حول العالم

فكرية أحمد… كاتبة أم محاربة؟

أعمالها الروائية وتحقيقاتها الصحفية تكشف المسكوت عنه

  • انتحلت شخصية متسولة لمدة 3 أيام وفتاة متشردة
  • واجهت صعوبات كثيرة في مجتمع صعيدي منغلق
  • غالبًا لا يشتهر أديب إلا بعد موته وإن استحق الشهرة في حياته
  • مواقع التواصل تزيف الحقائق وتحشد أراء مجاملة

الكاتبة الصحفية والروائية فكرية أحمد، واجهت العديد من التحديات وحاربت في كثير من الجبهات واجتازت عقبات العادات والتقاليد. أجرينا معها هذا الحوار الكاشف الممتع الذي تعرفنا فيه عن محطات في حياتها مع الصحافة داخل مصر وخارجها والكتابة الأدبية، فهل هي كاتبة أم محاربة؟ صدر لها العديد من الأعمال الروائية، منها سلسلة الروايات البوليسية «مغامرات الأشقاء الثلاثة»، ورواية «كورونا في سوق البغاء»، و«الملكة والأفاعي».

نص الحوار..

نود أن يتعرف القارئ على سيرتك ومسيرتك كروائية وكاتبة صحفية مرموقة؟

– أنا من مواليد محافظة وسوهاج الأب صعيدي، الأم من الإسماعيلية ولكنها هندية، أي جدي هندي، نشأت في بيت يحمل خليط دمج ثقافي رائع مثله أبي، من تمسك بالعادات والتقاليد، وأمي بالتمرد المشروع على القولبة والجمود، ومن هنا كان الفرار، بل قل التحليق بخيالي وأفكاري إلى آفاق الحرية متخطية حدود الزمان والمكان، تلك التي وجدتها في عقول وكلمات الكتاب والمفكرين من خلال مكتبة قصر الثقافة بسوهاج، لتتشكل شخصية تتحدى أي واقع غير مقبول إنسانيًا، وتحارب العبودية والقهر الفكري.

 ومن هنا كان اختياري لكلية الآداب قسم صحافة بجامعة سوهاج، كان لدي أيمانًا راسخًا بأن للكلمة مفعول السحر، كلمة تقيم حروبًا وأخرى تخمدها، وأن القلم يمكن أن يغير تفكير أمة بأثرها، يؤثر بها ويوجهها، يكشف المسكوت عنه من «تابو» الخنوع والقبول المرغم لما يفرضه علينا مجتمع غير عادل في الغالب، خاصة مع الأنثى، فما بالك بالأنثى في جنوب مصر في ذلك الوقت. وتخرجت من كلية الآداب قسم صحافة جامعة سوهاج عام 1985، بدأت العمل الصحفي بجريدة الجمهورية عام 1986، وكنت من إحدى مؤسسات جريدة الوفد اليومي، وعملت بقسم الحوادث والتحقيقات منذ عام 1987، حصلت على عضوية نقابة الصحفيين عام 1990.

 أجريت عدة تحقيقات صحفية خطيرة محليًا، منها انتحال شخصية متسولة لمدة 3 أيام، لكشف عالم الشحاتين الذى تحول إلى مملكة، كما انتحلت صفة فتاة متشردة، لأتمكن من دخول مؤسسة الأحداث وكشف ما يجرى داخل مؤسسة رعاية الأحداث للفتيات وغيرها، ثم سافرت كمديرة لمكتب جريدة الوفد في دول »البينلوكس» أي هولندا بلجيكا لوكسمبورج  منذ عام  1991 وحتى بداية عام 2011، كما عملت كمديرة لمكتب جريدة الوطن السعودية على مدى 10 أعوام حتى 2011، ومراسلة للإذاعة الفرنسية «آر أف أي» القسم العربي منذ عام 1992 : 1995، والحمد لله كان رؤساء التحرير الذين عملت معهم يعتبرونني من أنشط المراسلين العرب في أوروبا وحتى عودتي لمصر عام 2011. وفي سنوات المهجر، فجرت العديد من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمس المصريين و العرب في أوروبا، منها دور بعض المستشرقين في التجسس، قضية جنون البقر، المآسي التي يتعرض لها المصريون في أوروبا.

نشرت سلسلة قصص أسبوعية صادمة في جريدة الوفد بعنوان «ليالي البؤس في هولندا»، «ليالي البؤس في فرنسا» عامي 91، .92. كما سافرت كمراسلة صحفية ضمن بعثة حفظ السلام إلى يوغسلافيا السابقة، إبان اشتعال الحرب الأهلية بين الصرب وكرواتيا والبوسنة، ونشرت سلسلة تحقيقات مصورة من أرض المعارك عام 1993، وتم نشرها في جريدة الوفد ومجلة الشرق الأوسط، كما سجلت مغامرات هذه الرحلة في مجموعة قصصية بعنوان «قلوب في طواحين الهواء».

قمت بتغطية العديد من القضايا الدولية في مدينة لاهاي بهولندا، اشهرها قضية لوكيربي، قضية محاكمة مجرمي حرب يوغسلافيا السابقة، وغيرها من خلال محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدائمة. راسلت عدة صحف ومجلات عربية من هولندا بجانب جريدة الوفد بينها مجلة كل الناس، الشرق الأوسط، جريدة النهار، جريدة البيان الإماراتية، الوطن السعودية

حصلت على جائزة التفوق الصحفي للمقال من نقابة الصحفيين عام 2013 عن عامودها الصحفي الأسبوعي «أوراق مسافرة» تحت عنوان «قانون حسنية». وحصلت على دبلوم التدريب الصحفي من اتحاد الصحفيين الأفارقة عام 2018. كما حصلت على شهادة برامج التنمية والتدريب الصحفي من الجامعة الأمريكية عام 2018 

حاليًا مديرة تحرير جريدة الوفد وكاتبة مقال أسبوعي ولدي  قناة على يوتيوب باسم «حكايات فكرية»، والحمد لله تتم تتويج رحلتي العملية بأن اختارتني محافظة سوهاج، ضمن اشهر شخصيات المحافظة، وذلك في كتاب صدر شهر يونيو من عام 2021 عن مركز المعلومات بالمحافظ تحت عنوان «أعلام ومشاهير من سوهاج»، ضمن 34 شخصية أدبية وثقافية بالكتاب.

أصدرت أول عمل أدبي لي وهو «مملكة العبيد» باللغة العربية عام 1995، وهي أول رواية مصرية تدور حول المهاجرين إلى هولندا من المصريين والعرب، وما يواجهونه من مأسي خاصة المقيمين منهم بصورة غير قانونية. وأصدرت حتى الآن عشرة  أعمال أدبية هي «مملكة العبيد»، «بائعة الزهور»، «قلوب في طواحين الهواء»، «بلا رجال افضل» والتي حققت أصداء إعلامية وأدبية واسعة، رواية «كورونا في سوق البغاء»، «سر الرجل الكلب»، و«لغز الحقيبة الزرقاء»، «سر الجاسوس الأخرس»، «لغز «الطائرة المخطوفة»، وأخيرًا رواية «الملكة والأفاعي».

حاليًا مديرة تحرير بجريدة الوفد، وأكتب مقال أسبوعي يوم الأربعاء بعنوان «أوراق مسافرة»، بجانب بعض الأعمال الصحفية الأخرى، ضيفة دائمة بالتليفزيون المصري وعدد من الفضائيات المصرية والعربية وأيضًا الصينية، كمحلله لشئون الأخبار السياسية والدولية.

-حدثينا عن الصعوبات والتحديات التي واجهتك في مسيرتك الأدبية والصحفية، وكيف تغلبت عليها؟

– واجهت صعوبات كثيرة في مجتمع صعيدي منغلق، يرفض أن تظهر فيه فتاة على السطح لتقول كلمة، ولو كلمة حق، فكانت حربي الأولى لدخول كلية الصحافة، وكان أعمامي يقنعون والدي بالكتفاء بالثانوية العامة وانتظار العريس في بيت أبي، فيما حاربت أمي لأجلي ولأجل باقي إخوتي لنكمل جميعنا تعليمنا الجامعي، البنات مثل الأولاد لا فرق.

كانت حربي الثانية لأخرج بمفردي وأنا صبية إلي قصر الثقافة الذي كان يبعد مسافة 2 كيلو مترًا عن بيتنا سيرًا على الأقدام، لأستعير الكتب المتنوعة من المكتبة، وكنت أعبر خلال ذلك شريط السكة الحديد، وكان خوف أبي هائلًا من القطارات، وكان دعم أمي أكبر من خوفها، وقد رأت عشقي للقراءة منذ طفولتي، فكانت ترجو أبي لأذهب لقصر الثقافة، وأحيانًا أذهب عندما يكون في عمله، وكان في هذا مغامرة كبيرة لأمي، التي دعمتني وإخوتي طيلة حياتها -رحمها الله- لنحقق أحلامنا الأدبية والعلمية.

ثم واجهت صعوبة التفرقة العنصرية من زملاء الجامعة بالصعيد، كانوا لا يرحبون أبدًا بزميلة مثلي تقف عل مسرح الجامعة لتلقي أبياتًا من الشعر من تأليفها أو لشعراء معروفين، أو لتقدم حفلًا، أو تنافسهم في عضوية اتحاد الطلاب، أو أن تتصدر قصة قصيرة لي مجلة الحائط الخاص بقسم الصحافة، لكن الحمد لله كنت أجد الدعم والتقدير من أساتذتي بالجامعة بصورة رائعة، لأتخطى تلك النظرة الرافضة من الزملاء. ثم واجهت صعوبة كوني أعيش بالصعيد، سوهاج، البعيدة عن مراكز الإعلام والنشر، حيث لم أكتف بالنشر في صحيفة سوهاج المحلية، بل كانت عيني على القاهرة، التي كنت ازورها كثيرًا مع أسرتي حيث أخوالي في القاهرة والإسماعيلية،  فكنت أراقب القطار الذى يمرق من على بعد أمتار أمام بيتنا في سرعة جنونية، وأقول لنفسي، سأستقل هذا القطار وحدي إلى العاصمة، لأبدأ رحلة الصحافة والكتابة.

 وتغلبت على بُعد المكان مؤقتًا بشراء المجلات والصحف من مصر ومراسلة المجلات التي تسمح بنشر قصص للشباب من المبدعين، والحمد لله كانت هذه البداية، نشرت أكثر من قصة قصيرة لي وأنا طالبة في عدد من المجلات الأسبوعية، وكان في هذا نقلة نوعية كبيرة وحشد للأمل في كوني قلم مبدع على الطريق، يمكن أن يجد له يومًا مكانًا بين كوكبة الأدباء المعروفين، ومن هنا كان إصراري على مغادرة سوهاج عقب حصولي على ليسانس الآداب، لأبدأ حياتي الصحفية، ومن ثم الأدبية عن قرب، رغم هذا كانت أول رواية لي تنتمي لأدب المهجر حيث سافرت منتصف عام تسعين فى رحلة سياحية لمدة 3 اشهر، لكنها امتدت إلى إقامة لمدة عقدين من الزمان، وكان روايتي «مملكة العبيد» حول المصريين والعرب في هولندا.

-ما أهم قراءاتك في السابق والآن، ومن هو كاتبك المفضل؟

– ستعتليكم الابتسامة حين أقول كانت أهم قراءاتي مجلتي سمير وميكي وأنا طفلة، أدخر من مصروف الأسبوع، وأهرول لبائع الصحف بالحي لأشترى هذه المجلة أو تلك، حيث كانت واحدة تصدر يوم الأحد والأخرى الخميس، كنت انتظر جارنا ” عم صابر كما كنا نناديه ” وكان مديرًا بالمنطقة التعليمية” عندما يعود من عمله لأستعير منه الصحف اليومية لأقرأها، فقد كانت عاشقة لقراءة أي شيء، حتى لو وقعت في يدى ورقة كتاب كان ملفوف بها ساندويتش فول وفلافل كما كان الحال على أيامنا، حتى أن جارنا أصبح يترك لي الصحف على كرسي من الخشب في مدخل العمارة ليسهل على أخذها يوميًا.

  ثم  بدأت أقرأ الألغاز البوليسية، سواء المصرية، أو مؤلفات أجاثا كريستي، والفريد هيتشكوك، لا يدرك إلا طفل صعيدي في مجتمع مغلق، مدى روعة المتعة التي يشعر بها وهو يحلق بخياله وأفكاره مع تلك القصص المثيرة التي تنقله إلى عالم غريب وفريد، وكانت أختي التي تكبرني في مرحلة الثانوية العامة، وأنا لا زلت في أول المرحلة الإعدادية عندما أمسكت بكتاب الفلسفة الذي تدرس منه، وجدتني ألتهم هذا الكتاب التهامًا، وابدأ في عشق قراءة النظريات الفلسفية، وفرغت من هذا الكتاب لأتجه إلى قراءة ترجمات لمعظم فلاسفة الغرب والعالم منهم، رينيه ديكارت، كانط، هيجل، جان جاك روسو، وكنت في مرحلة الثانوية العامة عندما قرأت الوجودية للفيلسوف والكاتب الفرنسي جان بول سارتر، وبدأت أتأثر بها، فأسعفني والدي بأمهات كتب التفسير للقرآن والسنة، وكان لديه مكتبة حافلة بهذه الكتب، ونجح في تغيير مجرى مراهقة أفكاري وتأرجحها الخطير بقراءات تفسيرات الطبري وابن كثير، بعدها اعتدلت توجهاتي، فاتجهت للروايات المصرية والعالمية، فلم أترك تقريبًا كتابًا أوعملًا أدبيًا لهؤلاء إلا وقرأته،  نجيب محفوظ، يوسف السباعي، توفيق الحكيم. وأثرت في كثيرًا روايته «بنك القلق»، العقاد، إدوارد الخياط، طه حسين، إحسان عبد القدوس، مصطفى أمين، وأذكر أني كنت أنتظر أسبوعيًا قصته «لا»، «الأنسة هيام»، والتي كانت تنشر على صفحة كاملة من جريدة أخبار اليوم، وقرأت كثيرًا للأديب السوداني الطيب الصالح، شعر صلاح عبد الصبور، وأمل دنقل، فاروق شوشة.

-من أكثر الأدباء والاعلاميين الذين تأثرت بهم في مسيرتك. ومن هو مثلك الأعلى في الحياة؟

– تأثرت بالحبكة الدرامية والصدق، والدفاع باستماته على القيم والأخلاق في كتابات نجيب محفوظ، وتأثرت بالرقي في التناول وعدم الابتذال في الكلمة، والرومانسية الحالمة الراقية في  كتابات يوسف السباعي، وجرأة الغوص في مشاعر شخوص القصة والنفاذ إلى أعماقهم من إحسان عبد القدوس خاصة مشاعر المرأة، وتعلمت السخاء في السرد وتناول نماذج بسيطة ومتنوعة في الرواية، نماذج لها عبق الأرض ورائحة الطمي الأصيل من الطيب الصالح. كما تأثرت بالصحفي محمود صلاح ملك قصة الجريمة بجريدة الأخبار، وتعلمت منه كيف تكون الإثارة والجذب في الكتابة.

مثلي الأعلى في الحياة أمي رحمها الله، كانت كالهرم الأكبر، صامدة شامخة قوية، لا تهزها رياح الحياة، ولا تنحني لصعوبات، سيدة إسمعلاوية من أصل هندي رقيقة جميلة، دفعت بها رياح الحياة لتعيش بين أهل الصعيد بموجب زواجها من رجل أحبته حين كان جارًا لها بالإسماعيلية لظروف عمله، تزوجته وتخلت عن إكمال تعليمها بالمدارس الفرنسية لأجل هذا الحب الكبير، وتحدت رغبة أهلها وهي تقرر السفر معه لأقصى الصعيد، فحرموها من الميراث، وانكفأت تربي سبعة أطفال حملتهم تباعًا برحمها ، فتحولت إلى شجرة سنديان صلبة العود قوية الجذور، تظلل علينا بألف ذراع من الصبر و العطاء والاحترام لزوجها الصعيدي وعشيرته، حتى صرنا ونجحنا جميعًا في الحياة، كانت سندي وداعمتي  سرًا وعلانية، وشجعتني لأشق صعوبات الحياة في ثقة وثبات، تعلمت منها ما علمته لأولادي، حين تسقط فشلا أو من صدمة خذلان، لا تبقى كثيرًا في سقطتك، انهض بسرعة، انفض الأتربة عن ملابسك وحياتك، ولا تنتظر أي يد لتساعدك في النهوض من عثرتك، وانطلق، واصل المسيرة، الحياة لا تعترف بالضعفاء، ولا مكان لانتظار شفقة الآخرين، أوصتني أن أكتب ذات يوم قصتها، وبإذن الله أوفي بعهدي لها قريبًا إن أمهلني القدر مزيدًا من العمر.

– إذا طلب منك ترشيح أديب عربي معاصر لجائزة نوبل … فمن تختارين؟

– أرشح فكرية أحمد -إنها دعابة- في الواقع هناك أدباء حقيقيون يستحقون تلك الجائزة، ولكن للأسف الأضواء غير مسلطة عليهم لتظهر أعمالهم، حتى ينالوا ما يستحقونه من الشهرة والتقدير الأدبي، إذ لا يزل عالم الأدب والثقافة تسيطر عليه الشللية أو ما يعرف بـ«البرتيتة»، كما أن هناك من غير الموهوبين يتمسحون بالأدب تمسحًا أو أنصاف موهوبين، ولكنهم يجيدون التسويق لأنفسهم بصورة مدهشة، وتجدهم في المحافل هنا وهناك يتصدرون المشهد، ويقتنصون جوائز غريبة بمسميات أخرى، وأوسمة ما أنزل الله بها من سلطان من جهات تختلق لها مسميات رنانة مصرية وعربية دون أن يكون لها قاعدة أدبية حقيقية.

 وبالتالي يظهر هؤلاء كالريم على السطح بجوائزهم وأوسمتهم في وسائل الإعلام أو عبر السوشيال ميديا، فيما يتوارى موهوبون حقيقيون، لأنهم لا يملكون أدوات التسويق لأنفسهم، أو يترفعون عن عرض أنفسهم بصورة مبتذلة لا تليق بموهبتهم وثقافتهم، ويقبعون في الظل رغم استحقاقهم عن جدارة، لذا أعتذر عن تقديم تصور حول اسم أديب أو أديبة للترشح لجائزة نوبل، وإن كنت أتمنى ترشيح اسم يوسف السباعي أو اسم الطيب الصالح.   

إلى أي مدى استفدتِ في مشروعك الإبداعي من الأدب العالمي خصوصًا أنه قد أتيح لكِ السفر إلى العديد من دول العالم والإقامة بها؟

– في الواقع استفدت كثيرًا من القراءة في الأدب الروسي والإنجليزي، الترجمات بالطبع، الأدب الروسي يتميز بالثقافة الرفيعة والقيمة والإبداع والعمق الفلسفي في التناول، وله أثر ملحوظ في كتابات رواد الأدب بالعالم وترجم الأدب الروسي غالبًا إلى كل لغات العالم، فمن يمكنه أن ينسى رواية «الإخوة كرامازوف» لدوستوفيسكي، والتي قدمتها حتى السينما المصرية في فيلم الإخوة الأعداء، و«انا كارينا» لتولستوي، وغيرها الكثير، أما الأدب الإنجليزي، رغم أنه يبدو للبعض مملًا في السرد والنقلات الدرامية، لكني استفدت منه الرصانة والدراما الموجعة بكثافة سعيًا لإحياء الضمير الإنساني، وتقديم العظة والدروس البشرية، ولقد قرأت كثيرًا لوليم شكسبير، سواء رواياته أو مسرحياته، وبكيت وأنا أقرأ روميو وجولييت، و”الملك لير” ونهايته المأساوية، ومسرحية هاملت وما بها من دراما فلسفية.

إلى أي مدى استفدتِ في مسيرتك كصحفية وروائية من تطور وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي؟

-لا أعرف لماذا أرى أني أنتمي لجيل قديم، نعم أتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي، ولكنى لا أجيدها بحنكة أولادنا من شباب اليوم، الذين يحققون عبرها انتشارًا واسعًا لأعمالهم وكتاباتهم قد لا أحققه أبدًا، ولا يحققه آخرون من جيلي، وأعزي نفسي بأني من جيل «القلم والورقة»، وبأن من لهم ميول أدبية، يبتعدون كثيرًا عن الآليات الحديثة وتقنياتها التي باتت تطحن تفاصيل وملامح الأشياء وتجعلها أحيانًا بلا شخصية أو بلا هوية.

رغم ذلك لا أنكر فضل تطور وسائل التواصل في الحصول السريع على المعلومة صحفيًا، أو العودة لخلفيات الموضوعات بسهولة ويسر، وهو ما لم يكن يتوافر لجيلي قبل ثلاثة عقود، حيث كما نضطر للبث في أمهات الكتب وأرشيف الصحف والمجلات للحصول على معلومة، لكنى أعترف بأني شخصيًا لم أستفد في أعمالي الأدبية وانتشارها كما ينبغي من تلك الوسائط حتى الآن.

 للأسف مواقع التواصل تزيف الحقائق، وتحشد أراء مجاملة ولن أقول منافقة، تجعل البعض يصدق نفسه، ويعتقد أنه موهبة أدبية فذه لم تتكرر، فيغتر، ولا يقبل النقد أو التصويب لما يكتب، رغم ضحالة ثقافته، وسطحية فكره، وركاكه أسلوبه، بل ووقوعه حتى في أخطاء إملائية، إلا انه يطلق على نفسه أديب، والويل للقراء لو كان يملك بعض المال لينشر أعماله على نفقته، ويزحم بها أسواق الكتب، لتقع في أيدي قراء لا يستفيدون منها أي شيء لتفاهتها ورداءة مضمونها، وبالفعل الأرصفة والمكتبات مكدسة بمئات الكتب لكتاب موهومون، فكل من جمع كلمات ورصها في اسطر وسود بها صفحات كتاب، أطلق على نفسه أديب وكاتب، ومن خلفة جوقة الأصدقاء تهلل له وتثمن فراغ إبداعاته، وفي هذا كارثة وانهيار تدريجي للإبداع الأدبي.

 – هل أثر مجال عملك الصحفي سلبًا على مشروعك الإبداعي أم ساعد في تطويره؟

– يا الله، لقد أثر عملي الصحفي كثيرًا على مشروعي الإبداعي، ولكن بشكل سلبي، وأيضًا إيجابي، السلبي أنه عمل الصحفي عطلني عن الكتابة الأدبية طويلًا، السعي من أجل لقمة العيش، وتكوين أسرة والأولاد ومتطلبات الحياة كل هذا جعلني انخرط في أكثر من عمل صحفي في وقت واحد لأوفي بمتطلبات الحياة، لأن الأدب لا يؤكل عيشًا في عالمنا العربي، وغالبًا لا يشتهر أديب إلا بعد موته، وإن استحق الشهرة في حياته، لذا تعطلت كثيرًا، وكان هناك فارق زمني كبير بين الراوية وهي مملكة العبيد عام 1995، وبين عودتي للكتابة عام 2014 لأصدر مجموعتي القصصية «قلوب في طواحين الهواء».

أما الجانب الإيجابي للعمل الصحفي وانعكاسه على الأدب، إنه صار لدي مخزون ذهني وتجارب إنسانية هائلة من خلال معايشتي الواقعية لعوالم مختلفة وشخوص من كافة الأجناس والمستويات خلال رحلاتي ولقاءاتي الصحفية، وهو ما أثرى تجربتي الإبداعية وجعلها متنوعة غير نمطية أو مقولبة، سواء في مضمون القصة، أو حبكتها، أو حتى شخوصها وملامح وعمق تلك الشخصيات، وفقًا لما أشعر به، قد أكون منحازة لنفسي، ولكن بالطبع أترك التقييم الحيادي للنقاد.  

  – إلى أي مدى حققتي حلمك كإعلامية وأديبة؟ وما الحلم الذي لم يتحقق حتى الآن؟

– كإعلامية أرى إني اكتفيت، وما تبقى من عمري أتمنى أن أتفرغ فيه للأدب، إذا أرى أني لا زلت في أول الطريق رغم الإصدارات العشرة، ولكن لأني تأخرت كثيرًا عن إبداعاتي  بسبب عملي الصحفي، فأنا متلهفة ولدي ظمأ للكتابة، وأشعر أن لدي الكثير الذي لم أقدمه للقارئ بعد. أما الحلم، هو الحصول على جائزة أدبية حقيقية من مؤسسة أو جهة تقدر وتقيم العمل الأدبي بحياد وموضوعية، بعيدًا عن المجاملات أو التسييس أو الشللية.

  – كيف يمكن أن يساهم الإعلاميون والأدباء  العرب كقوة ناعمة في إرساء روح الوحدة وتقبل الآخر؟

– بديهي للإعلاميين والكتاب دور تنويري وتثقيفي للجمهور، ولأن الكلمة أمانة لمن يحميها، وسيحاسب عليها أمام الله، ويجب على كل مثقف سواء إعلامي، مفكر، أديب، أو حتى فنان أن يراعي ضميره فيما يكتب ويقدم من أعمال، وأن يكون هدفه هو الإنسانية المطلقة، بعيدًا عن التصنيفات أو التقسيمات العنصرية على أساس جنس أو عرق أو دين، بل يجعل من أهدافه كقوى ناعمة مؤثرة التقريب بين الطبقات والفجوات المجتمعية، وإعلاء قيمة الحق والواجب والانتماء للوطن في نسيج متكامل لا مزق فيه.

-ما هي مسؤولية الكاتب والإعلامي تجاه مجتمعه؟ 

قد يرى البعض أني أبالغ إذا ما اعتبرت أن مسؤولية الإعلامي والكاتب لا تقل عن مسؤولية الجندي على الجبهة، لأنهم أيقونات التنوير والتوجيه للمجتمع، ويمكن بكلمة أو جملة إشعال فتنة وحروب داخلية وخارجية، وبكلمة وجملة إخماد حرب، لذا المسؤولية هنا جد خطيرة، ويجب أن يحاسب كل كاتب وإعلامي نفسه قبل أن ينشر كلماته على المواطنين، وأن يقيس في عقله ردود والصدى الذي سيحدثه بهذه الكلمات، وأن يلتزم الصدق، ويغالب الشائعات ولا يكون أداة لترويجها أو تكريسها ولو في رواياته، وأذكر أن الله سبحانه وتعالى أفرد سورة كاملة للقلم وما يسطره القلم، لخطورة هذا الأمر وآثاره سلبًا أو إيجابًا على المجتمع، “ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ” . 

– إلى أي مدى استطاع الإنترنت أن يؤسس لحركة ثقافة وتواصل بينك ككاتبة من جميع أنحاء الوطن العربي بديلًا عن الإعلام التقليدي؟

– بالطبع يسر لي الإنترنت التواصل مع أصدقاء كتاب وروائيين من مصر والعالم العربي، يسر لي الاطلاع على ثقافات متنوعة، وتبادل الأفكار والآراء، وأتاح لي التأثير والتأثر إلى حد ما، فقد نقل إلي الإنترنت عوالم بعيدة إلى وأنا في مكاني، وهو ما لم يكن متاحًا من قبل، أو مكلف بصورة باهظة للمال والوقت والجهد، الأمر الذي ساعد على المد الثقافي المتبادل بين وبين الآخرين ولو عن بعض، والتعرف على الأفكار ومستجدات الإبداعات الأدبية، ولكن في نفس الوقت لا يجب السماح  بحدوث غزو للفكر والثقافة وتغريبها العربية المصرية وتشويهها أو تمييع هويتها، بل يجب بان تثقل بالثقافات الأخرى ويضاف إليها لإثرائها لا أن ينتقص منها.

– –كيف ترين مستقبل الكتاب الورقي؟ وهل يستطيع الصمود أمام الكتاب الإلكتروني والمسموع؟

– لست متفائلة كثيرًا في هذا الإطار، فقد بدأ التراجع بالفعل في الورقي لحساب الكتاب الإلكتروني، ولكني أتمسك بالأمل بأن الكتاب الورقي سيظل له رواده، خاصة ممن هم فوق سن الشباب، وانه سيظل رفيق إنساني في الأسفار والرحلات كجانب من المتعة والثقافة، وإن كان الكتاب الإلكتروني في نفس الوقت سيحقق الانتشار الأكبر للعمل الأدبي مما يعود بالنفع الأدبي والمادي على صاحبه بصورة اكبر، خاصة مع ظهور صرعة الكتاب المسموع. 

 ما هي آخر مشروعاتك الإبداعية؟

– صدر لي في أغسطس من عام 2022 رواية هي الأطول لي «الملكة والأفاعي» وبها أقتحم العوالم الخفية والشوارع الخلفية لعالم الصحافة والصحفيين، وأكشف أسرار صندوقهم الأسود بجرأة عرضتني للوم من بعض الزملاء، ولكني مؤمنة أن مهنة الصحافة رغم قيمتها الراقية، إلا أن المشتغلين بها بشر، أيضًا لهم أخطاءهم، ولكن هذه الأخطاء تكون أخطر جسامة، لأنها تصدر عن أصحاب أقلام تنوير، يرفعون شعارات الأخلاق والمبادئ والقيم، ويجب أن يكونوا هم أول من يؤمنون بها ويطبقونها، ولا تكون مجرد كلمات للإتجار بها وتحقيق الشهرة. وتحت الطبع حاليًا رواية أخرى أكثر جرأة حول عوالم خفية باتت تستحوذ على أماكن ومساحات خطيرة في حياتنا وأفكارنا.

كلمة أخيرة تودين تقديمها إلى قراء النخبة، ونصيحتك إلى الروائيين والكتاب الجدد؟

– أنا سعيدة لأني انتمي إلى فئة الكتاب الذين يقدمون أعمالهم الأدبية وإبداعاتهم من خلال دار النخبة العربية للنشر والتوزيع، فهي دار محترمة، تنتقي بدقة ما تتولى نشرة، وليس هدفها الربح بقد ما هدفها مساعدة الكتاب والأدباء والمفكرين على تقديم أعمالهم للقارئ بصورة لائقة تلتزم بالأخلاق والقيم، وتبتعد تمامًا عن الإسفاف والابتذال، لهذا قراء النخبة محظوظون بما يقدم لهم من أعمال متنوعة جيدة منتقاه تتسم بالتميز والرقي.

وأتمنى من الروائيين والكتاب الجدد أن يقرأوا كثيرا في الأدب العالمي، والعربي ولكبار الأدباء المصريين، ليصبح لديهم ثروة لغوية تخدمهم كتاباتهم، وأن يثقفوا انفسهم بجدية لصقل موهبتهم الأدبية، ولا تكون ثقافتهم «تيك اواي» من جوجل،  وألا يتعجلوا النشر طلبًا للشهرة.

.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى