إبداع

قلب يسع العالم

تغمض فتاتنا عينيها وتطلق العنان لخلايا عقلها وقلبها لتستقبل آلام تلك الأم

Advertisements
Latest posts by رشا ماجد (see all)

اتخذت مقعدًا أمام العديد من الشاشات المتصلة بالكثير و الكثير من الأسلاك التي تصدر إشارات مختلفة الألوان ومتفاوتة في سرعة ترددها. أغمضت عينيها وجلست تنتظر إشارة بدء المهمة. مهمة شاقة بحق تستنفذ روحها، لكنها مهمة لا يستقيم العالم بدونها ..

أراحت رأسها إلى الوراء ممسكة بكوب من الأعشاب المهدئة التي تساعدها علي تحمل ما تمر به يوميًا وأخذت تحملق في الشاشات مترقبة. ها هي الإشارة الأولى. شاشة تظهر أم تجلس بجوار طفلتها في مستشفي الأطفال. الأم تبكي بكاء يمزق أوتار القلب.

تغمض فتاتنا عينيها وتطلق العنان لخلايا عقلها وقلبها لتستقبل آلام تلك الأم.. يا الله !! تشعر بقلبها ينقسم خوفًا على الطفلة.. تشعر بالتوتر والخوف من الأمل الكاذب والتعلق بأوهام الأطباء. تتألم الأم عندما تغرس تلك الممرضه الحقنة في يد الطفلة فتنتفض فتاتنا بنفس الألم أو أشد. يمر الوقت وتفتح فتاتنا عينيها لنري فيهما دموعًا وآلامًا لا ناقة لها فيها ولا جمل. وعلى الجهة الأخرى من الشاشة نري الأم و قد لانت ملامحها و نشعر بها وقد سيطرت عليها لمحه من التفاؤل والإيمان برحمة الله.

تتزايد دقات قلب فتاتنا أمام الشاشات وتثقل أنفاسها وتتسارع وكأن دفقات الهواء تتصارع لتشق الطريق إلى رئتيها. وحين بدأت في التقاط أنفاسها، جاءت الإشارة الثانية تتردد بقوة وعنف عبر الشاشات. كم هو ثقيل هم هذا الأب الجالس أمام باب الشركة منتظرًا الرد علي طلب السلفة، ينتفض رعبًا كلما تصور احتمالية الرفض فتنتفض عروقها ألمًا معه. كيف سيكمل مصروفات علاج زوجته؟ رفيقة الروح وداعمته الأولى؟ يرتجف كلما تذكر ديونه الكثيرة وأصحاب الديون ونظراتهم التي تمزق جسده وتهتك ستر أسرته الصغيرة، فتشعر بها فتاتنا كسهام تنطلق بسرعة الضوء لتنغرس في الروح قبل الجسد. ويمر الوقت وتتراكم الآلام و تشعر فتاتنا بقلبها ينقبض وبيد من حديد تعتصره ولكن عزاءها الوحيد الانفراجة التي بدأت بوادرها تلوح في عيون الرجل.

تمسك رأسها بيديها وتحلم بمن يحمل عنها آلامها، فمنذ أن اكتشفت أمها أن الآلام التي كانت تعاني منها وهي طفلة صغيرة ما هي إلا آلام يعانيها أشخاص حولها، وأنها ولدت بهبة إلهية تجعلها تمتص الطاقة السلبية من الأشخاص بمجرد النظر إليهم والتركيز وهي تجاهد مع معاناة من حولها ولا تستطيع أن تمنع نظرها من أن يتابع كل من تستشعر صدور طاقة سلبية من هالته النفسية. وانتهى الأمر بأن عينتها منظمة الحفاظ على الطاقة الإيجابية مسؤولة عن إعادة اتزان المشاعر لدى البشر المعرضون لضغوط شديدة.

باتت تشعر و كأنها تتحول إلى كتلة حية من الطاقة السلبية. تتألم وتغضب وتغار وتعيش أحداثًا لا تعلم حتى كيف بدأت ولن تعلم كيف ستنتهي. هي فقط تستقبل تلك الذبذبات السلبية لتخفف عن مُصدريها. تتمنى أن تجد كتفًا تميل الرأس عليه وتبكي. تبحث عمن يحتويها فهي أيضًا لديها أحزانها الخاصة؛ ولكن هيهات فهي مسؤولة عن الاتزان، مسؤولة عن بث الطاقة الإيجابية وامتصاص الطاقة السلبية و نشر الأمل.

هي تدفع ثمن سعة صدرها، فلديها قلب يسع العالم.

من المجموعة القصصية «11 في كتاب» القصص الفائزة في مسابقة همس الأوراق برعاية دار النخبة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى