حول العالم

عبد الصاحب البطيحي… المترجم المبدع

دراسته وتدريسه للغة الإنجليزية سنوات طويلة ساعدته في أن يثقل موهبته

  • على المترجم التنبؤ بما يرغب القارئ الأجنبي الاطلاع عليه
  • ليس كل ما هو مترجم رديء، فالكثير منه صالح
  • مشاركة كتب الأديب في المعارض تحقق له سعادة وثقة بمنجزاته
  • الكاتب شخص حالم، أحلامه تنحصر في الإبداع الذي ليس له حدود

الكاتب والقاص والمترجم العراقي الكبير عبد الصاحب محمد البطيحي، يكتب القصة ويترجمها هي والرواية من وإلى اللغة الإنجليزية، هو ليس مجرد مترجم، بل مبدع يسير وراء أحلام ليس لها حدود في الإبداع، دراسته وتدريسه للغة الإنجليزية سنوات طويلة ساعدته في أن يثقل موهبته التي بدأت منذ المرحلة الإبتدائية من التعليم. صدر له عن دار النخبة العربية رواية «أسبوع شتوي» مترجمة للكاتبة الأمريكية ميف بنجي، والمجموعة القصصية «السقوط والارتقاء» للكاتب بن لوري. 

أجرينا معه هذا الحوار الذي يعد أحد أهم الحوارات التي أجريناها مع كُتاب ومبدعي «النخبة» لما لصاحبه من سعة في الاطلاع والثقافة العربية والأجنبية على حدٍ سواء.

نص الحوار..

  • متى بدأت مسيرة ككاتب وأديب ومترجم للأعمال الروائية العالمية؟

-لا يمكن للمرء أن يبدع في عمل ما إن لم يكن ممتلكاً منذ البدء بذور القدرة على ذلك. هكذا كان الأمر معي في مجال الأدب، انتهى بي عندما اُتيحت لي الفرصة بالنشر في الصحف العراقية أوائل التسعينيات من القرن الماضي. انشغلت مذ ذلك الحين بالقصة القصيرة وبالترجمة وأحياناً بالحديث على المنصات الأدبية عن عمل أدبي يعود لي أو لغيري .

  • حدثنا عن الصعوبات والتحديات التي واجهتك في مسيرتك الإبداعية، وكيف تغلبت عليها؟

-كنت، وما زلت، أعيش أسعد أوقاتي عندما أكتب، لذا أرى الصعوبات جزءاً من العمل. في مجال القصة لا أكتب إلا بعد أن تقدم الفكرة نفسها في مخيلتي، أكتبها على عجل بعدئذٍ أطيل النظر فيها، أحذف وأعدّل مهما طال الوقت.

  • ما أهم قراءاتك في السابق والآن سواء في مجال الأدب العربي أم العالمي؟

-مجال الترجمة كنت، وما زلت، محظوظاً بما لدي من مقتنيات الكتب في الرواية والقصة القصيرة القديمة منها والحديثة، أختار منها ما يلائم سير أفكاري.

  • مَن أكثر الكتاب الذين تأثرت بهم سواء على المستوى العربي أم العالمي؟

-الأمر في الترجمة يكمن في أنه على المترجم أن يتلبّس بلباس الكاتب الأول ، ويتبنى أفكاره من أجل أن يصوغها مرة أخرى بأسلوبه الذي يتميز به. ساعدتني في كل ذلك مهنتي، فأنا  مدرس للغة الإنجليزية طوال عشرات السنين، ألقي الدروس في اللغة والأدب الانكليزي. واصلت التدريس حتى بعد سن التقاعد. ومن هنا فإن اهتمامي بالكتابة ليس إلا مجرد حلقة من مسيرة طويلة ابتدأت منذ سن مبكرة يعود بعضها إلى مرحلة الابتدائية؛ كنت آنذاك  أقرأ القرآن الكريم، خاصة في شهر رمضان (في هذا الشهر أقرأه أكثر من مرة)، تبهرني منه الآيات القصار التي ظهر تأثيرها على كتاباتي، مثلما هو تأثير أسلوب طه حسين لاحقاً. كنت أرى في ما كتبه المعري شيئاً رهيباً وحفظت منه بعض الكلمات العربية الميتة (التي لم تعد في متناول الكلام والكتابة في الوقت الحاضر). كذلك الأمر مع الموشحات الأندلسية. في وقت متأخر تأثرت بأسلوب الروائي الإنجليزي وليم غولدنغ في روايته ” ملك الذباب” التي درستها في كلية التربية / قسم اللغة الإنجليزية باللغة الأم . ومثل هذا تأثرت بأسلوب القاص الأمريكي “بن لوري” الذي يتميز بأسلوبه المنفرد، والذي ترجمت له كتابين: “حكايات الليل والنهار” و”حكايات السقوط والارتقاء”، كل منهما يتضمن أربعين قصة قصيرة.

هناك أسماء كثيرة عراقية وعربية (مصرية على الأغلب) وأجنبية، تكتب النثر والشعر، كان لها التأثير الواضح في أسلوبي وأفكاري. خلال مسيرة الحياة نلتقي بألوان مختلفة من النوازع، فهذا يميل إلى الكتابة عن الجنس ويشغل نفسه في إيجاد تبريراته، وذاك يكتب عن لواعج النفس، يبرر ذلك بأنه يسبر غورها من أجل فهم ماهيتها، إضافة إلى أن هناك من يتابع حركة الناس في المسرّات والأوجاع .

  • ما هي المعايير التي تقوم بناءً عليها باختيار رواية معينة ومن ثم ترجمتها؟

 -رأيت أن أفكاري تتلون بلون محدد، هو الانحياز إلى كل ما يمجد العمل النبيل المثمر ويفضح رداءة العمل الهابط. يظهر هذا في كتابة القصة وكذلك في اختيار العمل الذي أتجه إلى ترجمته .

  • إذا طُلب منك ترجمة رواية عربية إلى الإنجليزية- فما هي الرواية التي تختارها؟

-ينطبق هذا المعيار على العمل الأدبي الذي يفترض أن أترجمه من اللغة العربية إلى اللغة الأجنبية، إضافة إلى المعايير الأخرى التي تتمثل بسلامة اللغة والمفاهيم التي تتوزع في فضاء الرواية وتجنب السطحية والكتابة الفائضة. وباختصار، العمل المتزن في تناول أركان الرواية: الشخصية، الحدث، المكان، والزمان. ومن المهم أيضاً، التنبؤ بما يرغب القارئ الأجنبي الاطلاع عليه إضافة إلى ما أريد أن أوصل من حقائق إليه  .

  • من هو الأديب العربي الذي ترشحه لجائزة نوبل للآداب؟

-من هنا سيكون الأديب العربي الذي يلتزم بهذه المعايير أجدر من غيره في نيل جائزة نوبل للإبداع .

  • إلى أي مدى استفدت في مسيرتك ككاتب ومترجم من تطور وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي؟

-في الزمن الحاضر يؤدي التواصل الاجتماعي دوراً بارزاً في الحياة الاجتماعية باعتباره أحد مظاهر الثقافة المعاصرة. فهو يقرّب البعيد وينقل بسرعة تبادل الخبرات، وبالتأكيد استفدت منه كثيراً في مجال الكتابة والترجمة حيث أستطيع نشر ما أكتب وأتلقى الآراء حول ذلك، وبنفس الدرجة أستطيع قراءة ما يكتبه الآخرون.

  • هل أثَّر مجال عملك على مشروعك الفكري؟

-في الغالب، عندما ينغمس المرء في العمل تقل فرصة الانصراف إلى الكتابة لكنني تغلبت على ذلك، ربما يعود السبب يعود إلى أنني كنت مدرساً للغة الإنجليزية ، غير بعيد عن عالم الأدب .

  • هل تجد في الوظيفة قيودًا على الإبداع؟

 -أحياناً يكون العمل قيداً على الإبداع خاصةً إذا كانت طبيعته غير مواتية للإفصاح عن رأي المبدع، بسبب ما يتطلبه من التزامات ووقت يقلل فرص الفراغ الذي تتطلبه الكتابة، ومع ذلك يعود الأمر إلى قدرة المبدع في تخصيص وقت يمارس فيه فنه .

  • حدثنا عن شعورك عندما ترى مؤلفاتك مشاركة في معارض الكتب الدولية وما يتيحه ذلك من الوصول إلى القراء في مختلف أنحاء العالم؟

-يكتب الكاتب لتحقيق أمرين: يتمثل الأول في إرضاء ذاته عن طريق التعبير عن مكنوناته، والثاني تحقيق ذاته عن طريق إيجاد وسائل التعريف بوجوده التي أحد مظاهرها يتمثل بالإعلان عن أعماله، ونعني هنا مشاركة كتب الأديب في المعارض، لذا تحقق هذه المشاركة سعادة حقيقية وثقة بمنجزاته وهي تعرض على قراء من مختلف المناطق، خاصة أن الكتب الرديئة لا تعرض في المعارض. من هنا اكتسبُ دفقاً من القناعة عندما أرى كتبي تعرض في مثل هذه الأماكن الأعلامية .

  • إلى أي مدى حققت حلمك ككاتب ومترجم؟

-إحدى سمات الكتابة هي حالة القلق المصاحبة لها، ورغبة الكاتب بعد مضي وقت من الكتابة إعادة وتعديل ما كتب، وهذا يدفعه إلى المزيد من العمل، فإن اكتفى الكاتب في ما عمل يكون قد ختم على نفسه  بالإخفاق. في الحقيقة أن  الكاتب شخص حالم، أحلامه تنحصر في الإبداع، والإبداع ليس له حدود، ومن هنا أشعر بأنني في بداية الطريق، يعود ذلك نسبياً إلى أن هناك دائماً ما هو جديد، أتمنى التفاعل معه .

  • في ضوء ما تشهده بلادنا العربية من أحداث وانقسامات فكرية وطائفية وسياسية، هل ساهم الكتاب والباحثين العرب كقوة ناعمة في إرساء روح الوحدة وتقبل الآخر؟

-عموماً الكتابة عمل فردي، وهناك بيننا كُتاب يحملون على أكتافهم شؤون بلدانهم، كتاباتهم تدل على رغبتهم بإشاعة الخير والمحبة والتسامح، يجهدون أنفسهم على الرغم من ثقل المظاهر السلبية الشائعة .

  • هل تنتج الحروب والثورات مبدعين؟

-تنتج الحروب هموماً تضيق بها النفوس، غير أنها تثير حماسة الكُتاب، فيتصدى المبدعون إلى الكشف عن مآسيها وقدرتها على التدمير ونشر الخراب، غير أنهم أحياناً يتعرضون للردة فينزوون أو ينتحرون. أما الثورات فتنتج مبدعين يتغنون بشجاعة المنتفضين، ويشيرون إلى إشراقة المستقبل.

  • يتعرض الشباب العربي لمحاولات لتذويب الهوية، ما دور الأدب في الوقوف أمام هذه المحاولات والصمود أمام الأدب المترجم؟

-في الوقت الحاضر يجد المبدع نفسه في مجتمع يثقل الوطأة عليه، ذلك أنه مجتمع يواجه تحديات خطيرة، هدفها انتزاع المبادرة وإشاعة اللامبالاة وغرس مفاهيم مخاتلة تنتهي بالشباب إلى حالة من الضياع، تتضافر من أجل تحقيق ذلك جهود من الداخل والخارج، تتمظهر أحياناً بنوع من ترجمة الأفكار الموجهة التي يُراد منها تدمير شخصية المواطن بما توحي له بأنها ترجمة أدب الحداثة. ولا يعني هذا أن كل ما هو مترجم رديء، فالكثير منها صالح، ومن منا لم ينشأ على قراءة الكتب المترجمة الهادفة للخير. ومن الخير لنا إدراك مسؤوليتنا والتصدي لكل ما يحبط عن طريق انتقاء الكتب الجيدة، والانصراف –كأدباء– إلى تسخير كتاباتنا إلى ما هو نافع .

  • هل أثرت التقنيات الحديثة من فيس بوك وما شابهها على تطور الكتاب العربي، أم أنه أدى إلى تراجعه لانشغال الكُتاب بالتواصل الاجتماعي وإبداء الآراء؟

-ونحن نواجه تقنيات حديثة لا بد لنا أن نتقبلها، ومنها وسائل التواصل الاجتماعي التي قدمت نفسها كمنافس للكتاب كظاهرة حضارية.

  • كيف ترى مستقبل الكتاب الورقي؟ وهل يستطيع الصمود أما الكتاب الإلكتروني والمسموع؟

 -الكتاب سيظل محافظاً على اهميته على الرغم مما اتاح الفيس من فرص  اقتطعها من فرص الكتاب .

  • هل استطاعت (السوشيال ميديا) أن تؤسس لحركة ثقافة وتواصل بين المبدعين من جميع أنحاء الوطن العربي؟

-استطاعت الجهود في مجال الإعلام الاجتماعي أن تؤسس لحركة ثقافة وتواصل بما أتاحت من فرص التعارف والاتصال بين المبدعين ومناقشة الأفكار. وخير مثال على ذلك ما نجده  أمامنا الآن من مشروع دار النخبة للتعريف بالأدباء وأعمالهم.

  • ما هي آخر مشروعاتك الفكرية؟

-فيما يخصني فأنا مستمر في التواصل مع مجلة «الثقافة الأجنبية» العراقية، إضافة إلى أنني نشرت حديثاً قصة قصيرة مترجمة للكاتب الأمريكي بن لوري، تحمل عنوان «أصيص» وكذلك نشرت قصة قصيرة بقلمي تحمل عنوان «فراشة»، إضافة إلى انشغالي في الوقت الحاضر بترجمة رواية إنجليزية، عندما يكتمل العمل فيها أكون قد ترجمت ثلاث روايات حديثة، وبهذا يكون حاصل ما ترجمته هو تسعة من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية وثلاث من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية، إضافة إلى ما نشرته في الصحف والمجلات على مدى أعوام طويلة.

  • كلمة أخيرة تود تقديمها إلى قراء النخبة، ونصيحتك إلى الكُتاب الجدد؟

أود أن أقدم  تحيتي إلى قراء النخبة، فهم أمام فرصة تتيح لهم قراءة الكتابات الرصينة من قِبل كُتاب خبروا الحياة وامتلكوا نظرة صائبة، إضافة إلى ما تتسم بها كتاباتهم من جمال اللغة والدقة في التعبير .

ولا ضير في كلمة أوجهها إلى الكُتاب الجدد، فهم دخلوا عالم الكتابة باختيارهم؛ الكتابة إدراك ومسؤولية، وبالتالي هي نوع من التضحية بما تتطلب من بحث عن المعرفة وصبر ومطاولة، بما يعني أن على الكُتاب الجدد الاستمرار في المحاولة، وليتذكروا أن مَن يرونهم من كُتاب ترسخت كتاباتهم كانوا شباباً مثلهم، يمتلكون ذات الخبرة المحدودة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى