حول العالم

فن السيناريو في أدب نجيب محفوظ

البناء الدرامي لروايات أديب نوبل يشمل أبعادًا أساسية واجتماعية وتاريخية ونفسية وفلسفية

عناصر البناء الدرامي من أحداث وصراعات وتحولات في روايات الأديب الكبير «نجيب محفوظ» تؤكد على أنه لم يتعلم كيفية كتابة السيناريو بمفهومه الحقيقي كفن من الفنون الراقية.. وليس مجرد حرفية أو صنعة ينضم فيها الأفراد في ورش كتابة يشرف عليها أسطوات يعلمونهم أصول المهنة.

وفي مقاله المنشور بجريدة المصري اليوم، ذكر عاطف بشاي تحت عنوان «نجيب محفوظ وأصول المهنة»، أن كتابة السيناريو والحوار الدرامي للأفلام تخضع لكونها حرفة أو صنعة تؤتي ثمارها بالتدريب والمذاكرة والمثابرة على التعلم والدراسة، إذا واظب عليها الفرد أجاد وأصبح بموجب ذلك مؤلفًا دراميًا.. بينما الحقيقة أن كتابة السيناريو فن فريد شأنه في ذلك شأن الفنون الأخرى مثل الفن التشكيلي والنحت والموسيقى والتصوير والشعر والرواية والمسرحية.. والقصة القصيرة.. والسينما باعتبارها الفن السابع الذي يحتوي في جعبته على الفنون السابقة.. وهي فنون تتصل بالإبـداع الخــلاق والموهبــة البـــارزة والخيال المجنح والفكر المنقذ والعلــم الغزير والثقافة الشاملة.. والقدرة الفائقة على الابتكار وعلى فلسفة الجمال.

أدب نجيب محفوظ وعناصر البناء الدرامي

وأضاف بشاي: أن أدب نجيب محفوظ الذي حصل بموجبه على جائزة نوبل.. رغم الفروق العديدة بين فن الرواية والفنون المرئية.. يحتوي بتفرد أخاذ.. وبمقدره فذة على عناصر البناء الدرامي الذي يعتمد عليه فن كتابة السيناريو.. وهي رسم الشخصيات بأبعادها المختلفة.. وتأليف الأحداث وتصاعدها وإنشاء الصراع بشقيه الخارجي والداخلي وبلوغ الذروة عن طريق الصورة المرئية.. وابتداع الحوار الدرامي بالإضافة إلى أنه فن زماني مكاني يخلق عالمًا موازيًا للعالم الواقعي المُعاش.

وأشار إلى أنه من هنا فإن البناء الدرامي لروايات نجيب محفوظ يشمل أبعادًا أساسية واجتماعية وتاريخية ونفسية وفلسفية عظيمة تحتوي على دلالات ورموز وإسقاطات ومعان وأفكار عميقة.. وشخصيات متوهجة تظل رابضة في وجدان القارئ.. راسخة في ذاكرة النظارة وملهمة رائعة لكتاب السيناريو.. بل هي منجم خصب ينهلون منه إبداعاتهم في تنوع هائل.. ففيما يتصل مثلًا بالبعُد الاجتماعي للشخصية يتجسد لنا نموذج «زهره» في رواية «ميرامار» خادمة البنسيون الريفية التي تبحث عن عمل وملجأ في المدينة، الباحثة عن سند وحب واستقرار وحماية.. فتصبح رمزًا «لمصر» التي أحبها الجميع أو اشتهوها وخانوها.

البعد النفسي للشخصية الدرامية

ولفت إلى أن في إطار البُعد النفسي للشخصية الدرامية.. برع نجيب محفوظ في بحثه في أغوار النفس الإنسانية الملغزة وتناقضاتها الرهيبة في أن يخلق نموذجًا بشريًا يثير التأمل ويشعل الصراع الدرامي في رواية بديعة من رواياته العميقة برموزها ودلالاتها المبهرة، مجسدة في شخصية «أحمد عاكف» في رواية «خان الخليلي» الذي يعاني من مرض «البارانويا» بشقيه.. الاضطهاد والعظمة ممتزجين سببًا ونتيجة.. فقد تحول الإحساس الطاغي بالاضطهاد عنده سواء كان اضطهاد أشخاص أو زمن أو حظ أو أقدار إلى «بارانويا»، الإحساس بالعبقرية وما يصاحبها من هلاوس من التعالي والغطرسة والغرور.

البعد السياسي للشخصية الدرامية

وأوضح بشاي أن في إطار البُعد السياسي للشخصية الدرامية ومن خلال رواية «ثرثرة فوق النيل» التي نشرت قبل نكسة (67) بشهور قليلة وتنتهي بنبوءة حتمية تشير إلى أن هناك كارثة مروعة آتية في الطريق، تمثلها شلة العوامة من الحشاشين، وهم مجموعة من الأنماط المختلفة من مثقفي البرجوازية الصغيرة منهم نجم سينما (رجب القاضي) تتهافت عليه العاهرات.. وناقد أدبي شهير فاسد الخلق يمدح حينما يجزل له العطاء ويذم حينما تنحسر عنه الرشاوي وهو يعبر عن رأيه في الحياة الضائعة المبالية التي تجمعهم داخل العوامة وهي حياة خالية من الجدوى والمعنى والقيمة وتمضي بهم في فراغ نفسي ومعنوي وابتذال جنسي وتبلد وجداني واستهتار بكل القيم والمبادئ.. وهناك «مصطفى راشد» المحامي المرموق قبل الثورة الذي خسر بعدها بسبب تصفية الإقطاع الدوائر الزراعية التي كان يباشر قضاياها وأصبح يتولى القضايا الصغيرة لأبناء الشعب الكادح وصار لا يعنيه سوى قبض مقدم الأتعاب ليساهم في حصته من شراء الحشيش.. وهناك «أنيس زكي» الموظف السابق بأرشيف وزارة الصحة الذي تمت إقالته بسبب تعاطيه الحشيش فأصبح وزير شؤون الكيف لشلة العوامة ومهمته إشعال الفحم وتكريس المعسل ووضع الحشيش فوقه وإعداد معدات الكيف.

الزمن المراوغ عند نجيب محفوظ

وبالنسبة للبعد التاريخي والفلسفي والإنساني للشخصية الدرامية، تناولها الكاتب في مقال آخر بعنوان «الزمن المراوغ عند نجيب محفوظ»، عرض فيه أحداثًا تؤكد أن «نجيب محفوظ» لم يتعلم كيفية كتابة السيناريو بمفهومه الحقيقي كفن من الفنون الراقية.. وليس مجرد حرفية أو صنعة ينضم فيها الأفراد في ورش كتابة يشرف عليها أسطوات يعلمونهم أصول المهنة.

وأكد بشاي على أن كتابة السيناريو تُعتبر فنًّا فريدًا وليس مجرد «مهنة» أو «صنعة» أو «حرفة» كما يتصور الكثيرون.. والبناء الدرامي الذي يحتوي على رسم الشخصيات وبناء الأحداث وإنشاء الصراع له علاقة أيضًا بعنصري الزمان والمكان، فالسينما في النهاية هي فن «زماني مكاني».

البعد التاريخي

وأشار الكاتب إلى أنه بالنسبة لعنصر الزمن فقد اعتمد محفوظ في روايته الأولى على موضوعات من التاريخ الفرعوني، ممثلة في «عبث الأقدار» ثم «كفاح طيبة» ثم «رادوبيس»، مستلهمًا من قوة التيار الفرعوني في العشرينيات من القرن الماضي، خاصة بعد اكتشاف مقبرة «توت عنخ آمون»، وكان المد الفرعوني على أشده في بدايات هذا القرن.. ثم امتدت إبداعاته لتشمل أبعادًا اجتماعية وسياسية تعبر عن مراحل زمنية أخرى، لتشمل «الثلاثية» (قصر الشوق- بين القصرين- السكرية)، خان الخليلي، القاهرة الجديدة، زقاق المدق، بداية ونهاية، أولاد حارتنا، اللص والكلاب، السمان الخريف، الطريق، الشحاذ، ثرثرة فوق النيل، ميرامار، الكرنك، حضرة المحترم، الحرافيش.. إلخ..

وأكد على أنه استطاع بمهارة وحنكة أن يحقق من خلال البُعد الزمني رصدًا عميقًا لقضايا مهمة مرتبطة بأحداث ومواقف مصيرية ووطنية وشخصيات مدهشة.. ومعارك فكرية وسياسية بازغة.. وتشمل تحولات زمنية مختلفة تحتشد بمفارقات عصرية.. فانتقل من خلال تلك الشخصيات من الخاص إلى العام، ومن الإلحاحات العابرة إلى المعاني الكبيرة.. ومن الواقع المعيش بثقله المادي.. وصراعاته الاجتماعية إلى عوالم متعددة.. وشواطئ أبعد أشد ثراء تحتوي على دلالات وإيماءات وإسقاطات ورموز واستنباطات وتنبؤات تتجاوز هموم مجتمع معين في حقبة زمنية معينة.. وعذابات بشر بذواتهم الخاصة إلى أطروحات فلسفية وفكرية عميقة تشمل الوجود كله.. والشخصيات الدرامية التى تجسد تلك الرؤى المتفردة هي التي تدفع الأحداث إلى الأمام، في تتابع محكم وشيق ومثير.

السمان والخريف 

ولفت إلى رواية «السمان والخريف» (1962)، التي جمعت في محتواها السياسي والفكري بين التحولات الزمنية والمكانية والرؤية البصرية المبهرة، التي تحققت بشكل جيد حينما تحولت إلى فيلم سينمائي بطولة «محمود مرسى» و«نادية لطفي» وأخرجه «حسام الدين مصطفى»، تُعتبر الرواية هي الأولى لنجيب محفوظ التي تتناول أحداثًا تتعلق مباشرة بما حدث بعد ثورة 1952، وبطلها «عيسى الدباغ»، يعمل مديرًا لمكتب أحد وزراء حزب الأغلبية الوفدية، وخرج في التطهير بعد الثورة.. ويقول معبرًا عن أزمة رفاقه: «كنا طليعة ثورة، فأصبحنا حطام ثورة.. وفي كل عمل سنتخذه سنظل بلا عمل لأننا بلا دور، لكن سوف تزداد ضحكاتنا كلما رأينا التاريخ وهو ينصاع إلينا».. لقد أطاحت به الثورة، واقتلعته من جذوره، فأصبح عقيمًا بلا نفع ولا قيمة ولا جدوى لوجوده في هذا المجتمع الجديد.. ويتحول هذا التحور الزمني إلى تحولات نفسية، فيصبح «عيسى» ضائعًا منهارًا.. مشتتًا مضطربًا ساخطًا يحاول الهروب من واقعه البائس.. ومن مصيره المجهول ومن نفسه المعذبة، فيترك القاهرة، ويحتمي بوحدته التعسة وغربته الموحشة في الإسكندرية.

البعد المكاني في روايات نجيب محفوظ

وأكد بشاي أن انتقاله هذا يمثل البعد «المكاني» في البناء الدرامي، الذي يُعتبر بعدًا أساسيًّا في روايات «نجيب محفوظ»..

وأضاف: في الإسكندرية، ينغمس مع العاهرة «ريري» في تجاوزها مهمتها العابرة كبنت ليل رخيصة لليلة واحدة إلى البقاء عارضة عليه خدماتها المنزلية لتهرب من التشرد، حيث لا مأوى لها.. ويصف نجيب محفوظ «ريري» بأنها شخصية إنسانية متعددة الأبعاد، ولها تاريخ حافل بالأزمات والمآسي، فضلًا عن تطلعات وأحلام ورؤى مستمدة من الاحتكاك بالحياة القاسية، وإذا كان لقاؤها مع «عيسى» قد انتقل بها من حال إلى حال، فإن الاستقرار الذى تنشده لم يتحقق، فقد تعرضت للطرد، بعد الحمل، الذي يمثل مأزقًا للسياسي المسكون بالهواجس، مما جعله يتساءل: ترى هل ستتخذ «ريري» الخطوات التي تقذف به إلى صميم الفضيحة العلنية؟!… هل يقف قريبًا موقف الذل أمام النيابة؟!.. كم سيحلو التشهير به في الصحف.. وكم سيكون ذلك فرصته للتشهير بالآخرين وبعهد بأكمله.

وأوضح الكاتب في تحليله للرواية أن الزمن المراوغ يدور دورته.. وبعد عدة سنوات من طرد «عيسى» لها.. وإنكاره معرفتها.. تطل «ريري» في موقع اجتماعي جديد، فقد احتفظت بالجنين، وتزوجت من تاجر مخدرات عجوز.. أحبها، وتزوجها واحتضن طفلتها المولودة، واعتبرها ابنته، وأصبحت «ريري» فوق مستوى الشبهات. أما «عيسى» فقد ظل ضائعًا مأزومًا طريدًا لا هوية له، وقد تجاوزه الزمن الجديد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى