أخبارنا

«سماء سقطت من حضني»… المظلومية الكردية

قراءة نقدية لرواية الكاتب ماهر حسن الصادرة عن دار النخبة

تحت عنوان «قراءة في رواية سماء سقطت من حضني» نشر موقع «ملتقى العروبيين» مقالًا يتضمن قراءة نقدية كتبه الناقد أحمد العربي، لرواية الكاتب السوري الكردي ماهر حسن، الصادرة عن دار النخبة للنشر والطباعة والتوزيع.  

وجاء في المقال..

ماهر حسن روائي كردي سوري واعد، قرأت له رواية «ذات مكان ذات أنثى» وكتبت عنها.

«سماء سقطت من حضني» رواية ماهر حسن، تعتمد لغة المتكلم على لسان الشخصية المحورية في الرواية دون تحديد اسم له، أدعوه هنا في القراءة صاحبنا…

صاحبنا شاب كردي سوري من مدينة القامشلي. موجود في إحدى الدول الأوربية بعد أن وصل إليها لاجئًا. يتحدث إلى جارته المُسنّة وأمامه كراسته حيث قرر أن يدوّن قصته ويحولها إلى رواية…

 كان صاحبنا قد نجح في البكالوريا قبل الثورة السورية التي قامت في ربيع عام ٢٠١١م. ودخل كلية الطب في مدينة حلب وباشر دوامه فيها. هناك تعرَّف على (جاني) فتاة كردية أيضًا، وحصل بينهما عاطفة تطورت لتصبح حب، وحصلت الثورة السورية، التي انتصر لها صاحبنا خاصة في المرحلة السلمية في سنواتها الأولى. وكان رأيه أنَّ تحوّل الثورة إلى العمل المسلَّح وتدخل القوى الدولية والإقليمية واستحضار داعش والقاعدة جعل الثورة السورية ومن ثم الشعب السوري ضحية كل ما حصل.

صاحبنا مسكون بكرديته وأن النظام المستبد السوري كان يظلم الأكراد، بالطبع كما يظلم كل الشعب السوري. فهو يرى أن النظام لم يكن يسمح للأكراد بالتحدث والتعلم بالكردية. وهو يغوص عميقًا في تاريخ تكوين المنطقة قبل قرن وكيف منع الأكراد من أن يكون لهم كيان مستقل، وأنهم أصبحوا موزعين بين دول عدة سوريا والعراق وتركيا وإيران. وأنهم عانوا من مظلوميات مختلفة في تلك البلدان.

 ما إن حصلت الثورة السورية ووصلت بعد ذلك إلى حلب وحصل القصف على جامعة حلب التي راح ضحيتها بعض الطلاب وانتقل الحراك الثوري المسلح إلى حلب حتى انقطع صاحبنا عن الجامعة واستقر في مدينة القامشلي. ولكن لم يتحمل بعده عن حبيبته جاني المتواجدة في حلب، قرر أن يذهب إلى هناك لرؤيتها. وبالفعل ذهب، وفي طريقه وقبل الوصول أوقف الحافلة أحد الحواجز العسكرية. وحقق مع أغلبهم. وكان مصير صاحبنا الاعتقال. انتقل من معتقل إلى آخر واستقر أخيرًا في سجن صيدنايا، حيث لاقى به أسوأ أنواع التعذيب. بالطبع كان جو المعتقل – السجن أقرب لمحطة موت غير معلن، ينتقل للموت سواء بالتعذيب أو بالإعدام المباشر، حيث لم تتوقف الإعدامات هناك كل يوم تقريبًا، وحيث يتم جمع القتلى الضحايا من المعتقلين في سيارات ويتم دفنهم في حُفر سريَّة.

عانى صاحبنا في سجن صيدنايا كثيرًا وأصيب باليأس من خروجه منه حيًا، لكن وبعد مضي سبع سنوات على اعتقاله تم الإفراج عنه، وعاد إلى مدينته القامشلي، وهناك رجع يفكر بحبيبته وما هي أخبارها. تقصَّى ووصل إلى معلومة تفيد أنها تتواجد في مدينة عفرين. بالطبع كانت الأحوال في سورية قد تطورت كثيرًا وأصبحت ساحة صراع بين أطراف تمترست على الأرض السورية وأعلنت شبه دول. النظام وحلفاؤه روسيا وإيران وحزب الله والمرتزقة الطائفيين، وكذلك الجيش الحر والجماعات المسلحة التابعة للثورة السورية بتنوعها، وكانت قد تولَّدت داعش بسرعة وامتدت على مساحات واسعة، وسرعان ما أعلن التحالف الدولي الحرب عليها وتم تحجيمها. وكانت عفرين تحت سيطرة الجماعات المسلحة المنتمية للثورة السورية، صاحبنا لم يعترف بهم وذكرهم على أنهم مرتزقة وتصرفاتهم لا تختلف عن النظام السوري.

المهم قرر صاحبنا أن يذهب إلى عفرين للبحث عن حبيبته، وبالفعل ذهب وبحث عنها ووجدها، وعاد هو وهي إلى عين عرب كوباني ومن هناك إلى القامشلي. حيث قررا أن يخرجا خارج سوريا في رحلة لجوء إلى أوروبا عبْر تركيا…

وصلا إلى الحدود التركية ومن هناك انتقل مع حبيبته جاني إلى اسطنبول. وهناك التقيا مع مهرب وتفاوضا معه حول تكلفة نقلهما إلى اليونان ومنها إلى أوروبا. وضعا خطتهما وانتقلا إلى مكان التجمع وركبا زورقًا خشبيًا كان ممتلئًا، قاده أحد الشبان من المهاجرين مثلهما، وفي عرض البحر انتهى الوقود وتوقف القارب وكان البحر هائجًا وسرعان ما انقلب القارب، وسقط الجميع في البحر وسط صياح وعويل. غرق الكثير قبل أن تنقذهم باخرة يونانية، غرقت جاني وتم إنقاذ صاحبنا وأنقذت طفلة فقدت أهلها، اعتبرها ابنته وسجلها في مكتب اللاجئين على أنها ابنته، وها هو الآن يعيش في البلد الأوروبي لاجئًا.

هنا تنتهي الرواية.

في التعقيب عليها أقول:

بدايةً لا بد من التأكيد على أن المظلومية الكردية التي تحدَّث عنها الكاتب ماهر حسن، هي جزء من مظلومية مجتمعية في سورية حيث النظام المستبد الفاسد الطائفي القمعي عبر عقود، لم يسلم من ظلمه أي من أفراد الشعب السوري بتنوعه الديني والطائفي والإثني. طبعًا كان للنظام انتهازيون من كل مكونات الشعب السوري تخدمه وتأكل من فتاته.

وحول موضوع عدم إعطاء الأكراد الحق القومي بالكيان والدولة، نقول إن التقسيم الذي اعتمد للتركة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى وفق اتفاق (سايكس- بيكو) وخلقت بموجبه الدولة السورية؛ لم تكن تعطي الحق للمكونات السورية كلها في الوجود بصفتها القومية، فهناك كذلك طموح قومي عربي مثل الطموح القومي الكردي، وبقيت كلها مجرد أماني وشعارات استخدمتها الأحزاب السياسية بعد ذلك لتصنع أحزاب مسلحة فاشية مثل حزب العمال الكردستاني عند الأكراد، وحزب البعث الذي سيطر على الحكم في سورية والعراق وسيطر على الشعبين وظلمهم لعقود…

كما لفت نظري في سرد الكاتب لحياة بطل روايته أنه لم يقترب أبدًا من واقع القامشلي بعد الثورة السورية التي شارك فيها أهل القامشلي وكان رمزهم مشعل تمو، التي اغتالته أيادي النظام، ولم يقترب إلى عودة حزب العمال الكردستاني من جبال قنديل والهيمنة على الشمال الشرقي السوري القامشلي والحسكة وامتدوا برعاية أمريكية تنهب بترول سورية وموارده الزراعية الخصبة، ليصلوا شرق الفرات كاملًا مشكلين شبه دولة الإدارة الذاتية، روج افا، بمسميات ال ب ك ك وال ب ي د وقوات سورية الديمقراطية.

عدم ذكر ذلك يسيء للرواية ومصداقيتها من حيث تسرد وقائع حياة بطل الرواية ابن ذاك المكان وذلك الزمان، والواقع المجتمعي والسياسي ما زال قائمًا للآن.

نحن نرى أن الرواية – أي رواية – هي تعبير صادق وأمين عن موضوعها العام. وإن اختلفت بالتفاصيل فذلك جزء من تقنية الرواية عمومًا، وإن لم يحصل ذلك تصبح الرواية جزءًا من حملة تشويه الواقع أو تصمت عن ما حصل فيه وذلك خيانة للحقيقة.

بكل الأحوال أعرف أن هذه الرواية هي باكورة الكتابة الروائية للصديق ماهر حسن، وستكون درسًا مهمًا في مسيرة كتاباته القادمة. نتمنى ذلك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى