إبداع

قصيدة النثر.. تيار يبحث عن تقنين

قراءة في ديوان «سبعة أقلام ملونة» لخليل الشرقاوي

بهاء الصالحي
Latest posts by بهاء الصالحي (see all)

كأي مولود جديد يخالف ما تواتر على الساحة تثور الأسئلة تجاهه، كما حدث في الشعر الحر حاله ظهوره للنور في أربعينيات القرن الماضي وبذلك تأتي قصيدة النثر كإبن جديد للساحة الشعرية يبحث عن شرعيته.

 ومن هنا كان الاختلاف وبالتالي تبسيط ذلك الاختلاف واجب للإجابة على سؤال عما نبحث في قصيده النثر؟ فالبعض يرى فيها (اللغة الشعرية والوصف والإيقاع) عسى أن يخلق الثلاثي موسيقى من نوع خاصة قائمة على الحوار ما بين المبدع والمتلقي من خلال بنيه؛ وبالتالي يصعب تعريف مصطلحي ولكننا نتعامل مع سياق تعبيري جديد له مخاطر التصنيف من خلال الخط الفاصل ما بين قصيدة النثر والنثر الشعري، مثل المفكرات اليومية والرسائل.

قصيدة النثر لا زمنية

 ولعل البداية هنا فكرة الخلق الإرادي بمعنى امتلاك الشاعر نفسه لبناء توعوي قادر على صياغته من خلال الثلاثي السابق ذكره، وهي تحتوي على مبدأ فوضوي وهدَّام لأنها ولدت من تمرد، ولكن الرغبة في الشرعية كمطلب إنساني بالأصل؛ فهي بالأصل ساعية لتقنين وضعها الأدبي والفلسفي حيث هي ابنة شرعية لمصطلح الميتا: أي الما وراء في مجال اللغة وهي تريد أن تحطم أشكال وتخلق أشكالًا جديدة، فهي قصائد إشراقية وكذلك شكلية عند رامبو؛ وبالتالي للتمييز ضرورة أن يكون هناك وحدة عضوية مستقلة مرتبطة بطبيعة ذلك الذي يسود العالم، وكذلك أن تكون عالمًا مغلقًا ومعنى ذلك أن تكون القصيدة لا زمنية، ولا تعرض سلسلة أفعال أو أفكار ولكنها تظهر للقارئ حاجة وكتلة لا زمنية، وكذلك ضرورة أن يتوفر بها شرط الإيجاز دونما الاستطراد في الوعظ الأخلاقي، وذلك وفقًا لمنظرّة قصيدة النثر وهي «سوزان برنار» في كتابها الرائع المعنون بـ«قصيدة النثر» والصادر عن هيئة قصور الثقافة المصرية عن سلسلة آفاق الترجمة، وترجمه زهير محمد مغامسي، وراجعه دكتور علي جواد الطاهر، وصدر في ديسمبر 1996.

ومن هنا وجَبَ استقصاء العلاقة بين قصيدة النثر والطموح الميتا فيزيقي الذي استولى على الشعراء في النصف الثاني من القرن العشرين. ولعل بدايتها في القرن الثامن عشر في فرنسا لخلق قصيدة النثر المغايرة للرواية والقصيدة الملحمية.

قصيدة النثر في شعر خليل الشرقاوي

 إلى هنا المقدمة ولكن كيف نرى ذلك كله في شعر خليل الشرقاوي؟ الافتتاحية عند خليل الشرقاوي وهي مستثناه من الطول الموجز للقصائد عبر الديوان؛ ولكننا هنا مع اللغة الشعرية بداية حيث التحرر من الذاتية والسعي لما وراء الأشياء حيث لعبة القدر مع البشر حيث تسعى  لأصوات تنادي، الجيد في شعر خليل الشرقاوي أنه يبحث عن ذات جمعية، فلا ملامح مسبقة ولا ذات متجسدة يرى العالم من خلالها، والإيجاز مع كثافة الإيقاع تخلق موسيقى المشهد من خلال فكرة المعنى: إذ أبغي الحياة إذ تبغي علي.

الحياة هنا ليست مفرده شكائية يسوقها شاعر مُجهدة ذاته، فنبحث عن معنى رقيق عبر اللغة بل الحياة معترك لتقصّي الذات، وهنا فكرة الجدل مع الواقع هنا يكون الإيقاع في الكر والفر حيث يذهب إليها باحثًا عن تحقق خلالها فصار قدره أن يتهرب من نصالها؛ هنا رائحة الملحمية القادمة من سمو الذات على فرديتها لتبحث عن صورتها حال الخلود.

وتلك القصيدة التي تبلغ أبياتها 48 بيتًا يحض الشاعر القارئ ألا يبحث عنه عبر القصائد لأنه قد انساح في الوجود من خلال بحثه عن حريته القائمة على تجاوز روزنامة زمانه الغر ليتجاوز الزمن بمفهوم الكرونولوجي، ليصبح زمانه زمان الكون بأكمله: ولبثت يومًا ينقصه عشرات القرون.

سبعة أقلام ملونة

اللغة الشاعرة التي تستحث القارئ على اختصار كل معاني الزمن الواحد المتواتر عبر القصيدة في بيت واحد، المتوافر /القاعدة هو نقيض الاستثناء وبذلك يبلغ ما لبثه مئات القرون، وبالتالي تأتي فكرة الامتداد الزمني عبر القصيدة بكل تداوله المعرفي، ليكون الشاعر بذلك عابرًا عبر الزمان لخلق حالة من النبوءة القائمة على فكرة الشفافية للروح وكذلك القدرة على التجاوز؛ نبدأ بفكرة التبويب الخاصة بالديوان المعنون بـ«سبعة أقلام ملونة» وهنا دلالة الرقم 7 جزء مرتبط بفكرة زمنية الخلق، وبذلك تتحقق الوحدة ما بين المبدع والمتلقي من خلال المشترك اللفظي وهو دلالة الرقم سبعة؛ وكذلك لخلق مساحة من التهيئة للقارئ لتقبل حدود المعالجة لتتسع لاستيعاب الشاعر للكون؛ ولماذا هذا الاتساع وطول التجوال من خلال تمثل ذلك الكون أليس بحثًا عن الذات وبالتالي فإن تجاوز المعتاد من خلال وهم الصورة الشعرية بمفرداتها خلال الشعر التقليدي، لنجد هنا شفافية التجاوز والتوافق مع ما وراء وليس بحثًا عن دوجما معينة أو قناعة خاصة، ولكنه إدراك للذات من خلال التجول بحرية خلال الوجود لتصبح الرؤية أكثر علوية وأكثر شفافية وتجردًا: كيف لم أصل إلي من قبل /كيف غبت عن كل هذه السنين.

اللغة المراوغة هنا أكان الأمر يستحق كل ذلك التجوال ليصل لذاته!!

اللغة الشعرية عند خليل عالية التكثيف حيث تتجدل العلاقة ما بين درجات الحركة: وطفقت أخرج كل لون  ترمد/ نغماتي الحرة.

اللغة مفتاح القصيدة

هنا نحن بين شقي رحا فالطفق هو خروج من نعمه، وفقًا للنص القرآني (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) هنا درجة من الإيقاع المرتبط بالصورة الذهنية التي رسخت في ذلك العقل الجمعي حيث الإيقاع الحركي للفظ، وتكرار كلمة لون كمؤشر لوحدة الموضوع عبر الديوان ولكنه لون ترمدا، أي ترب من خلال المعاناة المصحوبة بالسفر ولكنه لم يترمد شيئًا خارج النغمات الحرة التي يزفرها الشاعر، ولعل ذلك الإيقاع واللون اللغوي الذي أنتهجه الشاعر يذكّرنا بمفهوم النور كمصطلح ساد عبر أشعار «إيليا أبو ماضي» حيث توافقت فكرة النور والحنين للأصل من خلال فلسفة الناي الذي أدمن الحزن لفراقه عن أمه الشجرة كمرادف للأم، وحنين الإنسان وروحه لحالة الذر الأول.

وفكرة العبارات الشارحة لكل قلم مع كل الدلالة المعتادة لكلمة القلم والتي يسهل تأويلها من قبل المتلقي العادي: القلم الأول: باسم الوحدة الملهمة: (كل بطل في قصته….. وإن لم يكن فبؤسًا) وذكاء الشاعر في توظيف الحركات الخاصة بالتشكيل للكلمات من خلال قصيدة صدقت بفتح الصاد والدال، وكذلك هم أهمهم به.

لتكون اللغة هي مفتاح القصيدة لأن تفاصيل الرحلة كثيرة وملائمة للغة العربية بثرائها المعروف والقادر على استيعاب تنوع وثراء المدلولات الخاصة بتلك الرحلة، ففتح الهاء في هم هو وصف لحاله، والضم في الألف والميم الأخيرة في أهمهم إشارة للمتأثر بالفعل وبه مع كسر الهاء أعاده للفاعل من خلال قلب بناء الجملة، حيث فتح الميم والهاء في الكلمة الوسطى أهمهم بما يفيد استمرار فعل الهم ولكن مع تكراره ناتج الشغف بالرحلة كداب  روحي قلب دائرة الفعل للهم ذاته.

المرحلة الذهنية في شعر خليل الشرقاوي

ما هي المرحلة الذهنية لجيل خليل الشرقاوي والتي جسدها في شعره؟ الحالة العامة استبطان لمجاهل الروح كنوع من مراجعة للتجربة الذي عاشها ذلك الجيل وهي تجربة 25 يناير 2011 وشارك فيها، هنا تصبح مرحلة الارتداد مشبعة بتقديس الحرية كمفردة كونية وهو نوع من الثبات الانفعالي وتطوير الزائقة الشعرية لذلك الجيل، وكذلك هو نوع من التعالي على الأزمة، ليتجاوز نطاق الفعل لفعل من أفعال الميتا حيث مجال الرؤية أوسع، وهو أمر سنحاول تبينه فيما بعد، ولكن ما هي دلالة العنوان كسيمائية خاصة بذلك الديوان وذلك الجيل الذي يمثله الشاعر ويراهن عليه كرسالة معرفية مركزه وهو أمر له عودة.

البداية والنهاية في قصيدة النثر

البداية والنهاية داخل القصيدة في قصيدة النثر هي مبتدأ الحالة الطبيعية وفق قدرة المتلقي على تجريد الألفاظ وهو أمر نابع من المهارة اللغوية التي يتمتع بها الشاعر حيث سلاسة اللغة وحيث فكرة الإيقاع النابع من روعة الوصف ومهارة استخدام الألفاظ المؤدية لمعنى حركي قادر على سرعة استيعاب المتلقي في إطار حركي محدد دونما غرابة، وكذلك سهولة صياغة المشهد الواحد وهو أمر متوافق مع الإيجاز كشرط أساسي لقصيدة النثر ليسهل تجريد اللغة والارتقاء بها لمستويات أعلى، ففي قصيدة: نجمة لا تغيب صفحة 21، حيث تتجرد المحبوبة ليصبح وجودها مرادفًا لمفردات الكون مع تقنية الرياضات الروحية حيث سهولة الارتقاء فيتدرج المخاطب من حبيبة وهمية كان هو مسيحها ليحمل عنها وزر الضحك ونجد أنفسنا مطاردين بالصور المركبة في شعر خليل الشرقاوي، ومتى يصبح الضحك وزرًا إلا في أجواء فقد الحرية وكأننا نبحث عن الحرية في أجواء ما بعد الميتا.

توحد الشاعر مع الطبيعة

 ثم يتوحد الشاعر مع الطبيعة من خلال الألم كوحدة للموضوع حيث يعيد إنتاج وحدته من خلال المواءمة مع الشجر الذي يظل الآخرين ولا يجد من يظله ويبحث عن مصادر قوة الشجرة كصدى لأزمة روحه وافتقاده للقوة خاصة وإن الشجرة تحولت من رمز للخطيئة إلى رمز للعطاء حيث أجاد الشاعر هنا التضمين من استخدام لفظة الحية بقياس بجناس لغوي راقي يعيد إنتاج الكلمات خارج العقل الجمعي حيث الحية هي عشقه، ولكن تكرار حية حية طوال الدهر هو نوع من الارتقاء بالمحبوبة والاستمتاع بتمردها على قانون الخضوع كنوع من تقديس الحرية: يا روحي المعذبة.

والتضمينات حيث إعلاء قيمه محبوبته التي تجسد إعادة إنتاج لمفهوم الحية في قصه آدم وحواء وقصة الهبوط من الجنة، حيث تحولت إلى ملهم قادر على استخراج مكونات العشق داخله فصارت الوحدة ملهمة حيث استرجاع الذات من خلال السمو على الرغبة في الموت.

البنية المعرفية وتبويب الديوان

البنية المعرفية في شعر خليل الشرقاوي يتم تداولها من خلال تدرج الكلمات الدالة المصاحبة للتبويب: القلم السابع تجلى على وجه النور فأحببت ذهب الحياة (الحرية هي جوهر الحقيقة)

القلم السادس: لأن الحب وحي. القلم الخامس: وأحلق فوق حقل ورد (بالصور يحدثني الكون.. وبالموسيقى تجيبه روحي) القلم الرابع: كطير نار يعربد في كبد السماء (لا كون لنعم…… بلا تفتح الأكوان) القلم الثالث: كم آه تكفيك أيها الألم (هل قوتي قوة الحجارة هل لحمي نحاس؟ يا أرض لا تغطي دمي ولا يكن مكان لصراخي) سفر أيوب.

القلم الثاني: ألملم أشواك قلبي (لولا الحزن ما تعلمنا الغناء) صدى قضيه الحرية في شعر خليل الشرقاوي.

العناصر الرئيسية في الديوان

من خلال تتبع عدة مفردات في سياقها عبر الديوان نصل لعدة عناصر رئيسية عامة في شعر خليل الشرقاوي:

  • الجسد وكيف عبَّر الشاعر عنه عبر ديوانه؟

القصيدة /البيت/ السياق. نجمة لا تغيب صفحة 22 (كأنك نزعت جلدك من جسد الأرض/ أني أسقطت جسدي من خارطة الأرض).

الالتحام من خلال التحقق بالاندماج والتوحد في الجسد الأسمى وهي الأرض نبع الوجود والتشكل الإنساني حيث وحدة المواد المشكلة لكلاهما، ثم يأتي التطور من التخلص من الآثام، الارتقاء هنا فكرة القلق الوجود حيث الارتقاء من خلال استيفاء المراحل وليس تجاوزها.

القصيدة: أفكر في/ أفكر في جسد أسطوري من نغم. وكان شيطان الحنين ونزق القائم نحو تجسيد الأحلام بما يعجز الجسد عن الاستجابة لمتطلباته، هنا يصبح العجز عن التحقق منبعه سجن الجسد بكل تداعياته وتأويله كلفظ يوحي بحدود فيزيائية قسرية.

الرمزية

  • الرمزية : كنوع من المعارضة لقصيدة نزار قباني (في حارتنا ديك)، وقد جاءت قصيدة (شريعة الوقت) ليكتب لنا مرثية فاخرة لما بعد حديث الطاغية، وتوافق ذلك مع العبارة المفتاح التي تمجد لا التي ترسخ لنعم الصحيحة القائمة على الوعي حيث المعادلة: فانهلوا أيها العبيد من كرمي/ وشيدوا -ايها الحراس- مجدي لآخر الدهر.
  • القصيدة ذات طابع سياسي من الطراز الاول والعبارة المركبة ذات التضمينات التاريخية: في قصيده الفوضوي المبجل القادر على طرح الأسئلة القادرة على تجاوز التابوهات حيث الحضارة هي الأسئلة: واسأل الحجيج متى يتهاون النصب المقام ضرارًا في ميادين الوطن؟/ ومتى يعود الفيل من الجنوب داهسًا أشباح العبيد والطواغيت العظام؟

 الجمع ما بين مسجد الضرار كحدث تاريخي متعلق بصلب الدعوة الإسلامية حيث أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بهدم المسجد، وهي دلالة لمقاومة، أي متاجرة وهمية باسم الوطن، وكذلك جمعه للعبيد مع الطواغيت كتكون للرؤية حول مسؤولية الجميع عن درجه الانهيار الذي وصل إليه الواقع المعاش. وكذلك: الكهنة والعسكر والسرداب يحضرون جني التاريخ/ وتعويذة النجاة التي تجلجل الزيف فيها/ خلف الشاشات.

التسامي باللغة في القصيدة السياسية

في قصيدة خليل الشرقاوي السياسية نوعًا من التسامي باللغة كي يتوافق مع المتلقي، هنا التوافق ومبعث الموسيقى النابعة من الصدق، لأن الشاعر في حالتنا هذه يمارس التعالي على الواقع ليخرج لنا كتلة من الدلالات لتصبح اللغة معادلًا موضوعيًا للواقع، لتحقق قصيدة النثر كثافة الموضوع مع شاعرية اللغة، ليصبح الأدب وثيقة اجتماعية قابلة للتداول على مستوى العقل الجمعي، وبذلك يسهم الشعر في توثيق الواقع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى