إبداع

صبوحة.. نغم سكن قلبي

هذه الأثنى بلون القهوة ونكهة البن وبطعم الشيكولا وبرائحة طيب بونتلاند وبخور المسك

Advertisements
محمود شامي عبد القادر
Latest posts by محمود شامي عبد القادر (see all)

في صباح يوم الأربعاء واليوم الذي أتفاءل به دائمًا باعتباره يوم مولدي، وفي يوم شتوي منه، ويوم ماطر وجميل من عام 2018 سافرت في مهمة عمل إلى العاصمة أديس.

 رأيتها ذلك اليوم في محطة نقاد جيبوتي، أو في محطة سكة الحديد الرئيسية في منطقة نقاد بجيبوتي العاصمة، رفقة شاب وشابة كانا يتحدثان معًا ومعها، وكانت تنصت إليهما وتستمع أكثر مما تتكلم، كل ما نستطيع قوله عن شكلها هيئتها ملامحها طلتها وجمالها إنه يمثل منطقة قرننا الإفريقي بأكملها.

 نغم قديم يتجدد

وتساءلت حينها هل كانت هذه الأنثى تودع أحدهم أم تسافر معنا؟ وفور رؤيتها تبادر إلى ذهني نغم قديم يتجدد، نغم حضرمي يمني، عربي خليجي،، وأغنية حزينة تجسد الشعور بالشوق والفقد والحرمان،،

وتجسد أيضًا مرارة الخيبة التي يشترك فيها الجميع بعد فوز غريب وظفره بملاك وريحانة تمناها الكل في حيه أو مدينته أو في وطنه، قادمًا ذلك الغريب ربما من حي أو مدينة أو وطن آخر بعيد..

والنغم الذي أعنيه وأقصده هو نغم (صبوحة) وأغنية صبوحة الشهيرة التي كانت حاضرة بقوة في كل الأعراس في كامل أقطار الجزيرة العربية وأمصار أخرى قريبة وبعيدة من محيط جزيرة العرب وأوطان أخرى احتضنت جاليات عربية أغلبها جاليات يمنية، وكانت صبوحة حاضرة هنا كذلك في جيبوتي سيما في أعراس عائلات عربية جيبوتية، إلى منتصف الثمانينات.

صبوحة خطبها نصيب

لا شك أن حلاوة هذا النغم وجمالياته يكمن في الارتباط الشرعي لأغنية عربية شرقية مع إيقاع إفريقي خالص، وأن اللحن الإفريقي كان نصيب كلمات عربية في هذا الأغنية..

وأغنية صبوحة تمثل أيضًا ثورة انتصرت فيها العاطفة والمشاعر على ما كان عائقًا وحجر عثرة من أعراف مجتمعية صارمة في موطن صبوحة..

 لكن صبوحة فرضت واقعًا آخر جديد، وخطبت لغريب، وأرغمت بذلك مجتمعها الذي تحكمه أعراف وتقاليد صعبة لا تسمح للمرأة غالبًا وللرجل بالاقتراب من النار، والارتباط بالغرباء.

كان نصيب صبوحة شخصًا غريبًا عنها وعن أهلها، والغريب يعني هنا البعيد، والبعد يعني بعدًا مكانيًا فقط، وقادم من مكان بعيد.

وكان الخطاب يبعدون عن موطن كل من صبوحات حضرموت وعدن والكويت وجدة والمنامة ومسقط وجيبوتي آلاف الأميال، مثلي أنا وهذه الشابة الإفريقية،

وهذه الشابة لربما تكون صبوحة وربما أكون مصيرًا مجهولًا مرتبًطا بها، ويجسد النغم حالتي الصعبة وأنا مسكون بها، وعاجز عن وصف ما تذخر بها هذه الأغنية.

 وهذه الشابة التي أراها امامي في محطة نقاد، من حسن وبهاء وجمال، وما أشبه اليوم بالبارحة كما يقال، وما أشبه

 هذه الأنثى بذلك النغم، فهذه الأنثى أيضًا كما بدا لي أو أردت لها ولي ذلك أنا،،

كانت آنسة،،، وجمعني بها القدر في هذه المحطة، وها هي تسافر معي في رحلة طويلة وشاقة تمتد لتسع ساعات بالقطار الجديد، الرابط بين العاصمتين جيبوتي وأديس وتشغل مقعدًا محاذيًا موازيًا لمقعدي تحمل كل مواصفات صبوحة من جمال جذاب ومحبب وشهي.

كوكتيل من الكلمات والألحان

 كان النغم كوكتيلا وهجين، كلمات عربية بلهجة حضرمية، ولحن إفريقي خماسي، وهذه الأثنى بلون القهوة ونكهة البن، وبطعم الشيكولا وبرائحة طيب بونتلاند وبخور المسك والعنبر، ومنعش جمالها كالكولا،،

 وكانت بشعر أسود حريري قصير وشبه دائري أو كوب قارسون coupe garcon ، وبفستان أسود خفيف مكشوف الظهر ويصل إلى الركبة بالكاد، وحقيبة يد وساعة معصم بيضاوان يتسلل إليهما السواد على استحياء وأي فون 9 يحمل ذلك اللونين،،

حيرتني هذه الأنثى التي تجسد ذلك النغم، كالجمل بما حمل،، كانت تلك الأنثى تستعمل سماعة طوال الرحلة ربما تفعل ذلك لتقتل ملل الرحلة وتعبها بالسماع إلى شيء مسلي وإلى نغم موسيقى،

جهلت هويته كما جهلت هوية هذه الأنثى ذلك الوقت، وحاولت معرفة هويتها من باب الفضول والمعرفة والأمل، فلربما وعسى ولعل،، نذهب معًا إلى نقاط بعيدة،

ومن حسن حظي تحدثت مع مضيفة القطار بالفرنسية، لم تطل الحديث معها، كانت جملة واحدة وكافية، لأدخل معها بطريقتي، وبلغة فرنسية أتقنها جيدًا كان ذلك اعتقادي قبل حديثي مع تلك الآنسة الديغولية التي فندت قناعاتي تمامًا، كان ذلك في محطة دوالي الحدودية الواقعة على بعد 98 كيلو من العاصمة جيبوتي.

النغم الجديد

النغم الجديد كانت آنسة وتعود إلى أديس أبابا حيث تقيم فيها منذ عامين وبقي من عقد عملها أقل من عام وتعود بعدها حيث تعيش، والنغم شابة رواندية تنتمي إلى قبيلة وعرق التوتسي، والتوتسي 10% والهوتو (80%) وهما المكونان الرئيسيان لرواندا إلى جانب أقليات أخرى تشكل 10% من سكان البلاد،

 وتنحدر تلك الآنسة من العاصمة كيغالي وفتاة تنتمي إلى منطقة البحيرات العظمى، ورواندا تحديدًا التي داوت آلامها وجراحاتها سريعًا وانطلقت كالصاروخ لتصعد من قاع الحفرة الي سطح القمر وإلى الفضاء مسجلة أعلى نمو اقتصادي وسريع في إفريقيا ومقصدًا لرجال الأعمال في العالم باعتبارها أفضل مكان آمن في العالم، بعد أن كانت آخرها قبل 24 عامًا وهو عمر هذه الشابة الرواندية وعمري أنا،،، ومكان شهد أشرس حرب أهلية عرفها التاريخ بين الهوتو والتوتسي، قبل أن تعكس رواندا وجها آخر مغاير بكل ما تحمله كلمة التغيير من معنى..

ولم يكن النغم الجديد أو بالأحرى القديم الذي يتجدد من محيطنا، مثلما تخيلت، فهي توتسية رواندية تجمع كل تفاصيل وجزئيات الجمال الرواندي، وجمال قاتل ثائر هادئ مربك ولطيف وجذاب يمثل رواندا ووجهها الصباحي المشرق وجمال صاف ونقي مثل كيغالي حاضرة رواندا الجميلة وشوارعها النظيفة، وجمال ناصع ساطع مثل صفحة بيضاء كشعبها الذي أغلق صفحة الجراح وبدأ بأخرى بيضاء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى