أخبارنا

«عربة الصمت» محاكاة وجدانية للراوي

زخم من الصور الفنية وكم من الصور البلاغية التعبيرية

Advertisements

كتب الناقد إبراهيم رسول، قراءة نقدية للمجموعة القصصية «عربة الصمت» للروائي العراقي إبراهيم سبتي الصادرة عن دار النخبة.

يقول الناقد:

القصةُ أخذت تساير تطور البناء السردي، وتحاولُ أن تواكبَ أثر التجديد في الطريقة السردية التي يتخذها القاص.

 مخيلة القاص مفعمة بمرجعيات ثقافية وخيال واسع أعطى للبناء السردي هندسة ذات صبغة حداثوية..

 واضحٌ جداً حتى طريقة بناء الجملة، أن القاص يريد أن يعتصر المخيلة لتخرج الجمل ببناءٍ مفعم بالحداثوية.

اعتماد القاص على المرجعية الأسلوبية

 السمة العامة للقصص أنها تملك زخم من الصور الفنية وكم من الصور البلاغية التعبيرية،

لم نستطع أن نحصي عدد هذه الصور لسعتها وكثرة اعتماد القاص على مرجعيته الأسلوبية،

الصوغ الفني كان في أغلبه متناوباً، وبعضها كان تتابعي ولكن القاص جعل من الأسلوب التتابعي متجدداً في ذاته، كسراً للحالة السائدة..

حاول القاص أن يتلاعبَ بالأسلوب باعتماده على المرجع البلاغي واللغوي الذي يعتصر الكثير منه في مخيلته.

المحاكاة الوجدانية

 الصفةُ الأكثر هيمنة أن القص كان محاكاة وجدانية، الراوي المتكلم كان يبث همومه ويعبر عنها وفق هندسه معدة مسبقاً ليأخذ الراوي بالحكي..

 فمثلاً يقول في قصة (النوم في الحرب):

«الموت لعبة مسلية في الحرب، الذي لا يموت يعاقب بتهمة الخيانة، ويسأل بحقد القادة على الباقين أحياء».

هذه الصورة تمثلت في كلمة (لعبة، مسلية) فكيف يكون الموت لعبة؟

هذا حصل بزمن الدكتاتورية المقيتة التي جعلت من البشر إلى مشروعٍ للموت والفناء من أجل بقاء نفوذها مستمراً حتى وإن كان على حطام الجثث!

السلطةُ المتمردةُ المستبدةُ كانت لا تعبأ بهذه الأرواح التي تزهق ولم يشغل بالها المخلفات التي تتركها الحرب الضروس،

الصورةُ الإسلوبية كانت معبرة تعبيراً رائعاً وقد حققت المستوى البلاغي الرفيع باختيارها الكلمات التي لها مدلول رفيع.

البناء الفني للقصص

 البناء الفني للقصص لم يكن يتخذ هيكلاً ثابتاً بل إنه تأرجح وتلاعب بترتيب السرد،

لم تخرج القصص عن ثوبها وقالبها الذي اتصفت به بل إن القاص لجأ إلى استعارات وكنايات ليعطي قيم فنية في داخل النص.

 المنولوج اتسم بأنه يملك كمّاً من البوح الشفيف الذي خرج كرصاصات تنتظر لحظة ضغطة الإصبع، يقول في قصة (الممثل) :

«الرجال الأشرار يموتون أكواماً أكواماً ويختبئ الأثرياء الفاسدون المتآمرون عليه».

 هذا النص يضمر حكمةً بثها القاص في قصته لا يكشف عن مدلولها إلا من قرأ النص قراءةً تامةً متأملةً..

يا ترى كيف يموت أولئك الأشرار؟ ولماذا لم يقل الأبرياء أو الفقراء؟

إنه استبدل كلمة بأخرى لكن المعنى اختلف واختلفت الدلالة، وهذه لعبة فنية تمكَّن منها القاص، وقد لجأ القاص كثيراً إلى الرمزية في قصصه،

وحاول أن يسبغ على النصوص لمحة رمزية وتمكّن من أن يوظف الرمز بشكلٍ مناسب يليق برؤاه التأويلية..

 فمثلاً يقول في قصة (مسرح الأقنعة):

«ووجه الفيل يترنح وحيداً بينها لكني صعقت عندما رأيت وجه الرجل العجوز الملتحي طافياً يتراقص مع الوجوه الأخرى».

الصدمة في القصة

الصدمةُ في القصة هي إن المعلمَ لا يعرف موعد إعلان عرض المسرح الذي سيقام ويظهر أنه تفاجئ حالما سمع أن هنالك مسرحاً سيقام،

انعكست هذه الصدمة في نفسية التلميذ وهذا بدوره أدى إلى عكس الصورة أمام عين التلميذ،

هذه الرمزية والإحالة جعلت النص مفتوحاً على آفاقٍ عدة أمام المتلقي،

إذ يتسع النص تأويلاتٍ عدة لأن انفتاحه قد أكسبه الصور التأويلية الكثيرة.

 أما في قصة ( صانع الأفكار) يقول النص:

«فجأة نهض من مكانه ونطق عبارته التي هزتنا جميعاً: سأعتزل الأدب والسياسة إلى الأبد وسأعود مدرساً كما كنت دوماً، ولكن بلا أسئلة منكم لأني لا أملك أجوبة لها».

 هذا النص يحمل تأويلاً ظاهراً، وهو أن الموقف الصادم الذي حصل مع الشخصية كان موقفاً كبيراً إذ أنه سرعان ما غير الكثير من رأيه وهو الأديب والمثقف..

هذا يدل على أن هناك شيئاً قد فُرضَ عليه وجعله يختار العزلة والانطواء والشعور بالخيبة والانكسار بدلالة جملة وصفية (وهو كئيب ضجر مسوّد الوجه).

صياغة بلغة فلسفية

 وقد صاغ القاص العبارة بلغة فلسفية أي أنها تحتاج إلى تأويلٍ لجمالية الإضمار في الكلام، المجموعةُ القصصية كانت مركبة تركيباً نقدياً كبيراً،

فبإمكان الناقد الخبير أن يكتب بمواضيع شتى لأن الرصانة الفنية قد محكمة، فاللغة لغة مسبوكة سبكاً فنياً بامتياز ..

وتقنيات السرد كانت متحركة غير ثابتة على وجهٍ واحد، كسراً للنمطية في الحكاية كان البناء القصصي يتسم بأنه حداثوي متجدد في داخله.

 أي إن النص كان يتجدد من الداخل بنزعة تميل إلى الرمزية كثيراً..

القصص كانت لها أوجه تأويلية كثيرة ولعلك تطالع هذا التأويل من العتبة الأولى وهو العنوان ومن ثمَ إلى ثيمة القصص..

استخدام القاص للخيال الفني

 فمثلاً يعد يلجأ القاص إلى الكنايات والاستعارات ليعطي أوجه دلالية مضمرة لا يفك شفرتها إلا من له باعٌ طويل في القراءة التفكيكية للنص وتحليله وفق رؤية تصويرية تعطي المعيار الأوّل للبناء السردي أهميته.

 الملاحظة المهمة التي يجب ألا تغلق المقالة دون الاشارة إليها وهي المرجعيات الثقافية التي كانت في مخيلة الكاتب..

الكم الثقافي والمعرفي يعطي تصور كبير لرؤية السارد ويمده بالأنساق الفكرية التي تجعل من النص قوياً متيناً عميقاً،

هذا واضح ملموس في كل المجموعة بلا استثناء، إذ إن القاص كان يعول على هذه المرجعيات ليسبغ على النص الرصانة والخيال الفني..

وكثيراً ما صدفتنا جمل تحتاج إلى تأملٍ عميق جداً لفك الغز العميق الغور في داخله.

 المجموعة هي عصارة مخيلة ناضجة ولها خلفيات فكرية ومعرفية تمرست عليها وأبدعت فيها حتى وجدت طريقها إلى الإبداع.. وهو الابتكار في الصورة الفنية والتقنية في البناء السردي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى