إبداع

«لحن الفراق»… قلوب ملائكية في مواجهة الذئاب

قراءة في المجموعة القصصية الصادرة عن دار النخبة للأديبة نهاد عبدالملك  

محمد هلال

نحن أمام  قصص ذات طبيعة خاصة أهدتها لقارىء خاص؛ عاشق لهذا اللون رقيق المشاعر، الأديبة نهاد عبدالملك، وهي قصص ولدت من رحم الرومانسية التي تميزت بها فترة زمنية في تاريخنا الإبداعي سواء سينما، تلك التي نطلق عليها (الأبيض والأسود)، مسرح، كتابات شعرية وروائية وقصصية؛ وقد تعارفنا على تلك الحقبة الشفيفة بوصف (الزمن الجميل).

 تبدو تلك الملامح واضحة جلية في كلمات الإهداء التي تتواصل بحبل سري مع كلمات الختام التي تتربع في الغلاف الخلفي للمجموعة القصصية، وتتناغم بنفس الروح مع كلمات أو قل قصيدة المقدمة، وبين دفتي غلاف رائع التناغم اللوني والتصميم الدلالي يضم في حضنه تلك الفسيفساء الإبداعية ليكتمل القصد الفني للكاتبة.

ومن هذا المنطلق يتجلى لنا اختيار المؤلفة لعنوان تقليدي هو «لحن الفراق» يذكرنا بالملامح القديمة لعبق الزمن الجميل، وكان من السهل اليسير عليها أن تختار اسمًا عصريًا جريًا على عادة تلك الحقبة من أسماء  قصص المجموعة.. ففيها نصوص بأسماء: (بصمة دماغية ـــ حياة.. بلا نص ـــ أعراض انسحابك ….. ) وغير ذلك، ولكنه الإخلاص  لمشاعر الحقبة التي تنتمي إليها القصص روحيًا ونفسيًا.

وفوق هذا وذاك فقد حرصت المؤلفة على جمع وربط تلك القصص التي تقارب الثلاثين في عددها بحبل قدري واحد وهو  قسوة الفراق، أو على الأحرى لحن وداع جنائزي واحد، وتلك تجربة محفوفة بالمخاطر تصيب القاريء بالسأم واليأس والإحباط ثم الانصراف كلية عنها إذا لم يكن المبدع متمكنًا من أدواته جيدًا.. متجددًا في رسم شخصياته يستطيع جذب المتلقي بخيوط سحرية منها تعاطفه وربما توحده مع الشخصيات التي تواجه أقدارًا ثقيلة.. وهي تجربة جريئة ولا يقدم عليها الكثير من المبدعين؛ أن تكون مرارة القدر واحدة من مصدر واحد وأسباب واحدة وبالتالي نتائج واحدة.

تتميز القصص بأنها قصيرة جدًا، تصل إلى هدفها سريعًا وكأن المؤلفة تريد أن تتخلص من حمل ثقيل؛ أرهقها روحيًا حتى اكتمل، وهذا يشي بأنها كانت تكتب الشعر والخواطر، وقد حوَّلها بحر الإبداع إلى لون آخر وجدت فيه البراح لروحها، وهو السرد القصصي.. فجاءت اللغة رغم بساطتها مكثفة، سريعة الدلالة، نافذة إلى هدفها المرسوم لها..

وكانت المفاجأة بعد قراءة أكثر من قصة أن برز هذا التكهن في بطون بعض القصص التي ضمنتها كتابات تشبه قصائد شعر النثر أو نصوص الأغاني.. يشي بذلك أيضًا أن معظم القصص بلغة المتكلم، أي يغيب عنها الرواى العليم المهمين على الشخصيات وخلجات نفوسها وتخطيطها ومصائرها، ويضع هذا المشهد برمته أمام المتلقي؛ وكذا غاب عنها الراوي البسيط الذي يصف من جانب واحد هو ما يريد المؤلف البوح به، ربما يعود ذلك إلى طبيعة المؤلفة الرومانسية التي تنظر إلى ما تكتبه نظرة حميمية وكأنه جزء منها لا ينفصل عن روحها ولا يصح لغيرها الحديث نيابة عنها.. فكان السرد بلغة المتكلم أو السارد هو أقرب إليها من حضور الرواي إلا في القليل من قصص المجموعة.

وحتى لا نطلق الكلام على عواهنه نتوقف عند بعض القصص لنتعرف أكثر على ملامحها وفك شفرة تضاريسها، تبدأ الرحلة مع القصة الأولى؛ وهي غالبًا ما تكون هي الأثيرة لدى الكثير من المؤلفين فيضعها في المقدمة لتتصدر إنتاجه الإبداعي، القصة بعنوان (أريد استعادة نفسي).. وهي تلخص مفهوم الصدمة في زيف المقدس العاطفي، بمعنى آخر المفارقة المؤلمة بين المأمول والمتاح، تقول: «اتصال هاتفي سريع.. اتفقنا على اللقاء». دلالة الكلمات القليلات هذه أن هناك قصة كبيرة وتاريخ قديم من العاطفة والاشتياق لا يحتاج لمقدمات ومبرارات وحجج وحيل لإتمام اللقاء.. ومن غير شك كانت ساعات الانتظار ثرية الخيال في ترتيب أفكار وكلمات الحوار والاعترافات وبناء قصور العواطف والمستقبل الباهر القادم ــ هكذا توحي لنا هذه الكلمات القليلة المبنى، الثرية المعني.. ولكن في لحظة فارقة مباغته هدمت هذا المعبد الأسطوري، أخبرها حبيب عمرها أنه يخشي على مستقبله مع أخرى.. فجرت أذيال الحسرة ومحاولة التماسك لاستعادة بقايا نفسها المحطمة.. ومن هنا جاء عنوان القصة (أريد استعادة نفسي) عنوان يليق بالحدث.

ومن القصة الأولى إلى القصة التي تسمت المجموعة باسمها وقد جعلتها المؤلفة في الترتيب الأخير، ربما لتؤكد على حقيقة يطل علينا شرر لهيبها في قصص المجموعة بشكل عام، وهي أن الفشل العاطفي وما يترتب عليه من إخفاقات مؤلمة -وليس هناك أشد إيلامًا من جراح القلوب- هو نصيب بطلات قصصها، فدائمًا تأتي النهاية مؤلمة، صادمة، قاسية جدًا تفقد البطلة على إثرها اليقين العاطفي.. وكأن المجموعة قصة واحدة متعددة الفقرات، لا اختلاف في جوهرها رغم تنوع أسماء القصص وحوادثها.

فالبطلة التي خسرت حبها في القصة الأولى بشكل ما، خسرت أيضًا حبها في القصة الأخيرة، وما بين الأولى والأخيرة تتعدد الخسائر وأوجه الفشل والغدر.. وإن كان معظم البطلات قد استسلمن لقدرهن العصيب إلا أن بعضهن أقبلن على ارتكاب جريمة قتل الزوج للخلاص من جحيم الحياة معه، كما حدث في قصة (إعلان زواج).

 الملاحظ في قصص المجموعة بشكل عام أن المؤلفة قد انحازت بشكل كبير جدًا للمرأة، فالرجل دائمًا هو الغادر، الفظ، الذي يخون العهد، الذي يترك في نفوسهن جراح لا تندمل، والمرأة هي الضحية المسالمة التي تضحي في سبيل حبها، حتى لو كان هذا الحب مجرد وهم في خيالها، كما في قصة (فندق الأحلام ).. وقد بدأت بقولها: «دعوة كريمة من صديقي المقرب، المعماري النابغة، لزيارة أحد إبداعاته وهو فندق فوق هضبة متدرجة نحو البحر في مدريد»، وقد تكررت كلمة (صديقي)، في ثنايا القصة دون بوحهما بأية عاطفة، وجاءت الزلزلة عندما جذبته إحدى الراقصات على موسيقى التانجو، فاعتبرت البطلة أن عدم رفضه يسيء إليها وانعدام مراعاة لمشاعرها، وظلت في عذاب هواجسها طوال ليلتها، ومع أول خيط للصباح رحلت بغيظها ومرارة الخيبة في حلقها وكأن ماحدث غدر من حبيب عمرها، تاركة له بطاقة شكر على الاستضافة، رغم أن ما بينهما مجرد صداقة .

نفس الموقف من الرجل يتجلى هذه المرة في هيئة الأب وليس الحبيب، ففي قصة (لحن الفراق)، بينما كانت البطلة طفلة تلعب وقعت على آلة حادة أصابتها بجرح غائر، فرح الأهل لأنه لم يصب عذريتها بسوء، ولكنها فيما بعد سمعت الأب يقول لأمها: «لو أصاب الجرح عذريتها لقتلتها. فقالت الأم: ولكنها كانت حادثة لا ذنب لها فيها. فقال الأب: لا يهم». 

أما الحالة التي لم يغدر فيها الرجل، كانت في قصة (بيان عشق) لسبب بسيط وهو إصابته في حادثة أقعدته بقية عمره على كرسي متحرك.

ربما يكون وراء هذا المنهج في تناول دور الرجل السلبي في قصص (لحن الفراق) يعود لقناعة المؤلفة أنها تحاول جاهدة لعمل وحدة متآلفة النسيج في كل القصص، وكما قلت هي مهمة خطيرة وثقيلة على المؤلف أن تكون المجموعة القصصية كلها ذات نفس واحد، فذا يتطلب من المبدع جهدًا جهيدًا لكي يصل بالعمل إلى مرتبة النجاح الذي يرضيه ويرضي المتلقي وما أراه أن المؤلفة قد نجحت بشكل ما في تحقيق هذا التوازن بأن جمعت كل جراح الأنثى العاطفية والنفسية في بوتقة واحدة اسمها (لحن الفراق).

وفي الختام لنا ملاحظة مهمة؛ هي اعتماد المؤلفة، اللغة العربية الفصيحة البسيطة أسلوبًا للسرد، وتلك ميزة لصالح انتشار النص جغرافيا تمكنه من الانطلاق إلى كل البلاد التي تتحدث اللغة العربية. وبذا يكون قد عبَر موانع اللهجات المحلية التي لا يُفهم أكثرها إلا في نطاقها الجغرافي.. وعليه يسهل على القاريء العربي في كل المعارض الدولية التعرف على الإبداع والتفاعل معه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى