابة لأسماء وديان، وغابات وأنهر وجبال، ولأحياء في أقطار متعددة وطأتها أقدام شخصياته، وهو يقدمها لقارئه في صور خيالية، جزر وشواطئ وغابات.

الشعر حاضر ومتنوع مما يقله وليد شعراً غنائياً يأتي به الكاتب بما ينسجم مع سياق السرد وليساعد على إيصال المشاعر المطلوبة لشخصياته.

التساؤلات في الرواية

رواية تولد الكثير من التساؤلات، وإجابات تخص تساؤلات أعمال الكاتب السابقة، حول الهوية، البحث عن الذات، وإجابات لتساؤلات تشقي الإنسان وجودياً. ما يعكر حياته، مثل معضلة الدين تلك المعضلة التي تولد ثقافة العنف والتناحر، إلى العرقية واختلاف ألوان البشر. من خلال مناقشتها أستطاع الكاتب أن يقدم قضايا خطيرة في استمرارها شقاء للإنسانية خاصة بين المجتمعات المتخلفة.

الكاتب أستطاع أن يصور مشاهد لنهايات مأساوية، فإيميلي تموت وهي تعالج الناس من وباء الكورونا، وبلقيس تدهسها شاحنة، ووالد روزا الرواندية تهوي به طائرة في عرض البحر، وعم وليد ينتهي في سجن فرنسي، وسارة سالمي بتفجير إرهابي في باريس، وبرنارد ضحية جائحة الكورنا، والقائد مونقا ينعزل في قرية نائية، ووالد وليد يحال على التعاقد وينكفئ على نفسه. تلك النهايات المحبطة، تعوضها نهضة رواندا الحلم لجميع المجتمعات الإفريقية.

الرواية أقرب إلى الرواية الجغرافية.. رواية الحلم.. رواية المشاهد واللوحات السردية المدهشة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى