إبداع

كامل الدليمي… الشاعر المتمرد والناقد المثابر

وقف على رأس المسؤولية لظاهرة أدبية لها مميزاتها التي تنفرد بها

علي حميد الحمداني
Latest posts by علي حميد الحمداني (see all)
 
في اعتقادي أن كامل الدليمي وقف على رأس المسؤولية لظاهرة أدبية لها مميزاتها التي تنفرد بها ومسيرته مضت قدمًا على الطريق الصحيح في تفاعله مع عموم الحركة الفكرية والأدبية في العراق والعالم العربي. ولذلك يجب أن يحظى فكر كامل الدليمي وبحوثه ودراساته ومؤلفاته ومطارحاته ونظرياته.. وقصائده خاصة باهتمام بالغ.
 
ونصوص الدليمي خصبة جدًا تتناسل في أرحامها أفكار من نار لتنتج لهييًا يطهّر أدران الجُبن التي غرسها الكسل اليومي في عقول الذين استعذبوا سياط اللامبالاة… فهو شاعر متمرد أراد الإثبات أن كل القناعات لم يعد يريحها النوم إلا رأسًا على عقب بعدما أنهت تعليمها في دورات إثبات إميّتنا التي نفتخر بها كأقدس مواريثنا..
 
هو شاعر وكاتب يومي مثابر، قرأت له الكثير من الأفكار النيرة الجديدة التي جاد بها قلمه المبهر وجاءت كنتيجة لإبحاره العميق في موج متلاطم من النزاعات الفكرية التي طرحها مفكرون آخرون وتوزعت أفكارهم بين الأبيض والأسود، وتاه الكثير منهم في دوامات رمادية اللون، لكنهم لم يهتدوا إلى طريق الفكاك من أسر ضلال تلك الأفكار وتمادوا فيها حتى صنعوا منها أسلحة فكرية منهجية فتّاكة أطاحت بمجتمعات كاملة..
 
أما كامل الدليمي فقد أدرك أن في الأفكار فخاخ يجب الانتباه إليها وتمكن بذكائه وانتمائه الإنساني من اعتلاء منصة فكرية خاصة به وحده ورسم منها في عقول قرائه منصة ستراتيج واضح المعالم يخلص العقول من المتاهات المعطلة للسمو المنشود في العقل المحض.. إن هذا أسلوب فلسفي سوف يُسجَّل بإسمه وينتهجه العقلانيون الباحثون عن سعادة الإنسان.
 
والدليمي ثروة أدبية وطاقة كبرى ويستحق أن يُدرَّس ليكون مثالًا وإنموذجًا للأديب والناقد المثابر، حرص دارسوه والباحثون الذين تناولوا كتاباته ونتاجاته بمختلف أنواعها على أن يتعرضوا للعمق الفكري الذي يتناوله كامل الدليمي والكمّ الهائل من الأسئلة التي يحشرها في عقل الجمهور، هذا الجمهور الذي يعتبره الدليمي هدفًا لنصوصه، ويبني الباحثون على هذه الأسئلة كثيرًا من المقارنات التي تقتضي مجرياتها اختيار العقول الموازية لكامل الدليمي والتي تصلح أن تكون أطرافًا مقابلة وأندادًا له في نوع وحجم وعمق أفكار كامل الدليمي الذي ينفي نفيًا قاطعًا كونه فيلسوفًا.
 
إن (التمرد) وفق مفهوم (كامل الدليمي) طاقة، وهو طاقة لها الأثر الفاعل في العملية الإبداعية وله مفاهيم تدلُّ إلى مؤشِّرات تحدد مفهوم الإبداع وانعكاسات وتمثيلات نستنتج من دراستها أن التمرد صانع مشارك للمبدع في العملية الإبداعية.
 
التمرد لدى كامل الدليمي يحاكي ثورة ورفضًا للنمط الذي اعتاد العقل الخامل أن يستسلم له ويعتاد عليه، ويدعو الدليمي إلى السخرية من السائد وتسفيهه واقتلاعه من النمطية حتى التي تشكل عقائدًا ثابتة مثل العادات والقيم والأعراف.
 
وهنالك ( تجاهل متعمَّد ) يقوم على أسس فكرية ناضجة لدى الدليمي لتلك (الجرعة المخدِّرة) المستحلبة من (عقار الأمل الزائف) و(النصر الموجَّل) الذي يمتص العافية من جسد الرفض والتمرد والتي تريد قتل بذور الثورة وإخفاء الوجوه الفاشلة بإسدال ستائر واهمة تحمل شعارات فضفاضة غير قابلة للتحقيق في الزمن الحاضر، لكنها تبشّر بمستقبل فانتازي تضع له ملامحًا مبهجة مستقاة من (جنات موعودة) لكنها لا تضع لها أسس ماديّة واقعية تضمن تحقيقها ولا تبيّن ولو بشكل تقريبي أوان تحقيق تلك الوعود، فالدليمي يرى في الوعود (العابرة للزمن) مجرد أكاذيب ممنهجة، والهدف منها تخدير العقل وحشوهِ بأفكار تشرعن استسلامه وتنازله عن حقوقه التحررية ولمصلحة (المجهول)، وهو ما نجده حاضرًا في (أفكار) الدليمي التي تعالج فكرة التضحية للمجهول ويرى أنّها تجعل الناس يموتون من أجل ذلك المجهول الغرائبي الذي يعني موتًا بلا أمل.
 
زخّ الدليمي وابل عصارة أفكاره وتشخيصه للعلل المؤدية إلى حالة الإحباط السائدة في حقول الذات الإنسانية وتجسيده لذلك التشخيص في الكثير من قصائده التي تناولت الهمّ الإنساني، ونسمع فيها صرخات المتألمين وتأوهات المعذبين تنمّ عن كمٍّ هائل من ألم ومعاناة الإنسان الرازح تحت وطأة الظلم المتعاقب والسحق المدمّر الذي يقتل كلّ عمل يروم استعادة كرامة الإنسان.
 
تلك القصائد التي تمنح للوجع فمًا يغوص في أدق التفاصيل ويعمل على إزالة ستائر الأيديولوجيات المضلِّلة وتفكيك تلك العلاقة الأزلية المقيتة والمذلة بين (سيزيف وصخرته).
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى