إبداع

«فجر أيلول»… من امباسيرا إلى لندن

قراءة في رواية الأديب الإرتري هاشم محمود الصادرة عن دار النخبة

أزهار الأنصاري
Latest posts by أزهار الأنصاري (see all)

من يطالع الرواية الرائعة «فجر أيلول» للكاتب الإرتري الأستاذ هاشم محمود، سوف يعيش رحلة ممتعة ما بين تفاصيل امباسيرا أعلى القمم الجبلية في إرتريا إلى مدينة الضباب لندن، تحديدًا جامعة برونيل.

مدخل الرواية صورة فنية يتبادر إلى ذهن القارئ وكأنها مقطع من فيلم تاريخي تدور حول الأب والحكيم إبراهيم وزوجته ترحاس، اللذان يؤمنان بأن الحياة لا تعني شيئًا إن لم يأخذا سويًا قدرًا من السعادة نتيجة الحب العظيم الذي ولد بينهما، «الوطن ترحاس، ترحاس الوطن» هذه كانت رسالة لطيفة تمكن من إيصالها في البدء، إضافة إلى الكثير من الحقائق التي تشكًلت وهي لا تختلف كثيرًا عن حقائق الأوطان العربية الأخرى، حيث أن الرواية تناولت أصعب مرحلة في تاريخ إرتريا المعاصر وأهم قضية ممكن أن تشغل المواطن العربي بصورة عامة والمواطن الإرتري بصورة خاصة، تحدثت عن حلم الأحرار وعن حلم الأب إبراهيم الحكيم الذي يعكس طموح أهل القرية البسطاء، وكيف يؤمن بأن امباسيرا هي الأرض المقدسة التي تحمل رسالة السلام للعالم، لا عجب فكل إنسان حر يرى أرضه مقدسة ولا يحق لأي شخص كائنًا من كان أن يتنازل عن شبر من أرضه، ومخطئ من يستغنى عن تاريخه فالتاريخ لا يأتي ولا ينشأ من عدم ولا يولد من فراغ، التاريخ هو الوقود لدفع البشرية إلى الترابط، إلى المقياس الصحيح لحب أراضيهم ومقدساتهم.

إدريس مفتاح الرواية وقفلها، الابن البار الملهم الذكي الذي يسافر إلى المملكة المتحدة لحصوله على ماجستير في القانون الدولي، منذ صغره كان ذو فطنة وموهبة شعرية رفعت مستوى السيروتونين عند والديه، من خلال رحلة إدريس غاص الكاتب في سرد مساوئ المجتمع الغربي والتي تأثر بها الناس تأثيرًا قويًا، بل كثير منهم يفتخرون عوض أن يفتخروا ببلدانهم، أظهر لنا أنه مجتمع لا يقوم إلا بالسيطرة على بلاد الآخرين بشكل أو بآخر، المجتمع الغربي لا يتعرف بالآخر ولا يحترمه خاصة عندما يبدأ الأخير بالتحدث بشكل منطقي وواقعي عما يدور في منهج سياساتهم، كما حدث الأمر مع «إدريس» ابن ترحاس القديسة وإبراهيم الحكيم.

ليس سهلًا أن يترك المرء سنواته وذكرياته واسمه خلف الأبواب، فبالرغم من توفر الفرصة للدخول إلى عالم سحري لكنه أصر أن يتمسك بمخاوفه وأبى أن يمزق قيود المبدأ وينطلق في عالم يتسع لأحلامه الكبيرة، أرسل الكاتب من روحه كلمات يستدعيها من أعماق قلبه حين ربط بين مجزرة عون ومجزرة صبرا وشاتيلا، ارتفعت به عزة نفسه أن يستنكر الظلم والاضهاد وينكره على الأوطان العربية مثل ما ينكرها على وطنه الأم.

المثير للاهتمام أيضًا في الرواية وبصورتها التي رسمت على شطرين، وهي أن القارئ كلما ينتقل إلى امباسيرا يشعر وكأنه انتقل إلى الزمن القديم مصورًا طريقة الحياة الاجتماعية وكذلك الحياة الدينية وأماكن العبادة والطقوس في تلك القرية، وكلما انتقلنا إلى بريطانيا نشعر في الزمن الحديث والمعاصر، هذا وإن دل على شيء دل على نجاح الكاتب ومقدرته العالية على الانتقال بوعي متصل مع حرية السرد البنَّاء متكامل الانسجام إلى أن انتهت رحلة إدريس عائدًا إلى امباسيرا متأجج العاطفة يسوده الحزن والألم والمعاناة بعد اغتراب عن الوطن حتى تصدمه المفاجأة التي لم تكن في الحسبان…

وأخيرًا.. مبارك للروائي هاشم محمود على هذه الرواية الممتعة الممتلئة بالأحداث وبالوقائع وبانتظار جديد ما يسطره فكره.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى