إبداع

ماري… جميلة من «خواجات اسكندرية»

الفتاة ذات الوجه الصبوح والشفاه القرمزية والعينين الساحرتين

Advertisements
Latest posts by أميمة منصور (see all)

جاءت ماري مع والدها ديمتري من قبرص إلى الإسكندرية، حيث كانت الإسكندرية منارة يأتون إليها من كل البلاد ليتبادلوا التجارة فيما بينهم… وكانت وقتئذ من أغنى بلدان العالم تحتفي بزائريها وتبذل لهم كل نفيس… وكم من الأسر أتوا إليها، من اليونان ومن إيطاليا ومن قبرص ليقيموا فيها حتى ظنوا أنها بلدهم الحقيقية.

وكبرت الأجيال، جيل بعد جيل يقطنون في أحلى الأماكن… منهم من اشتغل في قطع الآثار الصغيرة، والمشغولات الذهبية والفضية كهدايا خان الخليلي.

ومنهم من فتح المطاعم وقدم المأكولات والكباب اليوناني المشوي على أسياخ خشبية… ومنهم من قدم أصناف المكرونات والبيتزا الإيطالي، فأحب الإسكندرانية هذه الأصناف من الطعام وتهافتوا عليها… وأخذ هؤلاء الأجانب ينفتحون أكثر وأكثر على أصحاب البلد… يبنون أرقى الفيلات، والأغنياء منهم يركبون أفخم السيارات، كل يعيش حسب مستواه وحسب دخله.

ناهيك عن الصداقات التي كانت تربط بين الخواجات وبين أهل البلد… أنظر كيف أحب المصري جاره اليوناني والإيطالي، كانوا جيرانًا بمعنى الكلمة، يحبون بعضهم بعضًا، ويتبادلون التهاني والحلوى في الأعياد ويخرجون معًا للنزهة، وإذا مرض أحدهم عادوه بكل حب ووفاء، حاملين معهم ألذ الأطعمة والحلوى، لا شيء يكدر صفوهم.

–        كالميرا عايدة.

–        صباحك قشطه مارينا.

–        اليوم ستأتي ماري لزيارتنا، جاءت هي والخواجة ديمتري والدها يبدأوا مشروعهم الجديد، وسوف يسهرون عندنا. تعالي يا زينب اسهري معنا لو استطعتي.

–        خلاص إن شاء الله.

جاءت ماري الفتاة الجميلة ذات الوجه الصبوح والشفاه القرمزية والعينين الساحرتين بلون العسل المصفى، وجلست مع ماريتا يتبادلون أطراف الحديث ويتسامرون.

–        متى تبدأ العمل؟.. أريد أن أعرفك بتاجر في نفس مجالكم سيساعدك كثيرًا.

–        متى نستطيع أن نقابله ماريتا؟

–        كما تشاءين.

–        ما اسمه.

–        خميس.

–        هاميس.

والتقت ماري ووالدها بخميس شاب في الثلاثين، متزوج وله ثلاثة أولاد، أسمراني اللون بشوش ضاحك السن.

وجلس خميس معهم واتفقوا على كل شيء في العمل وتوطدت العلاقة بينهم، وأصبح خميس مستشار ديمتري أبو ماري… وكانت ماري تخرج معه لشراء أدوات العمل، وأعجب بها وأعجبت به لكنه على غير دينها ومتزوج وهي عذراء لم يلمسها رجل من قبل.

وجاءت إليّ فنحن أصدقاء منذ زمن وحكت لي عن هاميس كما كانت تنطقها… وحكت لي عن حبها له.

–        إنني أحبه ولا أستطيع الابتعاد عنه… إنه لا يبارح خيالي، عندما يكون بجانبي أشعر أنني أسعد إنسانة في الوجود.

–        وهل سيوافق مسيو ديمتري؟

–        لست أدري… لم أفاتحه بعد، ولكني مصرة… نعم سأتزوجه مهما كانت العراقيل.

أما هو فكان غارقًا في بحر هذه الشقراء الجميلة… إنه على خلاف مع زوجته فهو لا يحبها، ولم يحبها في يوم من الأيام.

وذهب خميس إلى الخواجة ديميتري ليطلب منه ماري، وهو يدعو الله أن يوافق عليه. وتشجع خميس وقال له:

–        أريد أن أتزوج ابنتك، سأضعها في عيني.

–        لا… لن أوافق، لن يحدث هذا.

وبكل عجرفة رفض المليونير ديمتري خميس … وذهب خميس يائسًا بائسًا إلى بيته والدموع في عينيه… لقد كانت ماري كل أمله في الحياة.

قال الأب في خشونة لم تعهدها ماري من قبل:

–        تعالي… أرأيتي ماذا جرى اليوم؟

–        وماذا جرى يا أبي؟

–        مصيبة كبرى. خميس يريد أن يتزوج منك.

وتشجعت وردت في برود:

–        أنا الأخرى أريد الزواج منه… إنني أحبه ولا أريد الزواج من غيره.

–        لقد جننتي… هذا لن يكون أبدًا.

–        بل سيكون يا أبي، إنني لم أحب قبله، ولن أحب أحد بعده.

–        سأحرمك من الميراث ولن أجعلك فردًا من العائلة… سوف تعيشين غريبة وتموتين غريبة.

وبكت ماري كما لم تبكِ من قبل.

وفي الصباح اتصلت بحبيبها… ولم يصدق نفسه فهو لم ينم منذ أمس.

–        حبيبتي ماذا جرى… أين أنتِ؟

–        أنا هنا يا حبيبي انتظرك في محطة  الرمل.

–        حالًا، دقائق معدودة وأكون بجانبك، لن أتزوجك إلا بعد أن يتم طلاقي… لن أجعل معكِ شريكًا… لقد اتفقت معها… غدًا سننتهي من هذه القصة إن شاء الله.

ولكنها طلبت منه أن تعلن إسلامها قبل الزواج، وبالفعل أشهرت إسلامها وذهبت لأداء العمرة، وحين عادت قابلها خميس بالأحضان وتزوجها، وأقام لها عرسًا كبيرًا كي يفرح قلبها ويعوضها عن أهلها الذين حرمت منهم.

وعاشت معه سعيدة كل السعادة، وهو كان يعبدها ويفتخر بها أمام الجميع… وكانت السعادة ترفرف عليهما… وقد رزقا بمحمود ثم بثلاثة بنات كن له قرة عين وأصبح الحبيب العاشق الأب الحنون والزوج المسؤول. وأصبح خميس من أثرياء القوم بعد زواجه من ماري.

–        إنتي يا وش السعد تعالي جنبي، آه كم أحبك… من أين أرسلك الله لي… لا بد أنه سبحانه أتى بك من الجنة… نعم إنني أعيش في الجنة بجانبك يا أميرتي.

ضحكت من كل قلبها وقبلته، وسألته بكل براءة:

–        ألا زال حبي متوهجًا في قلبك؟

–        نعم يا حبيبتي، إنه كذلك بل وأكثر.

–        دمت لي يا حبيبي ودام حبك… أريد أن أغمرك بحناني كما غمرتني بعطفك وحنانك.

–        هاميس… كيف حال أولادك من زوجتك الأولى؟.. ألا ترعاهما كما ترعى أولادنا.. إنني أريد أن أراهم، إنني أحبهم فهم قطعة منك… أريد عنوان بيتك القديم، لا بد أن أزورهم.

–        ولكني أخاف عليك يا حبيبتي… إن زوجتي الأولى ليست مضمونة، فربما أزعجتكِ.

–        لا تخف عليا يا حبيبي، سأتعامل معها بالحسنى.

وذهبت ماري وطرقت الباب وهي تتوخى الحذر، وفتحت لها الباب وأدخلتها، وأخذت ماري الأولاد في حضنها وهي تبكي من شدة الفرح.

ثم جلست مع ماجدة يتجاذبان أطراف الحديث، واعتذرت ماجدة لميري عما بدر منها في حقها… حيث سبق لها أن أعلنت الحرب عليها، وتقبلت ماري اعتذارها بصدر رحب.

عادت إلى منزلها حزينة. فقد لمست الفرق الكبير بين البيتين، وعقدت العزم على ألا تترك زوجها بدون أن تنصحه، فهي تخاف عليه من عقاب الله.

–        هاميس… لازم ترجع زوجتك الأولى حتى ترث معي. أنا لا أطيق أن أظلمها، ليس من أجلها ولكن من أجل أولادنا.

–        أنا لا أتعجب من موقفك، فقد عودتيني على كرم أخلاقك، ولكن لي شرط واحد ألا يكون بينها وبيني إلا الورق من أجل الميراث، ولن أبيت عندها ليلة واحدة.

–        موافقة… طلباتك أوامر.

واستطاعت ماري أن تلم الشمل… واستراح ضميرها.

وأحب خميس أن يرد لها الجميل فذهب إلى والدها… فرقّ قلبه وكان قد افتقدها كثيرًا، فقد كانت ابنته المقربة.

وأقام خميس عزومة كبيرة لكل أهلها، وأصبحوا بين ليلة وضحاها من أقرب المقربين لـ ديمتري.

من المجموعة القصصية «خواجات اسكندرية» الصادرة عن دار النخبة العربية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى