إبداع

زاوية المقارنة

أحد مظاهر التأخر ومصدر حقيقي للوجع يشدنا للنظر لما في أيدي الآخرين

Latest posts by سهام مهدي الطيار (see all)

تصادفنا يومياً مواقف تحملنا نحو آفاق السعادة تقابلها أوقات محملة بالإحباط والانكسارات نأخذنا معنا عند عودتنا إلى البيت وتسكن ذاكرتنا، الجميل منها قد تخف وطأته ويمر بسلام، لكن السيء منها يأبى مفارقة تفكيرنا بل يتحول إلى كتلة ثقيلة نداور حركتها من منطقة الدماغ تأخذ سلامنا الداخلي، تقلق أوقاتنا وتنزل غصة لباقي أجزاء الجسم تعلن عن وجودها كمصدر لانبعاث الألم في القولون والرأس والمفاصل لدى البعض وأجزاء أخرى من أعضاء الجسم.

أول انطلاق للفرد نحو تحقيق الحلم هي النظر لطاقات الآخرين والمواقع التي توصلوا لها في مسيرة حياتهم من نجاحات عملية ومالية. قد تكون لغرض اتخاذهم قدوة والاستفادة من تجربتهم والنظر إليهم بعين الانبهار والتساؤل، وفي الوقت ذاته يراودنا أحياناً شعور ومن غير وعي للمقارنة بين ما أنجزه الآخرون خلال فترة زمنية محددة وما وصلوا إليه، وبين منجزاتنا خلال نفس الفترة رغم تشابه العديد من أوجه الظروف والمكتسبات العلمية والمالية والاجتماعية، هل سبقونا؟ هل كنا أبطأ نحو تحقيق أحلامنا؟ هل حصلوا على دعم من جهات خارجية؟

كيف تتحول المقارنة إلى سلوك؟

هذا باب بائس يدخل منه البعض نحو طريقة مرضية في مقارنة دائمة والتي بالتالي تتحول إلى عادة وسلوك مكرر يعمم على معظم جوانب حياته ليشمل الدراسة والعمل ومن ثم توجهه نحو اختيار الشريك ليكمل معه مشوار حياته .

  * إنها لا تزيد عني جمالًا وكنا بنفس القسم وتخرجنا من نفس الكلية لكنها حصلت على وظيفة أرقى …؟

  * إنها لا تمتلك عائلة لها مقدرات مالية بل كانت فقيرة، كيف لها أن تحضى بالارتباط برجل غني مادياً واجتماعياً؟

   * أنا ملتزمة بالحفاظ على صلاتي وتقربي من الله، لماذا أقع دائماً بعدم التوفيق وتسيير اموري على أكثر من صعيد … ؟

  * أنا وزوجي طيبين ونتمى الخير للجميع لماذا حرمنا الله من الخلف والإنجاب.

 والغريب في الأمر قد يتمكن أحدهم في إقناعك من أنه قليل الحظ ومنحوس، لكنه تناسى شيء جدًا مهم؛ وهو أننا جميعاً بحاجة إلى ارتقاء الروح وهذي من هدايا الباري جل وعلا وحكمة الحياة التي وهبها الله لنا.

نحو آفاق السعادة

كلنا وجدنا على الأرض لنؤدي رسالة ما نقدمها لأبنائنا أو للمحيط، وقد تكون لرفع وعينا وارتقاء ذواتنا، لذا نرى الجميع متساويين بنقطة واحدة وهي عدم البقاء على حال واحدة ثابتة والتغيير أول ملامح الرسالة الإنسانية خلال مسيرة الفرد في سنوات عمره، الراحة والتعب، السعادة والحزن، النجاح والفشل والإنسان الذكي والعميق ما بين وقفة وأخرى يجمع شتاته ويراجع مواقفه ليكتسب الخبرات لذا نلاحظ الشاب يتخلى عن نزقه وسرعة انفعاله في المواقف  بمرور الزمن وتقدم العمر، والصبر لدى المرأة يتعاظم عند تولي المسؤوليات وتحمل أخرى جديدة.

المقارنة أحد مظاهر التأخر ومصدر حقيقي للوجع يشدنا للنظر لما في أيدي الآخرين وتحرمنا من التمتع بما في أيدينا من نعم والتي قد نهمل الانتباه لها، بل وحتى ننسى أن نشكر الخالق سبحانه عليها لتنمو وتتضاعف ونفقد لذة أمتلاكها وبهذا خسران مضاعف أوله خسرنا طاقة جذب الأحسن منها  والثاني فقدناها لأننا سندخل حتماً لبوابة خسارة أكبر وهي الحسد. 

أصحاب الطاقات النظيفة

لذا نرى أصحاب الطاقات النظيفة يحملون وجوه مشرقة تسامت وارتقت فوق رغبات الإنسان الوقتية والزائفة يحمي نفسه من وساوس الشيطان ويشعر بالامتنان تجاه ما وصل إليه خلال مسيرته العملية والاجتماعية، ويركز عليه فهو بذلك حافظ على صحته النفسية والبدنية وتحضر لاستقبال نعم أخرى فتح بابها بالشكر المستديم وفق قانون كوني رباني وحقيقة ثابتة (لئن شكرتم لأزيدنكم) والرضا وقبول الشدات بنفس مطمئنة ويقين بعدم دوام الحال ومن ثم التفكر بالدروس المستخلصة عند انتهاء الأزمة.

لمن يرغب في الحفاظ على روحه نقية ولمن يسعى للارتقاء بها نحو عوالم أنظف وأسمى؛ لابد أن يبحث دائماً عن أسباب تنقية الروح والتخلي عن أي عادة أو سلوك يجره لمنزلقات طاقات سلبية، وأولها المقارنة وما تفضي إليه من مراتب أخرى من حسد ورغبات مرضية، تحّول الفرد إلى إنسان مشغول بنعم الآخرين ومراقبة سلوكياتهم وإهمال ذاته التي هي مصدر إلهام وتسخير لما في الكون من أمنيات وأحلام يحققها تعود عليه بالسعادة وراحة البال والوفرة المالية والقبول لدى المحيط.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى