إبداع

«سعيدة» كتلة من الإثارة والدهشة

قصة معاناة وفصول من الألم والحرمان

محمود شامي عبد القادر
Latest posts by محمود شامي عبد القادر (see all)

«سعيدة» سيدة عشرينية تقترب من العقد الثالث، هادئة الطباع، ثقيلة الخطى والمشي، لم تقل يومًا ما لا يليق، فهي تزن الكلام قبل أن تخرجه من فمها، وعندما تتحدث هذه السيدة، وهذا الأمر نادر الحدوث، تحلف بالله أنها تنثر دررًا نفيسة لا حديث، فلا يمكن أبدًا أن يكون ما تقوله كلام عادي.

وبالمقابل سعيدة كتلة من الإثارة والدهشة، ممشوقة القوام، فارعة الطول ناعمة الملمس كالحرير، ممتلئة الجسم إلى حد يبعث على الجوع والاشتهاء، إلى حد مرغوب ومحبب كعرض سخي يقابل الطلب ويناسبه.

وهي أنوثة متدفقة طافحة يعكس ذلك وجهها الدائري، القمري، والقوس قزحي وعينيها الناعستين الحائرتين اللتين تذيبان الحجر والشجر، ناهيك عن البشر، وقمازة خديها الماجنتين الآسرتين، وشفتيها الملتهبتين المغريتين والأشهى والألذ من كل ثمار الفواكه الشتوية والصيفية، وصدرها البارز والمنطلق دون قيد أو شرط والممتلئ حد الانفجار، يشكل بداية فصول أنوثتها ونهايته، أما حركة صدرها فهي أكثر شيء مغري وجذاب من كل أشيائها الثمينة، فحركته موجية، جيبية، ثلاثية الأبعاد، كهزة أرضية يحدثها زلزال ماحق وبركان ساحق.

سعيدة فصل من الحرمان والوجع

سعيدة بجمال ريفي أصيل مطعم بالحياء والحشمة،  هي لا تشتكي، ولا تحكي أصلًا لتشكتي، ومع ذلك كل شيء فيها يحكي ويشتكي، ويتحدث ويروي عن نفسه بنفسه لنفسه، فهي بتفاصيل جسد يسر الناظرين ويحيرهم في ذات الوقت، وبجسم مرهق متعب إلا أنه بهي ندي وبديع، سعيدة في النهاية فصل آخر من فصول الحرمان والوجع ..

عاشت (سعيدة) رفقة جدتها وخالتها في قرية ريفية في مرتفعات قودا محافظة تاجورا شمال جيبوتي، وتوفيت والدتها وهي في الثالثة من عمرها، حينها تزوج والدها وانتقل إلى مدينة تاجورا يعمل ويعيش بها مع زوجته الجديدة وأولاده منها
زُوّجت سعيدة في عمر مبكر في السادسة عشر عامًا، لابن خالها (حسين) الذي وافق بطلب من عائلته أمر زواجه الذي تم سريعًا ودون نقاش.

كان لحسين قصة غير قصته الحقيقية هذه، وحكاية جميلة لكنها لم تكتمل، وكان قد رسم لنفسه حياة أخرى تبخرت وأمنية أخرى تبعثرت، وربما حالة البطالة التي عاشها حالت بينه وبين ماري (مريم )، بينه وبين تلك العلاقة التي رسمها الشاب لنفسه، كان حسين عشريني عاطلًا عن العمل ورفض من قبل عائلة محبوبته ماري تلك الفتاة التي أحبها ووعدها بالارتباط بها بسبب ذلك وعطله.

حب فاقد الأمل

كان حسين وماري قد وصلا معًا إلى حدود بعيدة، حد الجنون ربما، وبعد فقدهما للأمل بالارتباط لجأ المحبان العاشقان حسين وماري إلى ما يشبه موتًا انتحارًا، وربما أرادا إجبار عائلتيهما وفرض علاقتهما والارتباط ببعضهما، حيث هربا واختفيا معًا لأسبوع كامل، وبعد جهد كبير وحثيث عُثر عليهما في مدينة عرتا الواقعة شمال العاصمة جيبوتي، وفي بيت صديقهما، وبعد اكتشاف مخبئهما، سجن الشاب مباشرة، والشابة كادت أن تفقد روحها من شدة الضرب وحبست في منزلها.

وادخل حسين نفسه وأسرته في مواقف صعبة وفي مواجهة لا قانونية أولا وقانونية في الأخير مع عائلة ماري، وفي النهاية انتهت الأمور رسميًا، لكن الخوف من شبح العودة ظل قائمًا وهو ما دفع العائلتين بقتل تلك العلاقة نهائيًا فبعد تلك الحادثة مباشرة قامت عائلة ماري بتزويجها لقريبها ومن شخص يكبرها 20 عامًا.

قرار الزواج

فقررت بالمقابل عائلة حسين زواجه من سعيدة ابنة عمته ورأوا أن منزل عائلة حسين في حي هودن يكفي لإيواء وإقامة عائلة حسين الصغيرة، إلى أن يفتح الله على حسين ويرزقه بعمل يساعده على الاستقلال بحياته بعيدًا عن عائلته، والاعتماد على نفسه وتكوين منزل عائلي خاص,

كان منزل عائلته يحوي اربع غرف واسعة، ومنحت له العائلة غرفة واحدة من الغرف الاربعة ، وشيدت له كذلك غرفة اخرى جديدة ،، وجهزت احداها غرفة نوم ، والاخرى صالة ، وكل الترتيبات تمت سريعا وتم الزواج.

أما سعيدة فقد كان حسين حلمها في الحياة، وهو بلحمه وشحمه فارسًا تمنته أن يخطفها منذ زيارتها الأولى للعاصمة قبل عدة سنوات، وإقامتها لوقت محدود في بيت خالها. 

 رحب الجميع بالفكرة، فمن جهة ستدخل سعيدة بيت خالها وليس آخر غريب، ومن جهة رأوا أنها يتيمة وعليهم أن لا يعقدوا أمور زواجها، لكنهم لم يروا أنه من الأمانة أيضًا أن يفكروا من زاوية أخرى، ويركزوا على حقوقها.

تم الزواج، والعريس لا يملك شيئًا سوى عائلة متوسطة تستطيع إعالته وزوجته في منزلها العائلي، كانت والدة حسين هي الكل في الكل وهي الآمرة والناهية ولا صوت يعلو على صوتها في البيت، وشقيق حسين الأكبر يعمل في الميناء رفقة والده اما شقيقته الصغرى لديها عشرون عام وتحمل دبلوم إدارة وتعمل في إدارة الثقافة والفنون، توظفت قبل زواج حسين وسعيدة بشهرين، ووالدة حسين تعمل في مستشفى عام ومسؤولة قسم التمريض. 

الجميع في ذلك المنزل يقتطع مصروفًا بسيطًا من راتبه ويسلمون رواتبهم لوالدة حسين بمن فيهم والد حسين، وهي تتصرف فيه وتصرفه كيف تشاء.

رفض الوصاية وطلب الاستقلال

بعد ثلاث سنوات من زواجه انخرط حسين في الجيش الوطني بعدما نجح في اختبار القبول النظري والتطبيقي، وأنجبت سعيدة ابنها الأول بعد سنتين من التحاق زوجها بالجيش، وذلك بعدما تعرضت للإجهاض مرتين، وفي الشهور الأولى من الحمل، والحمد لله وضعت في المرة الثالثة الحمل بسلام ونجت ونجا طفلها. 

 وظلت بمعية عائلة زوجها وفي ذلك البيت الذي لم يكن بيت خالها بالمرة، ومع ذلك وللأمانة والدة زوجها لم تكن تبخل عليها، كانت سخية معها لكنها تفعل ذلك بمزاجها، تشتري لها الملابس والعطور والبخور وكل شيء وكل ما كان جديدًا وموضة، كانت تختار لها ولولديها نوعية الأكل ولون الملابس والخيار خيار حماتها في ذلك المنزل، وهذا ما دعى سعيدة أن تتمرد وترفض الوصاية، وهذا ما دعاها كذلك أن تطلب من زوجها وتعرض عليه وبعد ثلاث سنوات من عمله في الجيش أن يعيشا مستقلين  وأن الكيل طفح، رفض زوجها وطلب منها أن تمهله بعض الوقت، كان السبب أنه يريد بناء منزل له على قطعة أرض اشترتها له أمه، ويريد توفير مبلغ الإيجار والكهرباء والماء وحتى المصروف لذلك الأمر.

 مرت الأيام والشهور والسنين والحال لم يتغير، ورُزق حسين وسعيدة بطفلهما الثاني كان ذلك بعد ثمان سنوات من زواجهما، وبدأت الحماة تشد على زوجة ابنها الخناق، بدل أن ينزل مؤشر العداوة بين الزوجة والحماة مع مرور الوقت وبعد العشرة وأكل العيش والملح معًا، إلا أن علاقتهما بدأت تسوء من يوم إلى آخر، فلجأت سعيدة في العام الثامن إلى بيت عمها في حي كيلو 12، وسمع حسين بذلك وجاء بسرعة من ثكنته العسكرية وأعادها إلى البيت وضربها ذلك اليوم أمام ولديه.

الانتقال إلى حياة مستقلة

كان حسين دومًا يسمع كلام أمه وينفذ إملاءاتها دون تفكير، ومع ذلك لبى ذلك اليوم طلب زوجته ونقلها وولديها وكل أغراضها الي بيت آخر أجَّره لها، كان ذلك بطلب من والدها ووالده معًا، وعاد حسين إلى ثكنته العسكرية بعد يومين من عملية النقل والتجهيز، عاد وترك عائلته في بيت لا يحوي أدوات طبخ وتركهم بلا مصروف، وحتى جهاز التلفاز الذي اشتراه لهم كان بدون جهاز الستالايت، ووعدها بحل ذلك وكل الامور في بداية الشهر المقبل والقادم.

في تلك الفترة كانت سعيدة تنام ليلًا وولديها في ذلك البيت الذي لا يشبه بيتًا عائليًا، وتغادره صباحًا إلى بيت خالتها وتعود في المساء رفقة ولديها.

صبرت سعيدة كثيرًا وطويلًا على ظلم وإهمال زوجها لها، وهو لا يعطي ولا يفرد لها حتى وقتًا معقولًا، ويقضي معظم وقته إما في الخارج مع رفاقه من الجنسين، أو في البيت مع أمه، هكذا كان يفعل قبل التحاقه بالجيش ولا زال يفعل ذلك ويمارسه بعد عمله.

كان شقيقه الأكبر يلومه ويعاتبه على ذلك وظلمه لزوجته، وسمعت سعيدة ذلك صدفة في رواق منزلهم، ووقف شقيق زوجها إلى جانبها في كثير من المرات، وحاول ذلك مرارًا لكن لا أحد يسمع كلامه في البيت، كان شقيق حسين مغيبًا ومبعدًا من كل الأمور رغم اأه كان الابن البكر، ولديه وظيفة وراتبًا محترمًا، لا يرى ولا يبقي لنفسه من وظيفته وعمله سوى ثلث راتبه، حتى أن العائلة قامت بتزويج حسين الابن الأصغر والعاطل عن العمل قبله، واشترت لحسين أرضًا وهو لا.

حياة افتراضية!

وكل ذلك كان بتدبير من والدته فهي تعشق حسين حد الموت، وخال سعيدة لا يرى شيئًا ولا يسمع شيئًا، فحماتها هي إذن خالها وعينيه، أما شقيقة زوجها وابنة خالها كانت في عالم آخر، فهي معذورة يا ناس، ترى الأمور والدنيا بوجه آخر، لا ترى الواقع ومن معها، وتعيش واقعًا افتراضيًا  لم تكن في البيت يوم أن كانت تعيش فيه، فهي مع النت والفيس والماسنجر والواتس واسناب شات وتويتر، وهي أيضًا في لندن واوتاوة وسيدني واوهايو ودبي ومراكش في كل مدن الدنيا، ما عدا من يسكن معها في البيت، ليست معهم.

وبعد خمس سنوات من زواج سعيدة انتقلت شقيقة حسين إلى بيت خالتها وتعيش معها في حي قريب، فقط تأتي إلى منزل عائلتها آخر الشهر لتسلم نصف راتبها لوالدتها، وتصرف نصفه في مكياجها وعطورها وملابسها وفي اقتناء ما تريد، وهي مولعة بالهواتف وجديدها وموديلاتها، ومعاملتها مع سعيدة معقولة وطيبة في الغالب. 

بعد 11 عامًا من زواجهما، وجه حسين إلى دارفور في بعثة تابعة لقوات السلام الأممية، وصرف له راتب شهري ثاني وكبير جدًا إلى جانب راتبه الأول الذي كان هزيلًا منذ البداية فهو راتب عسكري جندي عادي، كان الراتب الأممي والثاني هائلًا وخرافيًا ويصل إلى عشرة أضعاف راتبه العادي الأول، ووالدة حسين هي من تستلم راتبي ابنها شهريًا، وتدفع لزوجته نصف الراتب الأول، لم ترفض سعيدة ذلك الأمر لأن حسين اتفق معها وأقنعها قبل سفره أن والدته تبني لهم بذلك المال بيتًا وأنها وطفليهما ستدخل  منزلها بعد اكتمال بنائه مباشرة، ولذا كان عزاءها بيتًا يأويها مع من تحب.

نهاية غير سعيدة

 صبرت سعيدة وتحملت كثيرًا مع أن الظروف كانت ولا زالت صعبة وهي تتقاضي نصف راتب زوجها العادي، كانت سعيدة قروية ريفية أصيلة قليلة الرفض والتذمر وجبلت على الصعاب والتعب، وفوق هذا وذاك تحب زوجها بدرجة لا يمكن وصفها، واستغل حسين ذلك الحب، ووالدته  استغلت جهلها وبراءتها.

وبعد سنتين من سفر زوجها للسودان طلبت سعيدة من حماتها مبلغًا بسيطًا لشراء بعض أغراض منزلها الجديد الذي انتهت عملية بنائه تمامًا، وبينما كانت حماتها منزعجة من طلبها الأول، أضافت سعيدة طلبًا آخر، زاد من انزعاج حماتها وغضبها وجنونها. 

كان سؤال وطلب سعيدة طبيعي ومشروع، فهي سألت متى ستنتقل هي وولديها إلى بيتها الجديد الذي انتهت عملية بنائه منذ 4 اشهر وصار جاهزًا كليًا لاستعماله.. 

رباااااااااه .. ليتها لم تسأل سؤاليها …

 أهانتها واتصلت بابنها وأخبرته أن زوجته تطاولت عليها وأهانتها. 

اتصل حسين بزوجته وأكمل إهانات بدأتها أمه لها وطلقها على الهاتف.. وما زالت معاناتها مستمرة..

                  النهاية

تعليقات الفيس بوك
اظهر المزيد

محمود شامي عبد القادر

جيبوتي الجنسية واريتري الأصل، ولد في 1 اغسطس عام 1974 م احتضن اليمن السعيد فترة مهمة من حياة الكاتب وعاش فيه من عام 1980  إلى عام 1993، ودرس فيه تعليمه الأساسي والثانوي. خريج الهندسة المدنية تخصص طرق ومنشآت فنية من جامعة العلوم والتكنولوجيا وهران - الجزائر ۔ صدر له: روایة (وثالثهما الفنجان) عن دار النخبة، روایة (9 مارس) عن مؤسسة الأبرار بصنعاء.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى