إبداع

«كلمات حبرها من دمي».. الواقع العراقي

قراءة في ديوان الشاعر عماد ألدعمي الصادر عن «النخبة»

Advertisements

منجز الشاعر عماد ألدعمي «كلمات حبرها من دمي» الذي نحن بصدده؛ يقع في (146) صفحة من القطع المتوسط… يحتوي على (66) قصيدة.

وغلاف المجموعة هي عبارة عن صورة حية تجسد الواقع العراقي المؤلم الذي يعيشه شعبنا الجريح منذ عقود من الزمن المر العلقم الذي صاغ كلماته ببراعة ومرارة وحرقة لاهبة وبدقة متناهية وألم ومعاناة قاسية لآن الشعراء والمثقفين والفنانين هم الهوائيات التي يتنفس من خلالها المجتمع).

جمال الروح في الشعر المقفى 

 ليس في كلام النثر أحيانآ وحده يكمن جمال الروح والرسم بالكلمات لكن من الشعر المقفى ما هو أجمل وأروع لغة وأفسح آفاقآ وأغنى بالصور الوصفية والإيقاع الموسيقي والمعنى لبيت الشعر نثرآ أو قافية بريق ولمعان أكثر من الذهب..

 والشاعر يجب أن يتصف بالمهارة ويتفنن في صياغة القصيد الشعري والكلام النثري ويتسلح بإحساس مرهف وذوق أنيق يعرف صاحبه كيف يوضب إبداعات جمالية ومضمونية ما برحت أن تترك بصمة واضحة من حيويتها في مسيرة الشعر.

 الفنان هو ليس مجرد إنسان يحيى لذاته وإنما هو إنسان يحمل رسالة إنسانية يرفع مضمونها عاليًا وطرازًا رصينًا بعمقه في الفكر الإنساني ورائعًا بجماليته في رحاب العطاء الفني الشعري..

الإحساس المرهف لدى الشاعر عماد الدعمي 

وألدعمي كان كذلك في كل ما ينتجه فهو شاعر الومضة والإحساس المرهف بلا منازع استطاع بخياله الواسع المكتنز بالكثير من الصور الشعرية من واقع الحياة المؤلمة المتلونة بحلوها ومرها أن يذوب في عشقه الوطني ( يا ثورة العشرين قولي ترجمي) شيخي شاهدآ لمآثري  شيخي).. ( نال الشهادة والطغاة تدارسوا) ( ليظل نورآ في طريق مظلم )

 وهذا العشق استطاع أن يمنحه إرهاصاته الفنية ويخرجها للمتلقين بإطار جديد يتلذذ بها السامعون تعبر عن واقع كبير حافلة بالمدهش من المواقف الحية المعايشة معها كما يقول فيها ( خمسون عامآ واحلامي معطلة / والله يعلم ما أخفي من المحن )

 والذي استطاع توظيفها بشكل جميل ومحبوك المعاني بإطار شعري يشدك إليه يطوف بنا حول عوالم الفضاء الشعري الرائع ذي الجمالية والروعة في البناء والتكوين.. يستلهم كل هذه المخيلات والتنهدات من محيطه الملون الذي يثير الدهشة بالكثير مما يثير مكنون نفسه ويجعله يسرح ويمرح في عالم روحه المرهفة التواقة إلى الجمال والحرية في التعبير الوجداني؛ فيقول في زحمة المعانات

(تعالي إن كرونا تنادي / نموت معآ وندفن في الوداد)، (…فما طعم الحياة بلا عشيق) (وما جدوى الحياة بلا عماد) ( يا أيها القمر المضيء بنوره) (قل لي إذا غابت كواكب) (كيف تمسي دون خل أو سمر) من قصيدة يوميات عاشقة.

الهم الوطني عند الشاعر

وهو كذلك ليس ببعيد عن الهم الوطني وأزيز الرصاص ولعلعة المفخخات وأنهار الدم العراقي التي أغرقت البلاد وأحالته إلى ركام وحطام كالأطلال (هذا العراق مباح حينما خرقوا / كل القوانين والأعراف والسنن).

وعندما نستقرأ جميع قصائد هذه المجموعة الشعرية؛ نلاحظ أنه رسم المشهد العراقي وطنًا وشعبًا عبارة عن (مسلسل رعب خراب ودمار نتابع أحداثه مساء كل يوم عبر الفضائيات المسمومة المرتزقة)

ومن إخوة يوسف (رباه إنا سئمنا ما نرى فمتى نحيا بلا كدر لا يستباح دم.. احتاج يا قلمي أحساس مختلف / فالحرف يولد مذبوحا وما علموا).

فقد خاض غمار هذه الحالات المؤثرة في الكثير من قصائده مع شعبه العراقي بكل تلاوينه النضالي السياسي وناء كاهله بأعبائها ونال الكثير من رذاذها؛ فكان إلى جانب زملائه من الآخرين نأوا بأنفسهم عن الانغمار في ما غرق به الكثير من الشعراء والأدباء والكتاب، فلم تنغمس أقلامهم في العهر العفلقي ومزايدات للقتل والدمار والفناء يوم كان سيف الجلاد مشهرا على رؤوس الوطنيين الأحرار والمناضلين الأشداء الواهبين دماءهم فداء للوطن..

كل ذلك بلا سبب لأنهم يؤكدون على الهوية الوطنية العراقية وصلابة الموقف وتشييد جسر العبور نحو شاطئ الأمان والسلام والمحبة والتآخي لا غير..

وكأنه يؤكد وبكل جرأة (لا معنى للحرية في وطن مجرموه أحرار ) فيقول (الشعر ما عاد يكفيني ولا الكلم / أحتاج معجزة لا ينفع القلم… أحتاج عزم نبي بشر الملأ / وحكمة الرسل الأبرار إذ عزموا… أحتاج غيرة عباس وصولته / ونهضة الشعب يوما بعد ما سئموا).

مسيرة الشعر الوطني

 حين انطلق (عماد) ليسهم في ما أسهم فيه غيره من الشعراء والأدباء والمثقفين لتأخذ دواوينه وقصائده مكانًا في مسيرة الوطن (أحتاج مليار بيت كي أزلزلهم / أحتاج قافية أخرى لمن ظلموا).

 وإعادة البناء أو ما خربه خفافيش الليل حيث يقول (خمسون عاما مضت أشكو من المحن… والناس تسمع آناتي على وطني).

 ومن حلم مؤجل يقول (ويا قارئ الكف قل لي هل ترى أملآ… النور غط بعيدًا لا ولم يرني).

 فكان لحضوره المتميز في المناسبات الوطنية والمهرجانات الشعرية والصحافة المحلية إطلالة وإحساس وجداني في تلك المساهمات التي هي عبارة عن صرخات مدوية بوجه الساسة الخونة الذي جيء بهم على ظهر الدبابة الأمريكية.

 يقول تشرشل (إذا مات العرب ماتت معهم الخيانة )(فكان الرفض والاستهجان للواقع المر معلما لشعره ومعظم قصائده.. ليكون صوتًا مميزًا عن الحب الحقيقي العذري أحيانًا كما في (من أجلها… أحببت كل رواية عنوانها… إني احبك للأبد… من أجلها / أحببت كل قصيدة عنوانها… يا عاشقا إن المحب إذا يجد فقد وجد).

وأحيانًا أخرى ليكون صوتًا من أصوات الرفض والتمرد والاستهجان والعري وفضح لما يحدث أو يحدث من مفارقات مغلفة بالآلام والأوجاع والحصار القاتل والموت المؤجل (سامرت نجما في السماء ولم تعد / وبدفتر الأيام حظي اندب… فإذا بصوت قادم يجتاحني / لا تنظري إن الصدى لا يكذب).

مدرسة الحداثة عند ألدعمي

 إن (ألدعمي) لم ينسلخ عن مدرسته الشعرية القديمة التي تمثل النضج الفكري أو الحداثة الجديدة؛ فهو لا يزال يسعى إلى تأصيل مدرسته وبيان ملامحها من خلال صوره التي تمثل رؤى فنية متكاملة يستطيع المتلقي أو القارئ والسامع تقبلها في المشاهد الشعرية المجترة من واقع حياتنا الذي أتلفناه كل يوم.

فيقول في حلم مؤجل: (يا حسرة يا بلاد المجد يا عجبا / قد سلموك لأوغاد بلا ثمن… يا حسرة يا عراق الخير يا أسفا / إن الملامة نلقيها على الزمن… فقد دمر كل شيء جميل في بلادي وذهبت أحلام الشباب والطفولة سدى)

 فيرى بمنظاره الواقعي إن طفولة بلاده محرومة من كل شيء، وأطفال العراق يختلفون بكل المقاييس عن أطفال العالم، والأطفال يراهم كما يقول أحد الشعراء( الطفل بكل الدول يركب مراجيح ويدخل مدارس… بس بارض العراق يلم علاليك وقواطي).

 الله عليك يا وطني فيقول (أحتاج كل غيور صاح يا وطني / نداؤه مفزع راياته علم).

 إنها مأساة شعب مغلوب على أمره، فهو إنسان وهب نفسه وسخر لسانه للدفاع قضيته الوطنية ومعاناة الفقراء والمساكين (أيها الحاكم واعدل / قلت يكفي / ضوء شمس لا ترى / انك أثول).

 إن الشعر عنده كالحياة المتدفقة تحسن الدفاع عن نفسها وعن حبه الجامح للعراق العظيم الجريح المخضب بالدماء والخراب والأيام الدامية من قبل الذئاب البشرية.

 ولا يزال مسلسل قتل فقراء الأمة كل يوم وبدم بارد، ولا تزال أيامه الدامية تتوالى عليه بكل وقاحة وصلافة وأصحاب السلطة والإعلام تندرج عندهم الجريمة وتقيد ضد مجهول.

آه عليك يا وطني، يقول مظفر النواب حينما كان بعيدا عن وطنه (إذا مت فادفنوني واقفا ووجهي إلى العراق) آه ثم آه عليك يا عراق الرافدين.

نبذة عن الشاعر عماد ألدعمي

عماد ألدعمي من ريف الهندية مواليد (1969). حاصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية، حاليآ مدرس شاعر وناقد وكاتب وباحث صدرت له أكثر من عشر مطبوعات منها ستة مجاميع شعرية وهي (أوراق الخريف، مدن لم يهطل عليها المطر، أوراق مبعثرة، محطات الطريق، قصائد حب وكبرياء، كلمات حبرها من دمي)

وله في النقد ستة مؤلفات (نص وتحليل لثلاثين قصيدة عربية معاصرة في جزئين،  البعد الفلسفي لقصيدة حفار القبور، كبرياء قلم، مجموعة مقالات وقراءات في مؤلفات أدبية في جزئين، كشكول ومنوعات ألدعمي)

ولديه مخطوطان (قراءات في مؤلفات أدبية ج 3، التشابك الصوري في قصيدة المومس العمياء للسياب)

حصل على عباءة فارس العمود الشعري من التجمع العربي لشعراء العمود والتفعيلة

نال عضوية اتحاد الأدباء الدولية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى