حول العالم

قراءة فى أغرب حوار لـ«نجيب محفوظ»

رمزية «ثرثرة فوق النيل» كما قصدها صاحب نوبل!

يخلط الكثيرون بين حياة المبدع وعالمه الأدبي، ما يؤدي في بعض الأحيان إلى تعرضه لاتهامات وطعن في شخصيته بما ليس فيها، ومن الأدباء الذين تعرضوا لهذا الأديب الكبير نجيب محفوظ.

حول هذه القضية الهامة يدور مقال الكاتب أسامة رحيمي، المنشور في جريدة «الأهرام»، بعنوان (قراءة فى أغرب حوار لـ«نجيب محفوظ» رمزية «ثرثرة فوق النيل» كما قصدها صاحب نوبل!)، تناول فيه حوار أُجري مع أديب نوبل، يرد به على ادعاءات البعض وطعنهم في شخصية محفوظ بما ليس فيها.

 استهل الكاتب مقاله يقول: كثيرًا ما تأملت دلالة «تدخين الحشيش» في رواية «ثرثرة فوق النيل»، والرمزية التي تعمدها «نجيب محفوظ» بتلك التيمة في روايته هذه، وأعمال أخرى.

وأضاف: خلال بحثي، أفزعنى ميل بعض السُذج ممن لا يعرفون قيمة الأدب، لترك الحشيش كرمز إبداعي، والقبض على شخص «نجيب محفوظ» نفسه، كأنه «حشّاش». بمخالفة صريحة للحقيقة. فآليت على نفسي إيضاح الفارق بين حياة المبدع، وعالمه الأدبي. وهي بديهية لا يعرفونها!

ويؤكد الكاتب على أنه لم يجد أفضل من كلام «نجيب محفوظ» للرد على حماقتهم، في حوار أجراه معه الأستاذ «عبد التواب عبد الحي» بعد صدور رواية «ثرثرة فوق النيل»، وكان محفوظ في عزّ عطائه، وتأجل نشره لأكثر من ثلاثين عامًا، ثم نشرته مجلة «الهلال» في 2005.

ويسرد كاتب المقال قول «المُحاوِرْ» (بضم الميم وكسر الواو) عن تأجيل نشره: «لم يجرؤ رؤساء تحرير كثيرون على نشر الحوار.. ربما خافوا أن يضبطوا في حالة تلبس»!! وأضاف: «رغم أن العظيم «نجيب محفوظ» نفسه لم يُصبه الحرج وهو يجيب عن أسئلتي، ووصفها بأنها «أسئلة أصيلة.. أغرتني بالتزام الصدق النفسي»، وراح يجيب عنها بدهشة وترحيب وإحساس رطّبته الطرافة»!

ويشير الكاتب إلى أن «عبد التواب عبد الحي» اعتبر حواره مبتكرًا، لأنه (بنص كلامه) ركّز «أسئلة الحوار جميعها على موضوع واحد مع الشخصية محل الحوار». وهو «الحشيش» الذي دار حوله بـ « 40 سؤالًا كلها تسبح في أحوال الدخان الأزرق»!!

ويلفت إلى أن ما يعنيه ويريد أن يركز عليه؛ بعدان: الأول إجابات محفوظ عن «علاقته شخصيًا بالحشيش» لسوء تأويل الناس لها، والثاني دلالة استخدامه في رواياته كرمز إبداعي!!

وهذه بعض مقاطع من الحوار أوردها الكاتب أسامة رحيمي في مقاله:

سأله الزميل مباشرة: دخّنت الحشيش مرة؟

أجابه محفوظ: آه.. زمان واحنا تلامذة في ثانوي. قول كده سنة 1927 أو 1928 كنا قاعدين على قهوة الغورية. واحد صاحبي عزم عليّ بنفس، أخذت نفسين، ووقعت من على الكرسي في غيبوبة!. من يومها أخذت حصانة ضده!.

وأضاف محفوظ: أغلب أصدقائي كمان لا يدخنون الحشيش. والصحبة تصون، وقد تُعديِ!.

قعدت مرة في غرزة؟

زمان كانت القهوة العادية منها قهوة، ومنها غرزة لحرق الحشيش، وأنا من زمان أهوى قعدة القهوة. القهوة مدرسة لمطالعة أعماق الناس وقراءة تصرفاتهم.

ما هي ملاحظاتك على المساطيل؟

حالتهم حالة بين اليقظة والمنام. العقل الواعي نائم. والإرادة مسترخية. وذهول عن الواقع المعاش. إثارة مفتعلة لأدنى إشارة. وضحك مبالغ فيه، مثل نوبات الضحك الآلي الناجم عن «زغزغة»!

وماذا تدري عن أثر الحشيش العضوي؟

مُضعف عام للصحة، وللمقاومة الذاتية ضد الأمراض، وآثاره على الحياة الزوجية مُدمّر، وضيق ذات اليد، وعنّة مؤكدة، تنتظر كل حشاش كلما تأخر به العمر.

وأثره النفسي؟

كسل وانحلال، ضعف القدرة على المبادرة، تواكل ولا مبالاة، الحشيش يحارب شخصية الحشاش ويهدم بنيتها!.

وضرره الاجتماعي؟

خطر محقق على الإنتاج.. يضعف فى الحشاش ميله للنشاط العضلي.. ويضلل نشاطه الذهني بتهويمات فارغة.. ويغرقه في رمال السلبية المتحركة فلا يقوى على أن ينتج بملء طاقته!.

يقول كاتب المقال أن هذه المقاطع من الحوار تكشف بوضوح موقف «نجيب محفوظ» من تدخين الحشيش، ورؤيته الواعية بمضاره بدنيًا ونفسيًا واجتماعيًا، على خلاف ما أورده المستخفُّون بالحقيقة وما تناقلوه بلا تدقيق، ودون الرجوع لآرائه المباشرة، مثل المعلنة في هذا الحديث مثلًا!

ثم أورد الكاتب بعض المقاطع الأخرى من الحوار:

ويعود المُحاوِرْ إلى الحشيش في روايات محفوظ. ويسأله:

باستثناء روايتك «ثرثرة فوق النيل» هل للحشيش خصوصية بارزة في أدبك؟

وعاء أدبي، وبيئته، في الغالب أحياء شعبية. والحشيش في حياة الحي الشعبي له دور يومي مهم. في زقاق المدق. في خان الخليلي، تلاحظ حشاشين كثيرين في عباءة أدوار أعطيتها لهم.

اشمعنى؟

الحشاش يرمز لابن البلد، الذي يعشق الفطرة ويعيشها. متحرك، وأحيانا سلبي، وغالبًا إيجابي النزعة. إنه الشارع والحارة والزقاق.. وجميعها أرضي وملعبي!

آخر ما قرأت لك «ثرثرة على النيل». أعترف أني لم أفهمها فهمًا كاملًا.. ماذا تريد وسترته في بطن السطور؟

مجرد الرمز.. لم أجد رمزًا لسلبية البشر أكثر من الحشاشين!

كيف استولدت في ذهنك الرواية.. على الورق؟

كنت أجتر شعور السلبية وأعيد هضمه وأنا أكتب. كنت أتقمص شخصية مثقف من إياهم، الذين يتصومعون وراء سواتر السلبية، وهي ظاهرة خطيرة بين المثقفين، حاولت أن أنفخ فيها أنفاس الحياة. سلبية المثقفين ـ الآن ـ عليها أن تتحرك. تضطرم. تحمل وتلد. تعطي مثلما تأخذ كل يوم!

أي شخوص الرواية منا.. ومن جلدتنا؟

بدأت الرواية أساسًا من الواقع المعاش. من رصد السلبية في مجتمعنا واختبارها. ثم أردت أن أناقشها مناقشة نقدية، فجاءت «الثرثرة»، أو كما تسميها أنت «الكركرة»!

زدتنى إبهامًا، ولم تجب عن سؤالي؟

خذ منِّى هذه الإضاءة: إنك تستطيع أن تعتبر كل سلبي في مجتمعنا.. من أهل العوّامة في الرواية!.

لماذا تعمدت أن تسبح بالمعاني طول الرواية «بين بين» مثل ضفادع القوات البحرية، لا أنت تمشي على القاع، ولا تعوم على سطح الماء؟

حكم الصنعة! وأسلوب الرواية ـ يقولون ـ لابد أن يناسب موضوعها!

لا تلمني!.. ألا ترى أنك استثمرت «ظرف الحشيش» الذي يحكم الرواية كلها، ربما أكثر من اللازم؟!

بالعكس. لقد كان الحشيش في الرواية رمز فكرتها. ولم أغفل مطلقًا ميزان التناسب بين الموضوع والأسلوب!

ويكتفي كاتب المقال أسامة رحيمي، بهذا القدر من الحوار الذي دار حول رمزية الحشيش في «ثرثرة فوق النيل». ويقف أمام تفسير محفوظ لدلالات الحشيش كمعادل لسلبية المثقفين (النخبة) ومن يتعاطونه تجاه أزمات المجتمع. والأمر الثاني المهم، التفرقة بين شخص محفوظ وإبداعه.

ويشير إلى الحقيقة بأن «محفوظ» في «ثرثرة فوق النيل» (1966) رسم صورة رمزية، واستعرض شخصيات أغلبهم مهزومون، ويعبرون على نحو ما عن البورجوازية المصرية قبل نكسة 1967. فبدا غرقهم في «غيبوبة الحشيش» منطقيًا، ربما لشعورهم الخفيّ والعميق بالإحباط العام، رغم نجاحهم الظاهري اجتماعيًا. ما يوحي بخلخلة يوليو للطبقة المتوسطة، التي كان انهيارها سهلًا للغاية لاحقًا.

وعن أبطال الرواية أوضح أنهم هم شلّة عجيبة ربطهم الضياع. أولهم موظف ساخط على الدولة والمجتمع، يلعن من يعبدون «إله الأقدمية» ويعيشون على رجاء «الترقيات» و«الحوافز». وثقافته التاريخية تجعل هلوسته عن تاريخ مصر انعكاسًا لحسرته على الماضي وشعوره بتداعي الواقع.

وكاتب مُلحد يعتقد بالعلم، ولا نعلم ما الذي يدفعه للهروب. وثالثهم تاجر غني يصرف أمواله بسفه وبلا منطق. والرابع نجم سينما يشارك في الأفلام الهابطة، منشغل باصطياد فنانات مبتدئات طوال الوقت، ويوهمهن بوهم النجومية، وكلما نال من إحداهن تخلّى عنها، وتعقب غيرها، دون رعشة ضمير، ولا يُنغّص عليه حياته غير طبيعة عمل أبيه «الحلاق». وخامستهم ممثلة مبتدئة تستغل نجم السينما، بتنازلات أخلاقية سهلة.

وسادسة تخون زوجها بحثًا عن المتعة الجسدية، وتبررها بأن زوجها بادرها بالخيانة مع الخادمة. والسابعة عاهرة تسعى وراء الثراء بأي ثمن. وثامنتهم صحفية ترصد هروبهم من واقعهم، وتكتب عنهم، وتحاول إنقاذهم بإخلاص، وتبحث عن فكرة مسرحية جديدة، ولا تفلح، خاصة بعدما قتلوا الفلاحة على طريق سقارة.

وكانوا قد ذهبوا جميعًا في نزهة إلى «ميت رهينة»، وهم مسطولون، ولعبوا هناك فوق تمثال رمسيس بكل ما يرمز إليه من حضارة مصر القديمة، فبدا التاريخ تحت أقدام «المساطيل». ومن تهن عليه نفسه، ويلهو بتاريخه، يسهل عليه تدمير واقعه. فعند عودتهم بسيارتهم المسرعة صدموا فلاحة تعبر الطريق. ربما هي الفلاحة المتعبة التى خرجت لتوها من إقطاع قاسٍ امتد لأكثر من 2400 سنة. وكان مأمولًا أن تنصفها يوليو. لكن هذا لم يحدث.

وفي بيان أكثر يقول كاتب المقال: طبيعة شخوص الثرثرة الذين أدمنوا الهرب من واقعهم، داهمتهم الحقيقة بقوة. فقتلهم الفلاحة كشف استخفافهم بتاريخهم واستهانتهم بواقعهم. ورغم محاولة بعضهم التنصل من قتل الفلاحة. لم يكن بإمكانهم هذه المرة اللوذ بالحشيش لمفارقة الواقع. وبدا هروبهم جريمة أخطر من قتل الفلاحة (روح مصر). فتحتم عليهم مواجهة الحقيقة.

لنجد أنفسنا مجددًا أمام ما قاله محفوظ نفسه في حواره عن الحشيش حول سلبية النخبة تجاه القمع وتدمير الحريات، وأن تخليها عن دورها التنويري، وربما الثوري، هو ما أوصل الأمور إلى هذا الضياع.

 ويؤكد الكاتب في ختام مقاله على أن «نجيب محفوظ» لم يتحدث عن الحشيش مطلقًا باعتباره مزاجًا شخصيًا له. بل رمز إبداعي للغياب عن الواقع المُعاش، وسلبية النخبة التي حطمت حيوية المجتمع ومقدراته الحضارية والاقتصادية والإنسانية، وهو ما اقتاد كل الواقع صوب النكسة.

فكان حريًا بأعتى المساطيل أن يصيح بوعي تام: «الفلاحة ماتت ولازم نسلم نفسنا»!!.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى