إبداع

صرخة فرشاة

من المجموعة القصصية «11 في كتاب» الفائزة في مسابقة المقهى الثقافي

Advertisements
Latest posts by نها شتا (see all)

«على جميع الركاب ربط الأحزمة»

مدت يدها الموشومة بالتجاعيد لتحكم الحزام حول خصرها النحيل، متذكرة رحلتها الأولى إلى مدينة الفن والجمال، طفلة يبهرها كل شيء، ترقص بالطرقات على أنغام العازفين بالميادين، تتطلع بعيونها البريئة إلى لوحات اللوفر فتسافر في كل لوحة حيث يأخذها الخيال.

«تحبي تشربي إيه؟»

تفيق على صوت المضيفة من ذكرياتها البعيدة وتختار عصير الجوافة وترتسم ابتسامة خفيفة على شفتها الضامرة، حيث تمد يدها الصغيرة لتقطف بشائر شجرة الجوافة المزروعة في حديقة منزلها وتسمع صوت والدها يخاطبها: «عارفة يا نسمة الشجرة دي من عمرك يعني عندها 6 سنين»

الشجرة لو ظلت لكان عمرها الآن ستين عاماً.

«لحمة والا فراخ؟»

تردد صوت المضيفة مرة أخرى لتخبرها نسمة بعدم رغبتها في الطعام، كل ما يشغل رأسها الموشى بالشعر الأبيض هو الوفاء بالوعد الذي قطعته على نفسها منذ أكثر من أربعين عاماً.

«عاوزك توعديني إنك توصلي للي ما قدرتش أوصله، عاوز اسمي يتخلد مع اسمك، إنتي ربنا إداكي موهبة مش عند حد»

«ربنا يديك العمر يا بابا، أنا آجي جنبك إيه ؟»

وتقطع الوعد ليفارقها فارسها الأول بعد أيام، بينما يمسك يدها فارس جديد يكبلها بخاتم في اليد اليسرى.

«على جميع الركاب ربط الأحزمة»

يتردد الصوت مرة أخرى معلنًا الوصول لأرض الوطن، تغادر الطائرة بأقدام واهنة تكاد تحملها الريح إلى المرسم القديم، ولكنها تتوجه إلى فندق بوسط المدينة لتكون بالقرب من وجهتها وتضع حقائبها لتقضي ليلتها ساهمة تفكر كيف تنازلت عن حقها في الحياة طيلة هذا الوقت كيف مات الوعد في قلبها!

ها هو الفجر يشرق من جديد، يمحو غشاوة سنوات الغربة عن نفسها، ويفتح ستائر الليل المسدلة على حلم عاشت له، ويحيي الأمل من جديد.

 الأمل.. اسم ابنتها الكبرى، اختارته لها كي لا تصاب باليأس بعد أن أجبرتها الظروف على ترك كل شيء خلفها لتسافر مع زوجها المملكة السعودية حيث وأدت موهبتها وظلت حبيسة مهامها كزوجة وأم.

«عاوزه عربية توديني مصر القديمة من فضلك»

قالت محدثة موظف الاستقبال بعد تناول الافطار على عجل، وعندما آبت إلى مقطنها استعانت بأحد عمال المنطقة لكسر قفل الباب الصدِئ بفعل السنوات، المكان مظلم والكهرباء منقطعة منذ زمن، رائحة الهواء عفنة كجثة متروكة للتحلل، توجهت لفتح النافذة وبصعوبة استطاعت، لامست أشعة الشمس أركان الغرفة المغطاة بأكوام من الأتربة فأعادت الحياة لمرسم والدها القديم، تنفست الصعداء وبادلتها الغرفة شهيقاً بشهيق وزفيراً بزفير، لتبدأ بالحديث..

كل ما هو مهمل يلومها.. كل لون يعاتبها.. لكنها تشعر ببلاط المرسم يحتضن أقدامها، تشعر بموهبتها الفقيدة تسري في أواصلها كعودة الروح للجسد، يلمع كل شئ في عينيها فتدور راقصة على أنغام الذكريات في طرقات باريس تتطلع بعيون الطفولة لكل ما حولها، وفجأة..

تبينت ملامح غابت عنها، لوحة لفتاة في مقتبل العمر ما زالت معلقة على الجدار، تلك التي رسمها والدها لها، الأتربة رسمت تجاعيدها على اللوحة، كما حفر العمر تجاعيده على وجهها.

تنهدت مرددة وعدها «أوعدك يا بابا أني مش هاتخلى أبداً عن الفن وهايكون هدفي الأول أن لوحة من لوحاتي توصل اللوفر».

 ومن وسط كل الفوضى أمسكت فرشاة صغيرة لتتفتت كما السديم في الهواء، وتنطق في يدها قائلة: «كيف خنتيني!».

من مجموعة «11 في كتاب» القصص الفائزة في مسابقة المقهى الثقافي «همس الأوراق» برعاية دار النخبة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى