إبداع

زهرة واحدة على «المائدة»

أتراها حقًا دانية القطوف.. أم تجدها مجرد أكذوبة لا تُحتمل؟

أحمد خلف
Latest posts by أحمد خلف (see all)

                 

دخل المطعم الفخم في الصورة والمحتوى، اتخذ جلسته عند المائدة المخصصة له، مائدة محجوزة منذ يوم أمس مساءً، مجموعة أزهار نضرة وكؤوس نظيفة وأقداح لشرب الماء المبرَّدة بعناية فائقة، عصائر فاخرة، شرشف أبيض ناصع كان ينسدل حتى منتصف أرجل المائدة ، تبادل والعامل الواقف قبالته النظرات بعد معرفة ليلة أمس وما احتوته المائدة العامرة بأطايب الأطعمة النادرة، أشار إلى العامل:

غدًا ساتناول فطوري هنا.. احجز هذه المائدة المنعزلة.

 كانت استجابة العامل فورية لأن ما دخل في جيبه تلك الساعة ظل يحلم به منذ زمن:

ــ  زهرة واحدة تكفي يا ولد. ارفع بقية الأزهار.

      لم تتأخر استجابة العامل في رفع الأصص مبقيًا على واحدة منها اختارها الرجل بعناية واهتمام بشكلها ورونقها، ذات نضارة تبعث على الرضا والتوق إلى خلق المزيد من البهجة وربما السعادة وإن أتت بثمن لكنه ثمن يقدرهُ ويقدرٍ على دفعه الرجل برحابة صدر، وهو يردد كلمة الرجل الذي فاضت منه رائحة عطر ثمين وخفيف الطيران في ما حول المائدة.

الزهرة اليانعة

 حدَّق السيد بالزهرة ومسها مسًا خفيفًا وخُيَّل إليه أنها ترتجف تحت ضغط الأصابع المزدانة بمحبس الذهب الخالص وجل خشيته أن تذبل أو تذوي وهي ترتعش بين أصابعه لن تشهد بقية السهرة، لكنه رأها تنظر إليه دامعة العينين، وردد عبارته التي ظلت تلازمه كلما ضاقت به السبل للوصول إلى مبتغاه: يا إلهي لن تتخلى عني.

رأها عن قرب بشفتين مكتنزتين وذراع عاري لدن، تشهاه عن رغبة عارمة، أشار إلى العامل وطلب منه قدحًا يملأه بالماء النقي ليضع بداخله زهرته المزدانة برائحة عطرة، نفَّذ العامل الطلب، انحنى الرجل على القدح ليتشبع أنفه بمزيد من العطر الذي تحمله وردة مكتنزة تملأ كف اليد لها استدارة محببة، وقبل أن يأتيه الفطور الغني بالفيتامينات والأطعمة اللذيذة وقدح عصير البرتقال الخالص من مزارع سرّية غير خاضعة لكميات السماد الكيمياوي، أشعل سيجارته من التبغ الثمين وأخذ نفسًا عميقًا منها متلذذًا مذاقًا غريبًا وجميل النكهة.

الأزهار المتميزة

 كان العامل يقف على بُعد خطوات من جلسة السيد كما يرغب أن يلقبه، سمعه يكلم نفسه: كل الأزهار تذبل وتذوي وتنهار إلا أنتِ .. كانت يده الخالية من أي حاجة من حوائج المائدة قد تلقفت الزهرة الجذلى وقرَّبها من أنفه وشمّها بقوة..  

  ــ هل الأزهار كلها طبيعية؟                   

ابتسم العامل على استحياء:

ــ كل الأزهار مصنوعة باليد إلا الأزهار التي قدمتها لك.

ــ تقصد طبيعية؟

هز العامل رأسه بحركة بطيئة وعلى استحياء مصطنع كجزء من اتكيت متبع في مطاعم الدرجة الأولى. أشار عليه أن يقترب أكثر:

 كيف أفرّق بينهما؟

 أزهارك لها رائحة طيبة لا مثيل لها سيد.

    ابتسم الرجل وهزَّ رأسه بحركة، المقصود منها أن ودع المطعم تلك الساعة، طلب من العامل أن لا ينسى حجز مائدة للمساء بصحبة سيدة من طراز خاص، تبادل مع العامل نظرات الاتفاق قبل الموافقة على ترتيب كل شيء، وخلال لحظة المغادرة سمع أحد العمال يقول: لم أر معه لا رجل ولا امرأة دائمًا يأتي وحيدًا ويحتل المائدة المنعزلة هذه ويظل صامتًا، أتراه غريبًا عن المدينة؟

صورة من الخيال

      لما اختفى في عربته اتخذ مكانه وراء المقود امتدت يده نحو كتاب ملقى أمامه عند الزجاج السميك للسيارة، فتح الكتاب وأخرج من بين طياته صورة نصف بوسكارت، أكبر من حجم الكف الطويلة الناعمة رغم وجود محبس من الذهب الخالص في بنصر اليد الحانية على الصورة وهي تمسك بطرفها بمودة واضحة، تأمل العينين الواسعتين والفم الشهي وتلك استدارة الخد أغراه الشعر الكستنائي المنسدل على الكتفين برفق ونظرة تائهة لا يدري الرجل أين تستقر نظرة الفتاة تلك الساعة.

غادر نظرة الفتاة ثم عاد إليها لفت انتباهه شيء في أقصى النظرة الحانية والمنكسرة في آن واحد، تأمل أكثر لم يستطع أن يصل لأي معنى يمكن أن توحي به نظرتها، تأمل الجسد كله والذراعين الممتلئين والبشرة النظيفة كم أحب بشرتها وأحب شعرها وكذلك استدارة العنق كلما التفتت إلى جهة ما، تأمل اكثر كمثرة الشفة السفلى أنها دانية القطوف: لو كنت في مراهقتي لقبلت الصورة المغرية على طبع القبل على الشفتين والعنق المرتخي أو المائل جانبًا..  قلب الصورة وقرأ الإهداء الباذخ في عباراته، وتلك الكلمات التي أسرته كلما أعاد قراءة الإهداء مرة وأخرى، تكبلهُ الصورة وتأسرهُ النظرة الساحرة، ضحك قبل أن يخرج الموبايل من جيبه ويتلفن لها:

ــ سآتي إليك الساعة الثامنة مساءً تدبري أمرك حبي.

الجواب الغامض     

 تلقى جوابًا غامضًا وكأن الصوت يأتيه عبر البحار والمحيطات، الكلمات كأنها تنتسب إلى بلاد بعيدة. لا بد أن شبكة الخطوط في هذه الساعة غير صافية. كان عليه تهيئة عدد من أعمال سريعة وأخرى طارئة، أخرج دفتر صغير من جيب سترته العريضة هو دفتر ملاحظات وكتب بضع كلمات على الصفحة البيضاء أمامه، بحروف ناصعة سجل أول حرف من اسم الفتاة واسم المطعم وإعادة المحاولة مع الهاتف ثانية، داهمه شعور بالفوز أو الحصول على مبتغاه (لا شيء مستحيل أن إردت الوصول إلى مدينة أين .. ضحك مع نفسه بخفوت نبرة مقهورة أو ممتلئة بأمر هي أكبر من طاقة البشر، لكنه تذكر.. لا مستحيل مع إصراره على التنفيذ.. وسيرى كل شيء مجسدًا أمامه هذا المساء)..

  اجتاز عتبة باب المطعم المزدان بأضواء خافتة، تتراقص أشعتها كأنها توميء إلى القادمين من بعيد، أتراها دليل الحيران في ساعة ضيقه؟ تسبقة الفتاة بقامتها الرياضية الممشوقة، ووجهها الناصع، تلفت العامل لما رأى ذراع السيد تطوق خاصرة الفتاة، كان العمال على قلتهم يديرون الموائد على أحسن وجه سمع العامل يشير عليه بصوت واطيء: من هنا سيد.

خطا مع الفتاة خطوتين اثنتين وتبعهما بثالثة ليصل إلى مائدته المخصصة له ولفتاته، تبين أنه معروف بين عدد من رواد المطعم، إذ ابتسم له أكثر من وجه وحياه أحدهم كأنه يعرفه من سنين أن لم يكن من قرون أيام تآخي الشاة والذئب للتسيد على الغابة بظلامها الدامس وأغصان أشجارها المتشابكة بكثافة، هل تراه يستطيع أن يخترق العثرات وسط عشرات الأشجار بفوضى الأغصان التي لم تشذب من سنين خلت.

 لم تعجبه  معرفة الآخرين له.

  همست الفتاة بأذنه: أنت معروف هنا خذ حذرك أرجوك.

حرك رأسه:  أن نعم.  لكنها أردفت متسائلة: هل تأتي إلى هنا دائمًا؟

المائدة ولقاء الأوهام

ابتسم لها وامتدت يده نحوها لتستقر على ذراعها العاري، الذي كثيرًا ما تمنى أن يلامسه، أو يداعب بشرتها أرادت سحب ذراعها قليلًا من قبضته المحكمة، تبادل معها نظرات فيها كثير من حنو واضح ورغبة مستديمة في أن تكون له كل الوقت . ارتفع صوت الموسيقى الراقصة رغم خفوت الصوت لكن نبرة الدعوة إلى الرقص كانت ظاهرة، طلب لها عصير كوكتيل من النوع الخاص وأشار على قدح من الجن تلقى فيه ثلاث شرائح من الليمون الطازج، أشار على العامل أن لا ينسى قدح الليمون الخاص المرافق لقدح الجن كما يحب أن يتمتع الرجل بمذاق مزج الجن بالليمون.

امتلأت المائدة بأطايب المقبلات والفواكه وكذلك عصير كوكتيل نادر الحصول عليه، إلا في مطاعم الدرجة الأولى ذات السمعة الطيبة بين مختلف الأوساط وضع القدح الخاص أمام الفتاة بنوع من التبجيل والعناية، التي ظلت على عادات غريبة يدرك كنهها الرجل لكنه يتصرف معها بحزم كلما عاودتها عاداتها الغامضة تلك، لعل من أبرزها التخفي أو التردد وربما الخوف.

سحر الخيال

صدح صوت مغني أجنبي التقط الرجل منه بضع كلمات ترجمها لنفسه أنها دعوة غير منطقية لقبول الحبيب والتسامح معه رغم أخطائه، ابتسم الرجل لما شاهد الفتاة تحرك رأسها مع الموسيقى، تصاعد نغم شجي وارتفع صوت مغني آخر بإيقاع ساحر، رددت معه المجموعة بضع كلمات، جاء العامل ووضع مزيدًا من الأطباق الشهية على المائدة.

 لم تنظر إليه لكن العامل خزرها بزاوية عينيه وجدها جميلة وأكثر منها مشتهاة حقًا، زينتها من النوع الذي يثير الرجل مهما بدا قوي الشكيمة، لكنها لو أرادت أن تفعل فعلتها مع أي رجل لتم تحطيمه، نظر العامل إلى فتحة الثوب من الأعلى شاهدها كم مغرية والتماعة النهد واضحة إلا أنه خشي أن ينتبه له الرجل، انسحب بعد أن وضع العصير الراقي المخصص لها، كان القدح الثاني الذي تناوله الرجل برغبة شديدة قد ترك مفعوله عليه، أخذ يدها الناعمة بين يديه وقبل الأصابع الرقيقة.

 ابتسمت له.  قال لها:

ــ أعرف بماذ تفكرين.

ــ  أنا أترك الأمر لك لكن الكلام بات كثيرًا حولنا.

ــ لا أحتاج إلا لبعض الوقت فقط.

ــ لا يهم عزيزي خذ الوقت الكافي، لكني أطلب الطمأنينة.

بين الظهور والاختفاء

     هز رأسه لها علامة الموافقة. وبقدر ما تأكد من حضورها معه خيل إليه أنها تمارس معه لعبتها الأولى في الاختفاء والظهور بين لحظة وأخرى. بين الحضور والغياب، أهو في وهم أم تراه قد أوهم نفسه على غياب مفاجيء؟ كان الليل يبدو مدلهما وضائعًا، أسكره المناخ قبل أن تخدره الخمرة، تحركت نوازع الرغبة لديه، طلب منها أن ترقص معه، وافقت على مضض نهضت وأخذها بين يديه إلى حلبة الرقص، رقصت معه لكنها انتبهت إلى التصاقه بها كأنه يتعمد ذلك.

 ابتسم لها لكنها لم تجاره بل بدت كأنها ترمي حجرًا في نهر، احتواها مع اندفاع صوت الموسيقى، أخذها بقوة إلى صدره وتشمم عطرها وشهوتها وأدرك أنه حقًا يحتويها تحت ضغط رغبته ولما حدق بوجهها، شاهد طيف ابتسامة عابرة ورغبة في العودة إلى المائدة، نفذ لها طلبها أن اتخذت جلستها الأولى وهي لا تكف عن النظر إلى تلك الأجساد المترعة بالحنين والرغبة الدفينة، الجميع يرقص في الحلبة يميل ويتمايل، النساء أكثر خدرًا من الرجال الذين تعتعهم السكر وأطاح بوعيهم، قال لها: أنت اليوم كأنك لست معي!

الوهم والواقع

من بين ابتسامة ندية يحبها الرجل وفم خلق للتقبيل، تساءلت: كيف عزيزي؟

ــ حين لمست ذراعك سحبتني قوة خفية منك!

ــ واضح أنهم يقدمون خمورًا مغشوشة عزيزي.

ــ هل نرقص ثانية؟

حين أصبحا وسط حشد الراقصين، تعالت موسيقى أقرب إلى موسيقى الجاز تتصاعد في فضاء المطعم، الذي أطفأ عددًا من أنواره وترك العدد الآخر يضيء المكان، انتبه الرجل إلى أنه يرقص وحيدًا منذ فترة ليست قصيرة، وأن بعض الراقصين تعجب من وجوده منفردًا في حلبة الرقص، علت في روحه خيبة واضحة، أطلق آه كبيرة سمعها من هو قريب منه أو على معرفة طفيفة به.

 اندفع خارجًا وتوقف عند مدخل المطعم من جهة الشارع العريض، الممتد حتى نهاية الطريق المرسوم بعناية، تلفت فيما حوله، أراد أن يصرخ مناديًا فتاته التي غابت فجأة عنه، شعر بالحياء يستولي عليه ويمنعه من تخطي حدود اللياقة المفترضة، الغريب أن انتبه الآن إلى وجود كتلة تتحرك على الرصيف المقابل، لا بد أن تكون هي، اندفع باتجاه الجسد الهلامي الغامض ومع أنه كان في قرارة نفسه متيقنًا من أنها هي، إلا أنه عبر الرصيف الأول باتجاه مكان الكتلة الغامضة الريح تزيد من سرعتها، لكنها لم تكن مؤذية له أو مشتت لتفكيره.

خيط من خيبة الأمل

الآن وهو يصبح على مبعدة أمتار منها تلمس في أعماقه خيط دقيق من خيبة الأمل بل والتردد إذ اكتشف أنها ابتعدت خطوات عن مكانها الذي حطت به أقدام لرجل توًا، أخرج من جيبه علبة سجائره وأشعل واحدة منها ما لبث أن دخنها، أخذ نفسًا طويلًا.

 أحس به يتغلغل في جسده كله، أهو يعيش لحظة مخادعة مع قدره؟ لا شك أنها لعبة القط والفأر ابتسم لنفسه حين شاهد شبح امرأة لها قامة فارعة تسير وحيدة في عرض الشارع، يا للغياب المباغت ويا للحضور الرشيق، تلك هي لعبة لا مفر من قبولها على أي صيغة أتت، هي النقطة القصية التي لا مفر من الوصول إليها عاجلًا أم آجلًا، تحرك بهدوء وخطا خطوتين اثنتين وتبعهما بثالثة وسابعة حتى أوشك أن يقبض على ذراعها العاري. لكنها همست له:  أخطأتني لست هي أبحث عنها كفاية.

      غاص داخل روحه لما أدرك أنه راح يتصرف دون وعي تام مما يجري معه، أهي كذلك دائمًا؟ غياب دائم وحضور يتعب القلب؟ وهذا الهمس العابر لمن تتوجه به؟ أتراها حقًا دانية القطوف أم تجدها مجرد أكذوبة لا تحتمل، أكذوبة أم وهم من أوهام هذا الزمن العجيب؟ بدأ الليل ينسحب شيئًا فشيئًا من شوارع المدينة، النهر يتعالى خرير مياهه، لكنه هل يعود إلى بيته خائبًا؟

الغربة والجنون

والحق استولى عليه حزن غريب إذ اختلطت عليه كل المعالم التي تبدت واضحة قبل مجيء الفتاة وارتباطها به، كانت كلها معالم بينة وصريحة ولا غموض فيها يشعر الآن بالغربة عن هذه الرياح التي هبت من بداية الزقاق الطويل لتسلمه إلى شارع أطول منه، لوح ذراعه في الفضاء اضطر إلى أن يشعل له سيجارة أخرى، كانت هي السيجارة الأخيرة في علبته الفارغة من أي مؤونة تذكر دخنها بتلذذ من احتراق كل شيء أمام عينيه الكئيبتين، بدأ المارة يبزغون على الأرصفة الفارغة والخالية من البشر (ازداد عددهم وأصبحوا يتدفقون زرافات ووحدانا)، شاهد مجموعة من الأولاد المهاليس يندفعون باتجاهات غير واضحة، مروا به مسرعين، وعوى أحد الأولاد به:

إلى  أين تمضي في هذا الظلام  يا مجنون؟  

تعليقات الفيس بوك
اظهر المزيد

أحمد خلف

كاتب وصحفي عراقي صدر له: العديد من الروايات منها رواية الحلم العظيم، الذئاب على الأبواب، عن الأولين والآخرين. والعديد من المجموعات القصصية منها، نزهة في شوارع مهجورة، القادم البعيد، منزل العرائس، صراخ في علبة، خريف البلدة، في ظلال المشكينو، الخراب الجميل . كما صدر له كتاب، الرواق الطويل.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى