حول العالم

فوز حمزة: مسؤولية الأديب مثل الطبيب

ما دمنا نكتب بلغة واحدة فنحن بذلك أرسينا لروح الوحدة وتقبُّل الآخر دون أن نشعر

  • أعتبر الفيس بوك بمثابة المستشفى التي ولدت فيها حروفي وقصصي
  • أحلام الكاتب لا تنتهي ما دام ليل الكتابة مستمرًا
  • كتبي على رف أحد المعارض… لحظة انصهار مع الحلم
  • لا أعترف بالهويات وأعتبرها سجون لتقييد إبداع الكاتب
  • الكتاب هو الحاضن الأول للحرف والكلمة رغم  الغزو الإلكتروني

الكاتبة العراقية والقاصة فوز حمزة، مقيمة في بلغاريا بمدينة صوفيا، تكتب القصص والشعر وفي طريقها لكتابة الرواية، صدر لها عن دار النخبة المجموعة القصصية «مذكرات امرأة في سلة المهملات».

أجرينا معها هذا الحوار الممتع الذي كشف عن شفافية ووضوح في شخصيتها بالإضافة إلى ما تتمتع به من ثقافة ومتابعة للحركة الأدبية وكان لها آراء فيما يخص تأثير الإنترنت ووسائل التواصل على الكاتب والكتاب الإلكتروني.

نص الحوار..

  • متى بدأتي مسيرتك مع الكتابة والإبداع؟ وما هي التحديات التي واجهتك، وكيف تغلبتي عليها؟

-قبل ثماني سنوات وبالتحديد في عام 2014 كانت انطلاقتي الأدبية حيث بدأت بكتابة الخواطر والهمسات عبر صفحتي على الفيس بوك، ومن ثم أخذت بكتابة القصص القصيرة ليبلغ ما كتبته إلى الآن قرابة 260 قصة تتنوع بين القصة القصيرة جداً والمتوسطة والبعض منها كانت طويلة. أما عن الصعوبات التي واجهتها، لا استطيع القول إنها صعوبات بما تعنيه الكلمة بل كان العمل الذي أزاوله والذي يستحوذ على جُل الوقت هو الصعوبة الوحيدة، لكن بعد ذلك استطعت أن أوازن وقتي وجهدي بين العمل والكتابة بشكل لا يؤثر أحدهما على الآخر.

  • ما أهم قراءاتك في السابق والآن؟ ومَن أكثر الأدباء الذين تأثرتي بهم؟

-بدأت بقصص الأطفال والمجلات ثم تدرجت للروايات والمسرحيات العالمية، وقبل ذلك قرأت لكل شعراء العرب ابتداء من العصر الجاهلي وانتهاء حتى اللحظة. الكتب التي قرأتها صنعت مني بوتقة انصهر بداخلها كل ما قرأته وتجانس لأخرج أنا. لكن يبقى اسم الأديب العالمي غارسيا ماركيز يحتل الصدارة لمن قرأت لهم وتأثرت بهم.

  • إلى أي مدى استفدتي في مسيرتك الإبداعية بوسائل التواصل الاجتماعي؟

-جمهوري الأول والمشجعين والداعمين لي هم من أصدقائي الفيسبوكيين، بل أعتبر الفيس بوك بمثابة المستشفى التي ولدت فيها حروفي وقصصي، فمن خلاله تلقيت نصائح من نقاد استفدت منها كثيراً في تصحيح مسيرتي الأدبية وكذلك نيلي للجوائز العشرة التي حصلت عليها كان من خلال هذه المنصة العظيمة التي أجلّها واقدرها.

  • إلى أي مدى أثّر مجال عملك على مشروعك الإبداعي؟ وهل تجدين في الوظيفة قيودًا على الإبداع؟

-من خلال تجربتي استطيع القول أن العمل سلاح ذو حدين، فمن جهة قد يستحوذ العمل على معظم الوقت والجهد، لكن من جهة أخرى يعتبر العمل ومخالطة الناس والاطلاع على تجاربهم هو مادة الأدب وركن من أركانها الأساسية التي لا غنى لأي كاتب عنها.

  • أين تجدين نفسك؟ في القصة أم الرواية أم الشعر….؟

-القصة هي العالم الذي يسمح لي بالانطلاق والتحليق في عالم الخيال، أجد قلمي وأنا ممسكة به يسحبني لعالم جميل مملوء بالكلمات والمعاني بالرغم من أنني كتبت بعض الأشعار ومولودي الأول من الرواية ما زال جنينًا ينتظر الولادة.

  • كيف ترين الحركة النقدية والأدبية العربية في الوقت الراهن؟

-بين فترة وأخرى حينما يقع بين يدي كتاب نقدي لكاتبٍ ما أشعر أن الحركة الأدبية العربية بخير ما دام الخيط بين الأديب والنقاد موصولًا بالرغم من أن ذلك لا يمنع أن تكون بعض الدراسات مبنية على مدى العلاقات الشخصية، والتي لها الأولوية في نقد كتاب ما وهذا الشيء يسبب الغبن لبعض الكتب التي تستحق أن يلتفت إليها.

  • حدثينا عن شعورك عندما ترين مؤلفاتك مشاركة في معارض الكتب الدولية؟

-حينما أنظر لكتاب من كتبي على رف أحد المعارض وقد اتخذ مكانه بين الكتب الأخرى؛ أشعر كأن العالم قد فسح لي مكانًا، أشعر أنني لهذا الشأن جئت إلى الحياة، إنها لحظة إنصهار مع الحلم، لحظة تحقيق الحلم لا تضاهيها لحظة.

  • كيف ترين دور النقاد والدراسات الأدبية في كتاباتك؟ وهل يظهر أثرها في حركة الإبداع لديكِ؟

-بالتأكيد أن الدراسات النقدية التي كتبت على ضوء مؤلفاتي كان لها الأثر العميق في تصحيح بعض المفاهيم أو إزالة البعض الآخر من أجل إيجاد مفهوم جديد يخدم القصة كعمل فني يحمل صفات الإبداع. ككاتبة لا استطيع أن أعزل نفسي عن الحركة النقدية وما تقدمه من تعزيز لمسيرتي الأدبية.

  • هل أنتِ مع تصنيف الأدب إلى ذكوري ونسوي؟ وكيف ترين حضور المرأة العربية في عالم الأدب؟

-إذا كان هذا التصنيف لتسليط الضوء على التجارب المتباينة التي يتعرض لها الرجل والمرأة ومن ثم بالتالي تخلق من كل واحد منهم تجربة لها خصائصها المائزة التي تضيف للأدب الشيء الجديد، فالمرأة قد تنظر لأمر ما من زاوية لا يراها الرجل لأنه يقف على الجانب الآخر والعكس صحيح. هذه الرؤية سوف تجسد من قبل المرأة أوالرجل على شكل عمل أدبي ذو نكهة جديدة ولون خاص، إذا كان الأمر كذلك فلا بأس، أما إذا كان التصنيف لوضع الحدود والعزل من حيث أنهما ذكر وأنثى فأنا على الضد تمامًا.

  • هل ترين في منح الجوائز الأدبية علاقات شخصية في اختيار أصحابها؟

-لا أعتقد، فالعمل الأدبي سيظهر للناس وسيتم تقييمه من قِبل جمهور القراء، فالجهات المانحة ستعرض نفسها للاتهام ونفي المصداقية عنها في حال استخدامها للعلاقات الشخصية في عملية التقييم والمنح.

  • كيف يتم الحكم على جودة العمل الأدبي؟ من القارئ أم من الناقد؟

-تجربتي تسمح لي بالقول إن الاثنين قد يحكمان على العمل ويكون حكمهما صائبًا، القارىء يحكم على العمل كما يحكم على لوحة فنية كاملة دون الخوض في التفاصيل، أما الناقد فدراسته الأكاديمية تمكّنه من تفكيك تلك اللوحة ومن ثم بيان الجيد من غيره على أسس منهجية علمية، وبالتالي فإن ذلك يصب في مصلحة الكاتب وعمله الأدبي.

  • إلى أي مدى حققتِ حلمك كأديبة وكاتبة؟ وما أقرب مؤلفاتك إلى قلبك؟

-أحلام الكاتب لا تنتهي ما دام ليل الكتابة مستمرًا. عن نفسي ما زلت أحبو وأشعر أن ما بداخلي أكبر مما دوَّنته. مؤلفاتي هي عصارة جهدي وخلاصة أحاسيسي فليس من العدل التفريق بينهم لكن يحق لي القول أن التجارب حينما تكبر تعطيك نتائج ناضجة ومختلفة عمن سبقها.

  • في ضوء ما تشهده بلادنا العربية من أحداث وانقسامات فكرية، هل ساهم الأدب العربي كقوة ناعمة في إرساء روح الوحدة وتقبُّل الآخر؟

-ما دمنا نكتب بلغة واحدة فنحن بذلك أرسينا لروح الوحدة وتقبُّل الآخر دون أن نشعر أو نتعمد ذلك، من خلال منح الفرصة للغة الحوار أن تتسيد الموقف وتصبح لها الكلمة الفصل في حل كل النزاعات القائمة سواء كانت أدبية أو غير ذلك، فاللغة هي الطريق الوحيد لخلق مجتمع حضاري متقدم.

  • هل تنتج الحروب والثورات مبدعين؟

-التغييرات والتداعيات التي تنتج من تلك الحروب تصبح أرض خصبة لولادة المبدعين، فالأدب مادته القصص المستوحاة من الناس وتجاربهم في الحياة، لكن هذا لا يعني أن السلام وترف العيش ليس له دخل في إيجاد المبدعين بل على العكس السلام والأمان وسهولة العيش تنتج لنا أدبًا من نوع ثانٍ مختلف لن يكون أقل جمالًا وإبداعًا من الأول.

  • يتعرض الشباب العربي لمحاولات لتذويب الهوية، ما دور الأدب في الوقوف أمام هذه المحاولات والصمود أمام الأدب المترجم؟

-أنا من جهتي لا أعترف بالهويات وأعتبرها سجون لتقييد إبداع الكاتب، وأجد أن التزاوج ينتج نسلًا جديدًا أكثر صحة، وكذلك لا أجد من الصواب الوقوف في وجه الأدب المترجم بل أعتبر ذلك فرصة للاطلاع على الأمم البقية من خلالها أدبها وكتابها.

  • هل على الأديب مسؤولية تجاه مجتمعه؟ وهل يمكن للكاتب قيادة الجماهير وتوجيهها في ظل أزمة الكتاب الحالية؟

-مسؤولية الأديب تشبه مسؤولية الطبيب حين يشخّص المرض، بدون هذا التشخيص لا يتم أبدًا معرفة مكان المرض ومن ثم تحديد العلاج له. هذا أولًا، أما الشيء الثاني والمهم هو المصداقية التي يجب أن يتحلى بها الأديب لأنها من ستفسح له مكانًا بين الجماهير ليستطيع قيادتها، لكن ضيق العيش والحياة الصعبة التي تمر على الأديب العربي جعلت منه شخص يلهث وراء الحياة التي لم تعد تلبي طلباته المشروعة وبذلك انحسر عنه الدور الذي يجب أن يلعبه كمفجّر للأفكار ومنوّر للطرق المظلمة.

  • هل أثرت التقنيات الحديثة من فيس بوك وما شابهها على تطور الأدب العربي؟ أم أنه أدى إلى تراجعه لانشغال الكُتاب بالتواصل الاجتماعي وإبداء الآراء؟

-بل على العكس تمامًا، التقنيات الحديثة لو تم استخدامها بشكل مبرمج وصحيح سيكون لها الأثر الكبير والمثمر على عملية التطور، لكن هذا لا ينفي أن الفيسبوك أتاح لكل من تسوّل له نفسه بالكتابة أن يكتب ولو على حساب الإبداع والعمل المثمر.

  • هل استطاع الإنترنت أن يؤسس لحركة ثقافة أدبية وتواصل بين المبدعين من جميع أنحاء الوطن العربي؟

-مما لا شك فيه أن الإنترنت له الفضل الكبير والأول في التأسيس لحركة ثقافية أدبية تواصلية لجميع مبدعي الوطن العربي، الأمر الذي  عجزت عن فعله الحكومات العربية والمؤسسات الثقافية التابعة لتلك الحكومات. الإنترنت ثورة ضد القيود وانتفاضة ضد الروتين وخيط متين مد بين المثقفين بشتى تخصصاتهم.

  • كيف ترين مستقبل الكتاب الورقي؟ وهل يستطيع الصمود أما الكتاب الإلكتروني والمسموع؟

-يبقى الكتاب هو الحاضن الأول للحرف والكلمة رغم الغزو الإلكتروني، على الأقل هذا ما أراه الآن، أما في المستقبل فأتوقع أن العودة إليه ستكون سريعة وبقوة، فالكتاب متاح للقراءة في أي زمان وأي مكان عكس الكتاب الإلكتروني الذي له متطلبات خاصة في القراءة، هذا رأيي.

  • ما هي آخر مشروعاتك الأدبية؟

-ستصدر لي قريباً مجموعتي القصصية الرابعة بعنوان (صباح كهرماني) والتي تضم 52 قصة قصيرة.

  • كلمة أخيرة تودين تقديمها إلى قراء النخبة، ونصيحتك إلى الكُتاب الجدد؟

-في البدء.. أوجه التحية لدار النخبة لاهتمامها بالكُتاب وتقديم العون والرعاية لهم من أجل أن يصبح منجزهم في يد القارىء، وساقول وقولي هذا ليس مجاملة بل هو خلاصة تجربتي معهم، أن دار النخبة من أفضل دور النشر التي تعاملت معها. أما عن نصيحتي للكُتاب الجدد أقول استفيدوا من الذين سبقوكم لتختصروا الطريق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى