إبداع

«غيمة آمال» ذاكرة المقاومة بين الرمز والوعي الشعبي

خلف لواء جيفارا يسير أبطال الرواية تجمعهم روح الثورة على واقع الفقر والظلم

Advertisements
Latest posts by أشواق النعيمي (see all)

خلف لواء جيفارا يسير أبطال رواية «غيمة آمال» للروائي راسم الحديثي، تجمعهم روح الثورة على واقع الفقر والظلم والتهميش في دراما سردية تجسد صور التضامن الإنساني والاجتماعي بين أبناء الطبقة العاملة والمسحوقة المتطلعة نحو آفاق الحرية والعدالة والمساواة.

تطرح الرواية موضوع التفاوت الطبقي في مجتمع ينقسم حسب رؤية الكاتب إلى ثلاث فئات مجتمعية مصنفة إلى الفئة المُستبدة ممثلة بشخصيتي (شيخ القرية) و(كيل الوزير)، والفئة المُستغلة التي تنتمي لها معظم شخصيات الرواية، والفئة المأمورة كشخصية (عنتر) منفذ عمليات الإعدام السياسي. فيتحول مسرح الرواية إلى ساحة للاصطراع الفكري والسياسي الذي يلتف مساره حول محورين أساسيين هما، الضحية والجلاد. إضافة إلى صراع ثانوي ذاتي يشكل بؤرة إشكالية تعمل على إدارة حركة أبطال الرواية من الفئة المُستغلة المتأرجحين بين حبال الصمود والاستسلام لضغوط الفئة المُستبدة.

أبطال رواية «غيمة آمال» تجمعهم تحديات الثوار

في قمة التأزم يتسلق السرد قمم جبال كردستان الملاذ الآمن الذي يجمع بين الماركسي والوطني والقومي والعقائدي في ظروف قاسية تكشف عن صراع آخر يتمحور حول التحديات التي تواجه الثوار هناك. يعضد الانتماء الفئوي لشخوص الرواية أسماء موصوفة مثل (مصيبة)، (مظلومة)، (صدفة)، (صامد). وهي صفات تحاكي معاناة الهوية الفئوية وتحيل إلى نوع الحدث المقترن بالشخصية ونسقها الخطي في المتواليات السردية لحين فك الالتباس وتبلور الرؤية الكلية لتلك الشخصيات.

يتضمن النص السردي تدرجًا مكانيًا رافق حركة الشخصيات من المكان الأصل مسقط الرأس ومحل العائلة الذي حدثت فيه الإساءة وترتب عليه سفر الفاعل بحثًا عن النجاة والذي أطلق عليه غريماس مصطلح (مكان الأنس الجاف) إلى اللا مكان حسب غريماس لأنه شهد تحولات الذات والمتغيرات العرضية دون تحديد الإطار المكاني.

«كنا ننتقل مرة في خرابة منعزلة أو تحت جسر على النهر لتمر الأيام، وحين نرى أعوان الحكومة نولي إلى مكان غيره»، كما يتضمن المكان المعادي ممثلًا بجبال كردستان التي تحولت من مأوى يمتاز بمظاهر الجمال والهدوء إلى مرمى لنيران غارات القوات الحكومية المباغتة. تتجلى صور المعاداة في كل مستويات المكان من أرض وعرة وهواء قارص ونقص في إمدادات الطعام والدواء والمال، ومحيط يتألف من قرى كردية تعيش بين مطرقة الحكومة وسنديان الثوار والعملاء المزدوجين. ناهيك عن أصوات الطائرات المرعبة ومشاعر الشك والخوف التي تحولت على ألسنة الشخصيات إلى حوارات جدلية تدور حول الاستسلام والاعتقال والعمالة للسلطة، والمقارنة بين تغييب السلطة القسري وجدوى التغييب الاختياري في المنفى الجبلي.

الشيء الوحيد الذي يوحي بالأمل والألفة في ذلك المكان هو صور (تشي جيفارا) بلحيته الكثة وعينيه الثاقبتين وهي تزين أغصان الأشجار وجدران الملاجئ بوصفه رمزًا للنضال الثوري ضد الظلم والاستعباد.

أدب المقاومة

تنتمي الرواية إلى ما يعرف بأدب المقاومة الذي يعالج قضايا النضال الشعبي ضد الاحتلال والدكتاتوريات والاستبداد بأنواعه، موثقًا الدور التاريخي الذي لعبته الشعوب في تصديها للطغاة والذي أخذ بالانحسار التدريجي لصالح مقاومة الفساد وكبت الحريات والمطالبة بتوفير الخدمات.

لم تقتصر المقاومة في الحكاية على السلطة الحاكمة بل خرجت إلى مقاومة الظلم بكل أشكاله من رموز تمتلك سلطة القرار للمساومة على الشرف في حكاية أم مظلومة وحكاية نسرين، ومقاومة انتهاك المجتمع لحقوق المرأة ومقاومة المرأة لهشاشة كينونتها الأنثوية.

المرأة في الرواية

تمثل المرأة في الرواية إيقونة للثورة على الواقع الاجتماعي قبل الواقع السياسي، كل شخصية نسائية تعالج حكاية لها في الواقع صورة مأساوية، نساء ظللن الطريق فوجدن في مقاومة السلطة سبيلًا لاسترداد كرامتهن المهدورة، حتى طريق المقاومة لم يكن آمنا مادامت المرأة لم تغادر صورتها النمطية في ذاكرة المجتمع الذكوري، تقول إحدى الهاربات من معسكر الثوار: «عانيت الكثير هنا من الغربة والخوف، ومن تحرشات بعض الرفاق وكأنني لم أغادر شقق اللهو بالعاصمة».

تهتم الرواية بترسيخ ذاكرة المقاومة الشعبية التي تمر من بوابة النضج الفكري لنموذج الشخصية الوطنية التي تتميز عن سواها بقدر من الجاذبية المتجلية بناء على السلوك السردي والوصف المعنوي والفنتازي، الذي طرز النص بخيوط الواقعية السحرية في مشاهد الغيمة البيضاء التي تمثل روح إحدى الثائرات. تحقق المقاومة الشعبية في النهاية أهدافها في استعادة الوطن عبر تبادل زمني يتقاسم المكان مستلهما تظاهرات تشرين وتمريرها إلى حقبة ماضية بوصفها رمزًا للانتصار الجماهيري على القمع والاستبداد والدكتاتورية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى