إبداع

في الطريق إلى سبورتنج

كنا نتسابق لحجز المقعد الأمامي في الدور العلوي أنا وأصحابي بعد وقفة طويلة

أحمد حسين
Latest posts by أحمد حسين (see all)

في الطريق إلى سبورتنج ومشاهدة  سباق الخيل، كانت قروشًا قليلة ولكنها أعطتنا سعادات كثيرة.. كثيرة.. طولت أرجلنا اكتشفنا عالمنا ومدينتنا وأماكن كثيرة…

في الأصل كان كرسيًا خشبيًا مضلعًا بفراغات مستطيلة مقوص الظهر وتستطيع أن تغير وجهته إلى الأمام أو الخلف حسب وجهة التروماي…

كنا نتسابق لحجز المقعد الأمامي في الدور العلوي أنا وأصحابي بعد وقفة طويلة علي محطة ترام الكرنك، أو فلمنج…

الكمساري

يمر الكمساري ببدلته الكاكي وشنطته الصغيرة بحزام طويل يتدلى حتى ركبته.. نعرف مجيئه عندما نسمع أصوات القروش في شنطته  وهي تعزف موسيقى نحاسية، فقد اعتاد أن يهز الشنطة في عادة لم تفارق كل الكمسارية نحسبها نحن جرس الإنذار.. فنقفز من عربة لأخرى حتى نصل إلى وجهتنا.

هذه المرة لم نستطع الهرب، ووجدناه فوق رؤوسنا رابطًا أصبعيه بعدة أساتك من الكاوتشوك الأسود وقلم كوبية رصاص بحديدة ألومنيوم  يضرب به على التذاكر…

-ينادي: بصوت هادى تذاكر… تذاكر يا حضرات

-سألنا: على فين..؟

-قلنا: سبورتنج

-قال: أربعة قروش من فضلكم

ثلاثة تذاكر ونصف إلى سبورتنج

قال أوسطنا: بل ثلاثة تذاكر لنا ونصف للجميل.. وأشار إلى صديقنا القصير وانفجرنا ضحكًا..

فقد كان أقصرنا ويبدو كهيئة طفل صغير وأشغبنا بوجه طفولي برئ.. قال:

(وهو يغالب كسوفه ويتوعدنا بالثبور في مقالبه القادمة خاصة وإن بعض الركاب يتوجهون بعيونهم تجاه ضحكاتنا الرنانة)

-ستعرفون وستندمون كيف يكون القصير محيرًا وألعوبانًا ولا تقدرون عليه؟

كان صادقًا.. فكثيرًا ما أضحكنا حين كان يجري خلف الترماي ويشد البورش ثم يسرع ويفتن للسائق أن من فعلها هو ذاك الطويل؛ فيتشاجر السائق مع صديقنا الطيب بينما هو يجري ضاحكًا ويلحقنا من خلفنا..

‏مَن قال أن كلمات المزاح مع الأصدقاء لا تشبع، لا تفعل شيئًا؟

كانت أجمل الضحكات وتسرية النفس وبكارة الشقاوة تبهرنا وتُغرقنا في بحر من السعادة واللطف وتجعلنا نطير من نشوة المزاح وتتسع الحياة قدر اتساع الفرحة والضحكة فينا.. إنما تلين الحياة للضاحكين..

للطيبة أرواحهم في كل صَّباح.. للصادقين بصداقاتهم الذين لا تأفل بهجتهم أبدًا..

ما زلنا نتجادل والكمسري عن الأجرة رافضًا أن ندفع نصف تذكرة لصديقنا القصير، فتركنا على أن يعود ويحصّل الأجرة كاملة وألا ننزل من الترماي.

المحطة

-المحطة الجاية جاءت وأصدر صفارته الفضية مناديًا للسائق:

-على إيديك شوية يا عم محمود…!! 

نزلنا في طابور نتضاحك.. تخطينا إشارة المرور والمفارق.. وصلنا على الأقدام إلى بولكلي

وسريعًا، لفحتنا روائح البن العميقة الصادرة من محل ومحمصة بن (أبا اليازيد) الرجل النوبي الأسمر داخل المحل ديكور كلاسيكي قديم معدات قديمة لطحن القهوة.. يافطة بنية اللون من الزجاج داخل برواز خشبي..

وكنا نعتقد أن بولكلي هي عاصمة البرازيل فمدخنة البن العتيق تعبق المكان برائحة تحميص البن التي تذوب سحرًا ونشوة داخل النفس كأنما دوبت نفسًا وأضحت ذكيّة الانتباه، ناعِمة الصّد، صادِقة السكوت…

رائحة البن المحمص لها جاذبية وصوت يعلن عن المذاق، صوت الرائحة تتغلغل في النفس.. كم وددت صغيرًا أن أحتسي قهوة ولكنها في زمننا كانت القهوة للكبار..

وظل شرب القهوة حلمًا يداعبني فمجرد استنشاق رائحتها يداعب خلايا رأسي.. حتى تذوقتها أول مرة فوجدتها تسري في خلايا الشرايين والأوردة، وتعيد سريان الدم ببطء جميل..

رشفتان من فنجان قهوة يعطيك أملًا وبلسمًا لأوجاعك.. إنما قالوا القهوة كالحب؛ قليل منه لا يروي، وكثير منه لا يُشبِع..

محطة بولكلي

بجوار محطة بولكلي تتراص المقاهي على صف الترام، وحتى الساحة الكبيرة لمحطة الترام كانت كافتيريا كبيرة يجلس عليها كبار السن ببدلتهم ويحتسون القهوة، وعلى باب مكتب كبير خشبي يجلس مفتشو الترام ببدلتهم الكاكي والزراير النحاسية والشرائط الرمادية على أكمام البدلة، والطاقية المنتشية بشريط أسود يرقبون التروماي من اليمين والشمال..

كانت بولكلي محطة تركن فيها الترام قليلًا بينما عن قرب كشك محولجي التروماي يحرس بوابة الشرق ويسمح للترام رقم واحد وخمسة أن تتجه إلى اليمين حيث باكوس عاصمة الإسكندرية، ونمرة اثنين وأربعة تتجه إلى الاتجاه نحو جليم..

لم ندفع ثمن تذاكر التروماي واقترحنا أن نأكل ساندوتشات من أبو ربيع فرائحة الفلافل تكاد تخرق الأنف خرقًا.. ثم نشتري جيلاتي استيك ساحر المذاق مربع حليب مغطي بجدار من الشيكولاتة يحتضن عصاة رقيقة من محل الخواجة دوبلو من ساحة المحطة..

اعتادنا كأصدقاء صغارًا، ان ننفق  مصروفنا بسعادة نحقق متعتنا وإشباع ملذات السعادة  فالمتع الصغيرة أكثر إمتاعًا من ادخار العمر لتحقيق متع كبيرة مؤجلة..

ضحكات طفولة

 وتفاصِيلنا الصّغيرة وضحكاتنا  اللّطيفة التي تجعل يومنا أجمَل لم نحسبها بالقروش ولم نشتريها بل وهبناها… فلماذا ندخر؟

ابتعنا سندوتشات وجيلاتي.. جلسنا على كراسي المحطة الإسمنتية تحت ظلال شجرة كبيرة عملاقة تظلل جوانب المحطة الأربعة، يربض تحتها كشك عريض تفترس فيه كل الجرائد والمجلات وقصص تان تان روايات عبير والشبكة والصياد والموعد، كلها مرصوصة على الأرض والأرفف.

‏كنا نجتمع لنعيش الحياة، وما هي الحياة في الصبا إلا مزاحًا ولهوًا، ومتعة.. بينما إذا عبرتها صارت الحياة كدحًا شاقًا..

أقصر طريق للسعادة هو أنت ونفسك إذا قررت أن تكون سعيدًا، فلا تتردد أن تقرر ذلك، بل عش سعيدًا..

محطة بولكلي كانت شاهدًا لأول قصة حب لصديقنا الثالث الرومانسي الحالم الذي أسرَّ لي أنه كان يأتي هنا لمقابلتها بعد أن أرسل لها خطابًا غراميًا مرسومًا عليه ورودًا وقلوبًا، وردته بجواب أنها تنتظر دومًا الترام في طريقها من مدرسة طه حسين.. قال لي في جلستنا أنهما كانا يجلسان على الكراسي الخشبية على طرف المحطة.

قصة الحب الأول للصديق الرومانسي

في كل مرة في ميعاد خروج المدارس.. وما كان أروعه من شعور في أيام الخريف عندما تتساقط أوراق الشجرة الكبيرة مع قطرات المطر ويداها ترتعشان، بينما هو لم يعبأ إلا بنشوة اللقاء الأول وحرارة الخجل والبحث عن كلام الحب البادي على وجهه ووجهها..

وما أروعه من شعور حين يضرب قلبه ذاك الحب الأول أو يسطع على وجهه.. فأحبها مثل ما أحب الورد وورائحة القهوة..

بعد أن أكلنا وشربنا اتفقنا أن نستكمل رحلتنا بالترام انتظرنا على الصف الثاني حيث تأتي الترام من ناحية جليم أقل ازدحامًا..

هذه المرة دفعنا الأجرة كاملة وصرنا نتجول نبحث عن مقاعد خالية ثم دوي صرير الترام وضربات الحديد مع فلنكات الترام إلى محطة رشدي الهادئة، حيث ترقب على اليسار محل بيدرو تريانون وروائح الكرواسان الفرنسي ثم إلى مصطفى كامل.

كانت الأشجار الكثيفة تتراص على الجانبين بينما تمر الترام وكأنها في موكب زفاف لا يقطعه إلا الظلام المنحسر من ظلال الأشجار المتدلية وكأنما دخلنا كهفًا.. بعد هذا الكهف استقبلتنا الشمس من طرف رصيف مخزن التروماي الكبير.. ثم تدلف الترام إلى سيدي جابر الشيخ وفيها يرقد بسلام سيدي جابر الأنصاري..

كل ما في المكان.. بائعو الجندوفلي والحمص والحلاوة وحب العزيز (الربعة بقرش) ونسمة هواء خفيف وحلقات الذكر وعمائم خضراء وبسطاء يفترشون الأرض وبائعو القلل والطبل.. وطرق صوفية بأعلام طويلة وصور مشاهد..

‏ما أجمل المشي في شوارع العمر بقلوب حافية!

لا تكاد تمر من سيدي جابر وكليوباترا الحمامات إلا وتلفحك رائحة النجيل الطبيعي وتدخل في هدوء قليلًا ثم تجد….

وللحديث بقية..

تعليقات الفيس بوك
اظهر المزيد

أحمد حسين

بكالوريوس إعلام، جامعة القاهرة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى