إبداع

كتابات يسرى زبير تبين هويتها

أحد الأصوات التي رصدت آلام شعبها ودونتها في كراريسها

إبراهيم اليوسف
Latest posts by إبراهيم اليوسف (see all)

أتيح لي أن أقرأ الكثير من نصوص الكاتبة يسرى زبير، سواء بلغتها الأم الكردية، أو باللغة العربية، في كل من حقلي القصة والشعر، على حد سواء، وذلك في الوطن بالنسبة لنصوص البدايات المنشورة، أو في المهجر وهي نصوص تلك المرحلة أتيح لي أن أطلع عليها في بريدها المرسل للنشر هن وهناك، بعد هجرتها، ناهيك عن إطلاعي على جوانب من نشاطها في دفاعها عن قضايا المرأة، أو دفاعها عن قضية شعبها، وفق إمكاناتها، وظروف المرحلة الأكثر حرجاً، وخطورة، منذ نعومة أظافرها، كما تؤكد ذلك سيرتها، كإحدى الناشطات ذوات الموقف، ضمن جيلها- على طريق السابقات عليها في هذا المجال في ميدان الدفاع عن الأهلين- وفي هذا ما يمكِّن متابع هذه السيرة الحديث عنه، على ضوء الموقف من محطات عديدة، اطلعت عليها مؤخراً، أو علمت بها من قبل، وعن بعد، عندما كان الوطن فضاءً مفتوحاً لكل من لا يهاب ترك بصمته، في ذلك الزمن الذي كان يتم فيه رصد كل موقف.

كل كلمة. كل خطوة، من قبل أي امرىء لا يطاوع وجهة وجنون الزوبعة المستدامة التي أعمت البصائر، وتاه في متاهاتها كثيرون ممن افتقدوا البوصلة، فراحوا يتخبطون، منقادين، صاغرين، أذلاء، تحت وطأة ما يمكن جنيه من مكاسب، أو نتيجة الانصياع أمام سطوة حالة الرعب التي هيمنت، ولم يبق أحد خارج دائرة التأثير؛ سواء أولاء الذين ربحوا أنفسهم أو من خسروها، وإن كان في ربح النفس- ذاته- خسارة تكبر أو تصغر، وشتان ما بين هذه الخسارة وتلك!

ولعل انتفاضة الثاني عشر من آذار 2004 كانت إحدى أهم تلك المحطات التي يمكن الاحتكام إليها، تقويماً، على جهتي: الإيجاب والسلب، من خلال معرفة موقف أي امرىء من بيننا، حيث كل شيء واضح، وإن كان كل كردي– كما قلت- مرات عديدة، صاحب موقف، معلن، أو غير معلن، بسبب حجم آلة الاستبداد الحاكم، التي جعلت من الكردي مختبر تجارب علني، ليس لاضطهاده، فحسب، وإنما للشروع في مواجهته الميدانية ليكون هدفاً لرصاص أذرعته الأمنية، ووسائل التعذيب ما بعد الوحشية في معتقلاته الرهيبة التي ظل العالم صامتاً إزاءها، على امتداد عقود من ديمومة حكم الطغيان الرهيب!

ما اطلعت عليه من كتابات يسرى زبير- في السنوات الأخيرة- على نحو خاص، يبين هوية هذه الكاتبة، وهوما سأتناوله- هنا- بعيداً، عن أي تقويم تقني، أو شكلي، باعتبارها أحد الأصوات التي رصدت آلام شعبها، ودونتها، في كراريسها، في انتظار لحظة طباعتها، من دون أن توفر الفرصة لنشر مدونتها، أنى أتيح لها ذلك، وهي في رداء الانفعال، من دون أن تسهو عن كلِّ ما يمس إنسانها، من تفاصيل حصته من الاضطهاد، عبرعقود، من محاولات تذويبه، في بوتقة الآخر، أو إلغاء وجوده، بعد أن أنكر هذا الوجود أمام الملأ، خلال عقود زمنية مريرة، معتبراً إياه مادة خاماً، في طريق الانصهار، كما كانت تجود عليه قريحة الإجرام. قريحة محو الآخر. قريحة إطلاق مجرد هوية واحدة على المكان، وكائنه، ليكون الكردي ضحية مختبر النظرية البروكرستية، متنكراً لحق التنوع، المشروع، ضمن أدنى درجات وحدود المواطنة، وإن كان هذا الضحية ابن هذه الجغرافيا وصاحب التاريخ الإنساني المجيد.

تتنوع الموضوعات التي تتناولها الكاتبة في مجموعتها، هذه، لتتمحور جميعها، في إهاب معاناة إنسانها، في ظل آلة الطغيان، وما فرض عليه من أحكام وقوانين استثنائية، كي يعيش غريباً، مستهدفاً، وهو فوق ترابه، إذ تخلق حكاياتها، بروح ساردة، تعنى بالخط الدرامي لما تكتب، مقدمة مصائر أبطالها، بما يكاد يتطابق مع الواقع، أو يحاول تطويع الخيال لخدمة الواقع، كي تبين أمرين:

أولهما قدسية قضيتها، وثانيهما رصد إمعان الجلاد، ومن يقف في جبهته، في إلحاق كل أشكال الأذى بإنسانها، إلى درجة السعي إلى إمحاء حضوره على مسرح الحياة، لتجيء نهايات الكثير من أسروداتها، صادمة، أليمة، بما يذكر بالواقع، أو يوازيه.

يستغرق الشريط اللغوي لنصوص المجموعة، في الإحاطة بمفاصل الحكي، وهو ما يظهر بشكل خاص، في باكورتها، هذه، والتي ارتأت نشرها، أولاً، بعيداً عما كتبته من- قصص- لاحقة- حاولت خلالها استيفاء شروط القص، وهو ما يقرأ، من منظور محاولتها قول كل شيء.

سرد كل ما هو ممكن، لتقديم مفارقاتها الصادمة، أو مصائر شخوصها، وتحولاتهم التي تأتي، بأشكال عديدة، في إطار إيصال رسالتها عن واقع وإنسان، من دون أن تلهث وراء مستلزمات الشرط التقني، مركزة بذلك على ما ترمي إليه هذه النصوص التي تخلق عبرها عالماً استفزازياً، حتى وإن كان في بعض الأحيان مكرراً، أو متداولاً، تم تناوله في إطاره المباشر، باعتبارها تعول على الكتابة في فضح الواقع الأليم، في إطار الحلم، أو الحض على السعي لتجاوزه، بل تغييره، وهوما كان إنسانها، في رأس قائمة من يرومون ذلك العالم المتوخى، ويدفعون الكثير لتحقيقه!

من هنا تكتسب نصوص يسرى التي تقدمها لنا، في صورة دفقها الأول، بعيداً عن أية مكيجات أو روتوشات أو مساحيق، غير عابئة بأدوات الرسم، خارج دورها، في إيصال ما ترصده من عوالم، في انتظار الاشتغال على مسرد بعض العبارات والمفردات، وضبطها، من قبل المحرر، وكأني بها تقول: لا وقت للترف، الآن. إنها المواجهة، يشفع لها، في كل ذلك هذا الجهد الكبير الذي قدمته وتقدمه، في إطار رسالة شغفها بـ الأدب، عبر اتكائها، على موهبة واضحة، تستكمل تقديم ملامحها، على نحو تدريجي، لمن يتابع وسيتابع تجربتها الكتابية- لاسيما اللاحق منها في أعمال قادمة اطلعت عليها- وهوما يجعلنا نصف ما تكتبه، على أكثر من صعيد، أول كل ذلك: المرافعة عن إنسانها، كي يعيش سعيداً حراً في وطنه، بعد كل ما تعرض ويتعرض له من آلام، وعذابات، ومحاولات استئصال، من الجذور.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى