كتاب الأسبوع

«ما الفخ إلا امرأة» تنقل لنا عادات وتقاليد إنسانية

خمس روايات قصيرة جدًا للكاتب والدبلوماسي السوداني كرم الله كركساوي

المجموعة القصصية «ما الفخ إلا امرأة»، للكاتب والدبلوماسي السوداني كرم الله كركساوي.

«ما الفخ إلا امرأة» تقع في 280 صفحة من القطع المتوسط وتضم خمس روايات قصيرة جدًا ، وعلى الرغم من قصرها الشديد، فإنها تقدم لنا عالمًا شديد الثراء والتنوع والخصب، وتنقل لنا تجارب وعادات وتقاليد إنسانية في منطقة جغرافية قد لا تكون معروفة للكثيرين من قراء العربية خارج السودان.

 تنوع للأماكن في روايات كرم الله كركساوي

يقول الأستاذ أحمد فضل شبلول في تقديمه للمجموعة: في روايات كرم الله كركساوي سنجد تنوعًا للأماكن، وأنماطًا مختلفة من الشخصيات السودانية التي نشمُّ فيها رائحة السودان، فضلًا عن توافر عناصر الإثارة والتشويق التي تجعل قارئ العمل لا يتركه إلا وقد أتى على قراءته في جلسة واحدة، أو على دفعة واحدة.

في الرواية القصيرة الأولى (العناية المركزة) يتحرك القطار من مدينة كوستي متجهًا إلى الخرطوم في الساعة العاشرة صباحًا.

تصاعد الحكي والسرد 

ويتصاعد الحكي والسرد فتظهر لنا شخصيات العمل ونعرف أن هناك مريضة ذاهبة- مع ابنتها- لزيارة الطبيب في الخرطوم، وتظهر إنسانية كمساري التذاكر عم محمد الذي يوفر مكانًا بديلًا في القطار ترتاح فيه الأم أكثر من المكان الذي كانوا فيه.

وعلى الجانب الآخر نلاحظ خيوط قصة حب بين الابنة من خلال تصفحها لأحد الخطابات المرسلة لها. ونلاحظ جرأة الفتاة التي أرادت الذهاب إلى حبيبها ماجد في منزله، وهو يعد شيئًا خارقًا للعادة في مجتمع غير منفتح على الآخرين.

وهكذا تمضي بقية الروايات القصيرة التي يقدمها لنا كركساوي في تلك المجموعة، ونلتقي بـ”الكابوس الأحمر” (من دفتر مذكرات طالب أفريقي في روسيا) لنجد أنفسنا أمام بيئة أخرى وبشر آخرين، فمن الخرطوم إلى موسكو وهضاب لينين، وأفكار ومعتقدات أخرى، وأزمات فكرية وعاطفية، وعالم جاسوسية، قد لا نجد لها مثيلًا في البيئات العربية، ويذكرنا بعالم الأخ الأكبر في رواية «1984» لجورج أورويل، وما يُثار أو يُحكى عن الحكم الشمولي.

ولا أدري هل ما ينقله لنا الكاتب هو خبرات حياتية مرَّ بها، أم هو من واقع شخصيات أخرى أضاف إليها الكاتب نوعًا من الخيال. ولكن أحداث الرواية تؤكد أنها أحداث واقعية تكشف لنا عن البيئة الاجتماعية والثقافية والسياسية التي يعيش فيها طلابنا العرب المبتعثون إلى الدول الكبرى مثل الاتحاد السوفييتي (السابق).

الديك فوق الطاولة

رواية (الديك فوق الطاولة) تتكون من 20 فصلا قصيرًا جدًا، وكأنها إبجرامات في بناء شعري قصير. وهذا يدل على سرعة إيقاع العمل الذي يأتي في قفزات متعددة، وهي تدور في عالم ما وراء الطبيعة ممتزجًا مع عالم الواقع، ونقرأ عبارات فلسفية عن الموت.

آفة الشك

أما رواية (آفة الشك) فهي رواية اجتماعية عاطفية قصيرة يلعب فيها الشك في النسب دورًا رئيسيًّا، وهي متعددة الشخصيات والأماكن تجعلنا نلهث لنعرف من هو والد الشاب فاروق والفتاة زيزي. وتجعلنا نترقب الأحداث وهل سيتزوج الشاب أخته، وفي النهاية تنتصر الحقيقة.

والله العظيم ثلاثة

وتأتي الرواية الأخيرة (والله العظيم ثلاثة- مذكرات رقية بنت الحاج عبدالغفور صالح) لنرى مذكرات أخرى غير مذكرات طالب البعثة الأفريقي في روسيا، ويبدو أن الكاتب وجد أن تقنية المذكرات تستطيع أن تحل له الكثير من شفرات العمل الأدبي، وهنا يجد القارئ أجواءً جديدة محلِّقة بين السودان والقاهرة وبوسطن، حيث تنطلق الأحداث من قرية ود مفتاح الصغيرة التي لا تبعد كثيرًا من المدن الصغيرة التي تجاورها في شمال السودان، ولكنها بعيدة عن المدن الرئيسية الكبرى.

سنتكشف أن هناك بُعدًا سياسيًّا أو بوليسيًّا أو مخابراتيًّا آخر، يجعلنا نعيد القراءة على ضوء ما توصلت إليه النهاية، ليتأكد لنا عنصر التشويق والإثارة الذي انتهجته تلك الروايات الخمس القصيرة التي تصلح كل منها لفيلم درامي قصير أو طويل، وكأن كركساوي يقدم لنا المعالجة الدرامية لكل عمل على حدة، وجاءت تلك المعالجات كلها تحت عنوان مميز هو «ما الفخ إلا امرأة» وهو عنوان لا نجده ضمن عناوين المجموعة الروائية، ولا أقول المجموعة القصصية، لأنني أرى أننا لسنا أمام قصص قصيرة أو حتى طويلة، وإنما نحن أمام عالم روائي مكثف ومتماسك، ما يجعلنا نطلق عليه «الرواية القصيرة جدًا» على غرار ما يقال عن «القصة القصيرة جدًا» ويرمزون إليها بالحروف (ق ق ج).

ربما نجد من يسلك طريق (ر ق ج) قريبًا، ليصبح فنًّا قائمًا بذاته، مثلما أصبح (ق ق ج) فنًّا قائمًا بذاته. وهنا نتذكر أن كرم الله أحمد كركساوي هو رائد هذا الفن. وفي انتظار أعماله الجديدة لتثبت تلك الريادة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى