إبداع

شارعنا.. سيما ليلى.. مسرح قيس

هروب صغير من دولاب الحياة وصخبها نغير فيها من روحنا كأنما نستبدل ملابسنا

أحمد حسين
Latest posts by أحمد حسين (see all)

في شارعنا كان هناك سينما إذا لم تكن تعرف (سيما ليلى).. فأدعوك أن  تتفرج على فيلم (سيما براديسيو) الفيلم الإيطالي الجميل، ورغم أنه أنتج سنة ١٩٨٨..

وليلى.. السينما التي عرفها جيلي وأعرفها منذ نعومة أظفاري… كان أهلنا يحذروننا (متروحش عند السيما عشان الترومبيلات).

ولكن لما اشتد العود وتوسعت دائرة معارفنا في المكان عبرنا لنكتشفها شارع مصطفي كامل الطويل. ولم نخش (الترومبيلات) ولا أتوبيس (بيجاسو) الفرنسي العملاق ذي السوستة الكاوتشوك من المنتصف.. كنا نقفز أمام الأرصفة والمحلات.. بدءًا من محل (يسي) المسيحي الطيب بائع الكراملة (النادلر) في علب الصفيح، ثم القهوة العالية.

ثم مررنا على عم أنور بيّاع الكفتة ومدخنته الطويلة ورائحة الشوي التي تعبق المكان وتداعب أنوفنا الجوعى حتى تصل إلى أجزخانة الشعب، ومنها نعرج على محمصة حجازي حيث ينتشر في المكان رائحة الفول السوداني المحمص واللب الأسمر والسوري الخشبي الصغير.. فبقروش قليلة ابتعنا قرطاسين من اللب والسوداني وكبشة فوق البيعة لأننا اشترينا بأكثر من صاغ واحد، ثم تحمل أكياسك وتفرغها في جيوبك الطويلة، ثم تنطلق إلى سينما ليلى قبل نهاية الشارع الذي سُمي على اسمها شارع (سيما ليلى).

أول ما يطالعك… يافطة كبيرة في مدخل السينما 3 أفلام خلال بروجرام واحد، عربي وهندي وأجنبي.. عدة أفيشات مصورة لنجوم السيما أبو شوقي.. بروسلي ولولي.. جوليانو جيما.. بد سبسر.. ترانس هيل.. أفيشات أغلبها مرسوم باليد بألوان الجير الباهتة.. ثم لقطات مصورة فوتوغرافيا في برواز مغلق لبطلات السينما على السرير في غرف النوم بملابس شفافة.

وعلى شباك التذاكر زحام معهود نحجز (حفلة ٩) وهذه هي الحفلة الحقيقة والميعاد المفضل لرواد السينما ومحبيها حيث  تدخل والناس سهارى والحركة تعج في المكان، ثم تخرح من الأبواب وكأنك مولود جديد مشبع بجرعة من التفاؤل وكأن الحياة قد أصبحت دونما بشر والشوارع كساها الهدوء.

كانت السينما بالنسبة لنا هروب صغير من دولاب الحياة وصخبها نغير فيها من روحنا كأنما نستبدل ملابسنا، وكانت كل خطوة نخطوها ‏ملآنة بسعادة طفل يكتشف عالمًا جديدًا تضرب فيه التفاصيل كهوفًا من تساؤلات في عقل مزدحم بالكلمات.

كنا نذهب مبكرًا قبل الميعاد وبعد حجز التذاكر نبحث عن مكان لتقضية الوقت حتى موعد البروجرام… فكان وجهتنا هو مسرح (قيس) الملاصق للسينما والمزدحم دائمًا بأفراح العائلات والليالي الملاح وأصوات الصخب الشهيرة للموسيقى المتدفقة بلا رابط، ففي الأفراح تعلو الأصوات ودقات الطبلة، إيقاعات الأفراح، ودوشة المعازيم، وضحكات العرسان.. تلك أدوات تلفظ بها الروح أكوام الحزن تجعلك تعرف أن الحياة لا تزال ساحة لكل جميل.

وكنا ندخل مسرح قيس لا يعنينا فرح من..؟ ومن يكون العريس أو العروسة..؟ إنما جئنا دقائق للتسلية.. أفراح الحياة ليست لك وحدك بل هي للجميع.

كنا نتابع فقرات الأفراح والفنانين المشهورين.. حسان شرارة بطاقيته وجلبابه الأبيض و (البت قالت لأبوها).. وبدرية السيد (طلعت فوق السطوح أنادي علي طيري)، و(من بين شواشي الدرة جمرية بتغني) وعزت عوض الله (يا زايد في الحلاوة عن أهل حيينا ما تبطل الشقاوة).. حدوتة الأفراح السكندرية وإبراهيم عبد الشفيع (هاتوا الشبك لموا الدفة ويلا بينا الملاحة) وسماح صاحبة (التاكسي ملاكي)، كل هذا كان يطربنا، ولم يكن يعنينا! جُل ما يعنينا فقرتان رئيستان؛ الأولى استراحة توزيع الباسطا أو (الجاتوه) تلك العلب الكرتونية التي توزع على الكل، وأكواب الشربات ذات الطعم الحلو بزيادة.

 والفقرة الأخرى فقرة الراقصة.. فقرة للراقصة التي غالبًا ما يتوقف لها المسرح بأكمله ثم صمت ويعلن في الميكروفون عن قرب ظهور النجمة اللولبية والراقصة الغنائية ثم يخلو المسرح من الكبار والأطفال وترش الموسيقى.. و(رش الموسيقى) هو الصوت التي تحدثه حركات صاجات الرق والمظهر فقط دون غيرهم من الآلات.. وبين هذا الرش الموسيقي تخرج الراقصة وفي يدها إيشارب عريض تختفي خلفه سرعان ما ترميه..

و.. تنتبه العيون وتجتذب الأضواء كلها وبين مصمصة شفاه النسوة وجحوظ عيون الرجال.. كنت أسأل نفسي ما هي المتعة في أن تخرج امرأة بكل مفاتينها لا تستر إلا مواضع العفة لتتمايل وتتراقص وتهز ردفاتها وجنباتها ومؤخرتها وصدرها، ويهتف المعازيم ويصرخون ولا يكاد يخلو فرح إلا وقاسمه الرئيسي فقرة الراقصة؟ لماذا الرقص..؟ ولماذا شبه عارية..؟

هل الرقص يشكل هروبًا من الواقع نحو عالم آخر مليء بالفرح على إيقاع موسيقي..؟ هل الرقص يفرز هرمونًا للسعادة..؟ أيجعل من المرأة أكثر شبابًا ورومانسية..؟ أم أن الرقص فعل ضد الحياء والخجل والمجتمع..؟ وما سحر هذه الشخاليل أو الصلاصل أو الصاجات..؟

 ومهما كان هز الوتر والإيقاعات تداعب قطعة داخل حشاش النفس.. لكن ما الداعي لهذا الهز؟ أم لأن النفس جُبلت على تحريك أعضاءها بالإيقاعات عند الفرح والسرور؟

ربما عرفنا بعد ذلك أنه لا بد مهما كنت تحمله من قيم وما حملت من أخلاق سيتحدث الذي بداخلك.. عندما تسمع دق الطبلة والرق ستتراقص حتى ولو كنت بمفردك!

‏وسيأتي عليك وقت تكون فيه شخصًا عاديًا وتحتاج أن تتابع الراقصة.. ساعتها ستعرف مهما بلغت من حكمة.. أنك لم تتوقف أو تقدم تنازلات لكنك استمعت لحظه للذي جواك وغالبك إحساسك.

كنا ننسحب في هدوء تحت رغبتنا أو ضدها تحت وطأة فجعتنا من تضاريس الراقصة التي لم تغلبها الأنوثة.. أو مطرودين بأننا غرباء.

كانت ضحكاتنا تتعالى عندما نعرف أننا ما تمتعنا من فقرة الراقصة إلا بكمية الترتر والأصداف التي تتحرك وتتمايل، حتى أنني ليخيل لي في صغري أن هؤلاء الراقصات أضاعوا منا كثيرًا من تخيلنا عن دواخل الأنثى ولكني استردته عندما زرت يومًا شرم الشيخ..

 لكن سينما ليلى الأقدم والأشهر في اسكندرية وفي حيينا الجميل.. (سيما ليلى) أول استوديو سينمائي بكل معداته وإضاءته الكبيرة بناه (توجو مزراحي) اليهودي المصري بعد عودته سنة١٩٢٠ من دراسة السينما بفرنسا وعرض فيها أول فيلم بعنوان (الكوكايين) وبعدها تعددت العروض والأفلام حتى هاجر (توجو) إلى إيطاليا ثم تحول هذا الاستوديو إلى سينما ليلى ومسرح قيس.

سُميت السينما على اسم (ليلى العامرية) حبيبة (قيس) وأُطلق اسم قيس على المسرح الذي خُصص للحفلات والأفراح. والمسرح والسينما رمزان لقصة الحبيبان قيس وليلى.. (وللحديث بقية).

تعليقات الفيس بوك
اظهر المزيد

أحمد حسين

بكالوريوس إعلام، جامعة القاهرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى