إبداع

عزيز… الطريق إلى عزة الوطن

قراءة في رواية الكاتب الاريتري هاشم محمود

بهاء الصالحي
Latest posts by بهاء الصالحي (see all)

عزيز.. ذلك العنوان الذي عنونت به رواية «عزيز» للكاتب الإريتري هاشم محمود، ولكن هنا ما هي دلالة ذلك العنوان؟ وما هي وضعية تلك الرواية في تاريخ الأدب الإريتري؟.

 نحن هنا بصدد كتابة تاريخ لإريتريا حيث تتوحد الشخصية مع الحدث مع القضية، والرواية ببساطة شديدة هي تاريخ مثقف إريتري عانى من التمييز في وقت الاختلاف السياسي ما بعد التحرر الوطني.

وقد نجح الكاتب في خلق حالة من التشويق خاصة وأنه قد بدأ الرواية بسجن عزيز، ثم يلي ذلك تبيان أسباب ذلك السجن وأنواع السجون التي وُجِدت في إريتريا وقتذاك، وكذلك نمط التعامل هناك وطرح فكرة الفساد الاجتماعي التي تسود ما بعد الثورة.

 ونحن هنا بصدد أزمة الوعي لدى الأمم خاصة ما بعد التحرر حيث يسعى فصيل معين للاستئثار بمسار ومقدرات الحياة الوطنية، خاصة وأن نسبة الفاسدين والمتسلقين تحوز على نسبة كبيرة من مقدرات الحياة الاجتماعية، وهنا تصبح المسالة ذات خصوصية شديدة خاصة في ذلك المكان من العالم المُسمى القرن الأفريقي، وإريتريا ذات الأعراق المتعددة.

هنا فكرة المجتمع وفكرة الحوار وفكرة الحرية ما بعد الثورات، وفكرة ظلم الحكام والرغبة في السلطة التي تقتل كل شيء متعلق بفكرة الحرية والآخر.

 ولكن كيف طرح المؤلف هذا هنا؟

المكان الرئيسي هو السجن حيث يعرض الكاتب الفئات والطبقات الاجتماعية التي سُجِنت معه، من هنا تصبح السجون في العالم الثالث مكون طبقي أو شريحة معبرة أكثر ما يكون عن طبيعة ذلك الشعب، وإن كان الكاتب قد استأثر بالمكون الإسلامي بحكم انتماء عزيز إلى أبيه، ذلك المكون العربي الإسلامي في أفريقيا، وكأن الكاتب يعيد إلينا من جديد طرح قدرة أفريقيا على المواءمة ما بين العنصر العربي والعنصر الأفريقي من خلال فكرة المجتمع القابل للتعددية والتعايش فيما بينهما. ولعل الافتتاحية أبرز دليل على ذلك حيث يقول فيها: «أيها السجان إن بذرة لن تختفي، ضع كثيرًا من التراب فوق رأسي واغمرني بالظلام، سأنبت في الزنزانة وأقتلعك وأثمر نورًا يحرق كل فلاسفة القضبان».

 هنا نعتبر الرواية سياسية بامتياز، وإنسانية بشكل أكثر امتيازًا لأنها شكلت نوعًا من أنواع الوعي، حيث الأزمة التي تصهر العلاقة التي يُفترض أنها متناقضة لتأتي الأزمة وتصبح العلاقة أشد ائتلافًا خاصة في تعامل البطل مع فئات اجتماعية مخالفة معه في الدين، ولكنه مارس معهم سلوكًا إنسانيًا ليثبت أن المحاولة للتغييب عن الواقع لن تثمر، لأن المثقف الحقيقي قد نجح في غرس بذور حقيقية من خلال مجموع الأفكار التي بثها خلالهم، وعادة ما يكون المعلم ذو الخلفية الفكرية والهدف الإنساني المحدد في مجتمع آمن هو الشخص الذي يمثل المثقف العضوي القادر على الوصول بالمجتمع إلى مصاف أعلى من الإنسانية، ولعل ذلك الذكاء الذي ساقه المؤلف من خلال اختياره لشخصية عزيز وأبيه، ذلك الشيخ الذي تعلم في السعودية ثم أنشأ مؤسسة تعليمية نجحت في غرس درجة من درجات الوعي، ذلك الأمر تأتى من خلال مساحة رد الفعل وعدد الزوار الذين زاروا عزيز عندما نُقِل إلى سجن عدي خلا، وإن كان قد استعار بعض الألفاظ الدالة أو الألفاظ الحاكمة، عندما وصف سجنه القديم وذلك السجَّان المُسمى محمود، وقائده السجَّان المُسمى عثمان، بسجن أبو غريب إريتريا، هنا كنوع من الذكاء في مخاطبة الواقع العربي، هنا تجربة أبو غريب يستدعيها المتلقي تلقائيًا عندما يستمع ذلك التعبير (أبو غريب إريتريا)، ومع ذلك القهر الذي مارسه ويمارسه السجَّان دومًا فإن الوعي الشعبي يبقى كارهًا للسجَّان.

 ولعله ذكاء الكاتب في صياغة مشهد جنازة عثمان ذلك الذي نجح في اجتناء ثروة، ولكن ذلك الشعب وتلك المدينة كرن، رفضوا المسير في جنازته، هنا يرصد الكاتب نمط من أنماط المقاومة من خلال الوعي، فمن يمتلك وعيه قادر في النهاية على مقاومة الطغاة، حيث يأتي نموذج عزيز ونموذج عبد الرحيم؛ الأول قاوم بحكم امتلاكه الوعي وانتمائه إلى نمط ثقافي معين، والثاني ينتمي إلى فكرة الخوف وفكرة القهر والتوحُّد مع القاهر، ولكن قاهره خائن لأنه متخلف في الأصل ولا يرى سوى ذاته، ولايمتلك مشروعًا هنا التركيبة الاجتماعية للسلطة في مرحلة ما بعد الثورات وهنا لا تستطيع أن تفرق ما بين السياسي والاجتماعي، لان السياسي في النهاية اجتماعي في البداية، حيث تثور المجتمعات من أجل الحرية، وعندما يتحقق الاستقلال الوطني تثور مسألة السلطة.

 إذ أن فكرة السلطة ضد فكرة الحرية؛ هذا ما يريد قوله ذلك المؤلف الجميل، مؤلف «عزيز»، حتى وإن امتلك موقفًا متطرفًا لصالح مشروعه الخاص وانتمائه الفكري، ولكنه في النهاية يمارس رأيًا مشروعًا، خاصة أنه يدافع عن حريته، إلا أن السجن قد خلق لديه رأيًا آخر؛ حيث خلق فكرة المجتمع وذلك من خلال إيراد فصلًا كاملًا وهو الفصل 33، حيث يعبر عن مناضل من مناضلي أبناء الكوناما، وقد أورد ذلك الفصل بحكم رغبته في إيراد الفكرة الرئيسية بأن السلطة قد اكتسحت كل الحياة الاجتماعية وكل الطبقات الأخرى المخالفة لها، ولعل ذلك وارد من انحياز المؤلف بطبيعة الحال إلى جبهة التحرير إريتريا، وموقفه الرافض للجبهة الشعبية لتحرير إريتريا التي جرفت السلطة وجرفت الحياة الإجتماعية لصالحها، ولعل ذلك الفصل المتعلق بأحد أبناء الكوناما الذي انتمى إلى الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا ثم بعد تحرير الأرض تم تسريحه.

ولعل ذكاء الكاتب في إيراده نمطًا للحياة الاجتماعية المتكاملة الخاصة بعزيز، حيث يقطع الفصول ما بين مشاهد السجن ومشاهد الحياة الخاصة ليوري لنا ثقل عزيز كبطل اجتماعي وثقل عزيز كمبدع وثقل عزيز كممثل للشباب الإرتري في مؤتمر في تنزانيا، ولم يسرد الكاتب ما هو هذا المؤتمر؟ وما هي أبعاده؟ وماذا كان سيناقش؟، ولعل ذلك جزء من حرفية الكاتب حيث أراد أن يقول لنا بالحيثية الاجتماعية لعزيز بطل تلك الرواية.

يسرد لنا الكاتب اأنماط من هؤلاء الذين تسلقوا سلم السلطة ليخلقوا ما يُسمى بالعازل ما بين الدول ما بين السلطة والشعب، وإن كانوا ليمارسون ذلك الدور فيما بينهم أيضًا حيث يسرد الكاتب تآكل طبقات السلطة والصراع الداخلي بينهم.

ولكننا هل نعتبر الرواية رواية تسجيلية ترصد مرحلة تاريخية معينة، ولكن صِيغت في قالب روائي مميز؟

ما يؤكد على هذا الطرح؛ أنها رواية تسجيلية، وجود السارد المباشر وهو عزيز، حيث يكون البطل هو الواقع، ولكن من أي وجهه نظر يكون ذلك الطرح؟ هنا يكون الأمر متعلق بالغرض الروائي الذي أبدع من أجله المبدع ذلك العمل، وهي الرواية هنا يدرك القارئ أن العمل الروائي هو الأخلد، لأنه أكثر تركيزًا على البعد الإنساني ولكنه أكثر حيادًا والأقرب إلى مراحل عمرية محددة هي الهدف المراد إيصال الرسالة إليه، وتلك المرحلة التي تبحث عن حريتها وتقدِّس تلك الحرية حيث يكون الغرض الرئيسي تكوين صوره ذهنية محددة عند الشباب الإرتري وخلق صورة ذهنية محددة لدى المتلقي العادي لخلق نمط من أنماط المجتمع الإريتري القادر على المقاومة والقادر على طرح  التصور للمستقبل الخاص بذلك البلد.

ولعل الكلمة المفتاح عبر تلك الرواية التي تؤكد على الغرض المعرفي الرئيسي كيف تصنع السجون من واقع عشق السلطة، والتأكيد على أن المجتمع قادر على إفراز مكوناته الرئيسية وقدر على التعايش والنهوض والخروج إلى الأمام. والدليل الأبرز على ذلك نجاح مجتمع السجن بقدره عزيز على المقاومة برفضه على التوقيع على الاعترافات الوهمية وكذلك تآكل طبقة السلطة المكونة من محمود وعثمان وغيرهم.

والروعة التي قدمها الكاتب في ست صفحات ليسأل سؤالًا رئيسيًا عمن صنع فكرة السجون. هنا تكون العقدة الرئيسية الحرية، ونمط البطل هنا هو البطل الجمعي كبعد مهم وضروري في مرحله الأدب التأسيسي.

وذلك تأسيسًا على أن قواعد العمل الأدبي الكلاسيكية تأتي ثابتة في كل الأعمال، ولكن الفارق هنا في المحتوى الموضوعي للعمل الروائي، وكذلك فكرة الخلود، وفكرة المحتوى الأيديولوجي والدافع الأخلاقي والمنطقي للمبدع نفسه، ويحضرنا هنا قول لرجاء جارودي؛ أن العمل الأدبي يجيب على عده أسئلة تجول في عقل المبدع والمبدع نفسه يعاني من أزمة الدور في المجتمع حيث يسعى كله فرد بغض النظر عن ثقافته وتعليمه وقدرته على التأثير في من حوله.

ونحن هنا بصدد جيل تأسيسي يؤسس لمرحلة ما بعد التحرر وهي مسؤولية ملقاه على عاتق ذلك الجيل الذي عانى مرحلة التحرر وعانى مرحلة ما بعد التحرر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى