صدر حديثا

«في انتظار الخبز»… ترصد معاناة المرأة

مجموعة قصصية للأديبة السورية الكردية شمس عنتر

صدر حديثًا عن دار النخبة العربية للنشر والطباعة والتوزيع، المجموعة القصصية «في انتظار الخبز» للكاتبة السورية الكردية شمس عنتر.

تقع المجموعة في 96 صفحة من القطع المتوسط، وتضم 31 قصة، تتناول في أغلبها المرأة في ظل الحرب والأوضاع الراهنة في بلادها.

من قصص «في انتظار الخبز» 

كل شهر

(عندما تلغي الجوع ستلغي في نفس الوقت عبودية الإنسان للإنسان).

توفيق الحكيم…

المشهد يختزن كل ذُل العالم في عبوة ويرشه على تلك الوجوه المنتظرة لساعات طويلة كي يقبضوا اثني عشر دولاراً كل شهر بعد الخدمة التي امتدّت لعقود من الزمن.

حيث يتكدّس المُوظفون القدامى المتقاعدين عند طاقات استلام معاشاتهم، كسمك السردين في العلب، لكن من دون زيت، مع الكثير من الفلافل الحادة جدا مثل أمزجة من أفنوا أعمارهم في خدمة ما يسمّى بالوطن.

 في دواخلهم يغلي الرفض مزمجراً، يُلعن، يكفّر يتوعد، لكن بصمت مُخزٍ.

أغلبهم يتكئون على عصي ونظارتهم السميكة تحجب أعينهم النازفة.

البياض غزا رؤوسهم وموديلات ملابسهم من القرن الماضي حيث بصمات المستعمل الأوربي تصرخ من خلالها، والظهور منحنية.

والعديد منهم لا يقوَ على الوقوف فيفترش الأرض ضارباَ الكرامة بعرض الحائط الملوَّث بكلّ أنواع الفيروسات.

أطقم الأسنان تكاد تفرّ من الأفواه وهم يعدون تلك الأوراق النقدية التالفة، فئة المئتين ليرة التي تبدو كأنها سُحبت من فم كلب مسعور، وعندما يقبض أحدهم الرزمة تعلو شفاه شبه ابتسامة طفولية خجولة وكأنه طفل حصل على قطعة حلوى. 

يحاول أن يسحب نفسه من بين المكدّسين حيث تفرّ بعض الأزرار ويتمزق جيبه الفارغ وربما ينخلع كُمّ القميص.

 تعلو أصوات المنتظرين وهم يهنؤونه وكأنه عاد لتوّه من الحرب بعد أن دحر الأعداء.

 لقد أصبح أمراً عادياً بل وطبيعياً فهو يتكرر كل شهر، ولا أحد يغضب!!!

فقد تمّ إعدادنا للعبودية بشكل جيد، فاعتدنا وجع الحياة بألم بل وبحمد، خوفاً من أن تتأزم أكثر فأكثر!

يخطئ أحدهم في العدّ فيراجع المعتمد الذي يخرج عن طوره، ويرمي القلم ويهم بالخروج فترتفع الأصوات مؤنبة المُرَاجع ومترجية المعتمد بمواصلة العمل، فهم يستعجلون الخروج من صندوق الذل هذا عسى أن ينعموا ببعض الطمأنينة في الخارج، ولكن هيهات…

نزيف داخلي

(الفقر هو أسوأ أشكال العنف)

   المهاتما غاندي

تيار الهواء كان يلفح وجه فيروز وهي واقفة بطولها الفارع على حافة سطح البناية المؤلفة من ثلاثة طوابق.

كانت تريد أن ينتهي شريط الذكريات قبل أن تعطي الأمر لرجلها كي يخطو في الفراغ لتهوي نحو القبر.

تتذكر كيف سارت في إثر ذلك الرجل وتبعته إلى تلك الغرفة المنزوية حيث أغلق الباب بسرعة.

احتضنها قائلاً: ” أين كنتِ يا أم فيروز اشتقتُ إليك، هل استغنيتِ عني؟”

وبسرعة فك حزام سرواله وهو يخرج رجله من ساق السروال على عجل، ويستعجلها وهو يتحسس جسده.

بكلتا يديها دفعته فيروز وأوقعته على ظهره، لكنه كان يضحك، الشبِق جعله متهيجاً.

أم فيروز سأضاعف لك المبلغ هيا ليس لدينا إلّا ربع ساعة.

صرخت به: حتما أنت مجنون.

في ظل ذلك الضوء الخافت والضوضاء و(الكراكيب) والمسدس المُعلّق بكتفه.

تملك فيروز الخوف والصدمة والتقزز من ألفاظه الجنسية، فركلته وتراجعت إلى الباب حيث المفتاح ما يزال في مكانه…

وعند العودة إلى أمها كانت قد أصبحت إنسانة أخرى، شعرتْ كأنَّ قلبها قد أُكل.

كانت ترى أمها أكمل مخلوقات الله وأعذبها.

لا تدري اليوم أن كانت أمها قد سقطت من قلبها أم إنها هي من سقطتْ في مستنقع الواقع.

أم فيروز التي نزحتْ لاجئة إلى بعض أهلها في القامشلي هاربة من جحيم الحرب.

كانت تعمل في الفرن لقاء أجر كان يسدّ بعض حاجاتها

لكن الغلاء المتوحش أصابها منها مقتلاً، لم تعد تستطيع تأمين نصف ما يلزم طفليها وهذا الذي أرغمها على أن توافق على ذلك العرض المذل.

الفقر يجعل الاحتياجات اليومية مآسي متتالية.

والمصائب لم تأتِـها فرادى، كانت الكورونا متواطئة مع الجوع والخنوع والفاقة.

فيروز صعدت أول (يوشن) متوجهة للقامشلي لرؤية والدتها المريضة، كانت الأم تنتفض كالملسوعة وترفض بحزم أن تنوب فيروز عنها في العمل..

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى