حول العالم

محمد هلال: لا أتأثر بالمبدعين ولا أعبد الأبطال

حوار مع الكاتب الصحفي ومشواره مع الأدب والصحافة

  • وجدت في الرواية براحًا خصيبًا لروحي فأقمت فيها
  • مشاهداتي لعالم التصوف وغرائبه كان حاضرًا في عالم رواياتي وقصصي
  • أرفض التأثر بمبدعٍ ما ولا أؤمن بنظرية المثل الأعلى خشية الصدمات القاسمة
  • من يقول لك حققت حلمي الإبداعي أو نصفه فلا تصدق أنه مبدع حقيقي
  • الجوائز العربية تسرب إليها من جائزة نوبل وباء تسييس الجوائز

الكاتب الصحفي والأديب محمد هلال، نائب رئيس تحرير جريدة الأهرام، بدأ مسيرته الإبداعية في مرحلة مبكرة بكتابة الشعر، نشأ في بيت صوفي ومشاهداته لعالم التصوف ألقت بظلالها على عالمه الأدبي ووجدناه حاضرًا في رواياته وقصصه، صدر له عن دار النخبة العديد من الإبداعات تنوعت بين الرواية والشعر والمجموعات القصصية.

أجرينا معه هذا الحوار الذي أبحر بنا في هذا النهر المتدفق الذي يحتضن بين ضفتيه فكر وثقافة وإبداع تزينه روح التصوف، فكان حوارًا متميزًا ومختلفًا.

نص الحوار..

  • نود أن يتعرف القاريء على سيرتك ومسيرتك الأدبية والصحفية؟

ـ مثل الغالبية الغالبة من الكتاب والمبدعين بشكل عام، بدأ الاهتمام الأدبي عندي في سن مبكرة جدًا.. أذكر في بداية المرحلة الإعدادية ، ومحاولات الكتابة بما يليق بهذه السن المبكرة وقلة الخبرة، ثم جاءت المرحلة الثانوية لتكون بداية معرفة الطريق إلى مكتبة المدرسة والتعرف على منجزات الكتاب والأدباء والميل النفسي والروحي إلى فلان وربما التأثر به.

بدأت بكتابة الشعر، وكان فلسفة الأحزان في شعر ومسرح صلاح عبد الصبور بمثابة البيت الذي أسكنه ويسكنني، ومنه عرفت شاعره المفضل ت. س. إليوت، وخصوصًا قصيدته الكبيرة الفريدة (الأرض الخراب)، ثم ملكت الشاعرة العراقية (نازك الملائكة) خلجات نفسي. وقبلهما كانت روايات محمد عبد الحليم عبدالله، ثم جاءت مرحلة الجامعة للانفتاح على الثقافة وفاعلياتها، الندوات الأدبية، اقتناء الكتب بشكل يليق بشاعر. بعدها وجدتني أميل إلى السرد، فاجتذبتني القصة، ثم الرواية التي وجدت فيها براحًا لروحي خصيب، فأقمت فيها. وأذكر أنني أيضًا جربت أسلحتي الأدبية أيضًا في كتابة المسرح إلا أن الرواية كما قلت دثرتني بإهابها وزملتني بسحرها.

أما رحلتي مع الصحافة فقد عانيت كثيرًا وتنقلت بين الصحف المعارضة لإغلاق الصحف الحكومية في وجوه الشباب، إلا لمن يملك المفتاح السحري (الواسطة)، أوتسوقه الأقدار دون براعة منه لدخولها، بدأت في جريدة الشعب لسان حال حزب العمل حتى أغلقها النظام في سنة 2000، وساقتني الأقدار بشكل مدهش للالتحاق بمؤسسة الأهرام مجلة الأهرام العربي .

  • حدثنا عن الصعوبات والتحديات التي واجهتك في مسيرتك الأدبية والصحفية؟

ـ بطبيعة الحال مثل أى قروي بسيط لا تتوفر له الوسائط الثقافية بسهولة ويسر، كانت النشأة، ربما نشأتي في بيت صوفي، فقد كان جدي الذي آثر تربيتي لأنني الحفيد الأول لابنته الكبرى، كان له أكبر الأثر في اتساع مداركي وسماعي لكلمات كبيرة من شيوخ التصوف لم أفهمها في حينها، ومشاهداتي لعالم التصوف وغرائبه، كل ذلك ألقى بذور التفاعل مع جماليات الكلمة في وقت مبكر، ووجدت ذلك حاضرًا في عالم رواياتي وقصصي، إذن هي ليست صعوبات بالمعنى ولكن ظروف حياة فرضت نفسها وثقافتها في روحي.

أما الصحافة فقد كان التحاقي للعمل بها يعد صعوبات جمة، فقد وما زالت (الواسطة) بغض النظر عن جودة الذي يقدمه من يريد العمل بها، أو مستواه الثقافي  هو الأساس الأول، ومن هنا تأتي الصعوبات بل وربما تفاجأ بأنك طرف في حرب لا ناقة لك فيها ولا جمل بين أطراف متصارعة وتكون أنت ضحية تلك الحرب لأنك دون أن تختار؛ تجد نفسك محسوبًا على أحد أطراف الصراع. عمومًا العمل الصحفي في عالمنا الثالث به من الأمراض والآفات ما لا يمكن حصره، وهذا يفسر أسباب تواضع ما نقدمه من صحافة إذا ما عقدت مقارنه عربية عالمية.

  • ما أهم قراءاتك في السابق والآن، ومن هو كاتبك المفضل، وما الكتاب الذي قرأته ولا تنساه؟

– لا أحب الأسئلة من نوعية كاتبك المفضل، وكتابك المفضل، لأن الأديب أو المثقف عمومًا يجب أن تكون له معدة ثقافية تهضم الغث والثمين في كل ألوان المعرفة، وأن يتحرر من هيمنة كاتب أو شاعر على روحه الإبداعية حتى لا يقع في قيود ما يسمى (عبادة الأبطال)، ويصبح صورة مشوهة لهذا المبدع، ومن جانب آخر فإن كل مرحلة عمرية لها من الاهتمامات ما يناسبها، هذا لا ينفي أن لكل قاريء ذوق يميل إليه ويجد نفسه فيه، ليس بالضرورة أن يكون أديبًا مشهورًا فأحيانًا تكون شهرة أحد الشخوص ليست بسبب موهبة كبيرة لديه، وإنما بسبب علاقات جيدة بالشلل الثقافية والمسؤولين والتعاون مع جهات الأمن، وهذا معروف في عالمنا الثالث، بل وتتحكم في الجوائز الأدبية بشكل أو بآخر.  

  • مَن أكثر الأدباء والصحافيين الذين تأثرت بهم في مسيرتك، ومَن هو مثلك الأعلى في الحياة؟

ـ أرفض التأثر بمبدعٍ ما، لأنه من الخطورة بمكان ــ كما أسلفنا ــ وإنما أن ترى مبدعًا تميل إليه روحك، فالشعراء والأدباء منذ الجاهلية وحتى ما شاء الله مثل الزهور أو الفاكهة لكل منهم طعمه ولونه، ويجب على من كان هؤلاء أجداده أن يعرفهم جميعًا، قد يميل إلى البعض منهم شريطة أن لا يقع كعابد صنم في هواه. ونفس الكلام عن الأدباء العالميين. ومن ناحيتي أميل في الأقدمين إلى قس بن ساعدة الأيادي، وأمريء القيس. وفي المعاصرين إلى صلاح عبد الصبور شعرًا ومسرحًا، وكذا نجيب محفوظ ـــ ليس بحكم أننا جعلناه بعد نوبل فرضًا ثقافيًا أخشى أن يتحول إلى صنم يعبد إبداعيًا ــ لكن لعوالمه الفلسفية وشطحاته الناعمة، وكثير جدًا من أسماء المبدعين يضيق المجال عن حصرهم، وعلى المستوى العالمي أميل إلى الروائي الياباني كاواباتا ياسوناري، وهذا لا يمنع الإطلاع وهضم الكثير والكثير من الإنتاج الإبداعي غير العربي.

علمتني التجارب والصدمات المريرة أن لا أؤمن بنظرية المثل الأعلى خشية الصدمات القاسمة، وأنصح بذلك، فقد تعجب بمسيره أحدهم التي تقرأها، ولكن إذا كُشفت لك حجب الغيب في يوم ما، أصابتك صدمة كبيرة لأنك عشقت أكذوبة، ساعتها لن يشفع له جودة إنتاجه ولن يسعفك حسن ظنك. أضف إلى ذلك تبني بعض التيارات السياسية والصحفية والإعلامية عالية الصوت يطلق عليها (الحنجورية) بعض الشخصيات تمييزًا لهم وتميزًا، والحقيقة إن خلف ذلك الخواء مصالح ومكاسب لهؤلاء يعيشون عليها وبها.

  • إلى أى مدى استفدت في مسيرتك ككاتب صحفي وروائي من تطور وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي؟

ـ الحقيقة وفرت وسائل التواصل العديد من أوجه المعرفة وتلاقح الأفكارومعرفة أخبار العالم في وقت حدوثها، أيضًا حلقة وصل بين الماضي والحاضر، فيمكنك الحصول ببساطة على كتاب قديم جدًا؛ لن تجده في الأسواق، يمكنك أيضًا السياحة المعرفية مثل رؤية عدد هائل من لوحات الفن التشكيلي. ويمكن للجمهور خلق قضية رأى عام في مسألة ما، أو حادثة ما، فقد تحول الهاتف الذي بأيدينا إلى خلق حالة (الصحفي المواطن).

عمومًا تتوقف الفائدة على ثقافة الشخص، فهناك الذي يراها تسلية يقضي معها وبها ساعات طوال، ومن يراها فرصة للترويح غير المسموح به في الواقع مثل رؤية المواد المخلة بالآداب، ومن يتفاعل معها في قضايا الوطن والعالم.. وهكذا. نخلص إلى أن من يحدد قيمة الفائدة الإيجابية أو السلبية من وسائل التواصل هي ثقافة الشخص الذي يستخدمها.

  • هل أثر مجال عملك الصحفي على مشروعك الإبداعي أم ساعد في تطويره؟

ـ الصحافة عمل مرهق، فالصحفي يتعامل يوميًا مع عملية الكتابة ولذا فهي بمثابة تفريغ دائم للانفعالات وذلك يعود بالسلب على عملية تخمر الأفكار الإبداعية في نفس المبدع، فيكون قليل الإنتاج أو يقدم إنتاج متوسط القيمة، وفي الوقت ذاته يضيف العمل الصحفي لصاحبه العديد من الخبرات والمعارف، وبعد فترة من الوقت؛ قل عدة سنوات تتوازن كفتي العمل والإبداع فيعرف الإنتاج الأدبي طريقه إلى الجودة .

  • هل تجد في الوظيفة قيودًا على الإبداع أم العكس؟

ـ تختلف تلك النظرة من مبدع لآخر، ولكن في الغالب الأعم تؤثر الوظيفة سلبًا في سنواتها الأولى، وبعد أن يستقر ذهن المبدع وبرمجة جهازه العصبي عليها، بلا شك تضيف إيجابيات جيدة، فلا يمكن لمبدع أن يعيش في عزلة من التفاعل مع الحياة أن يقدم نصوصًا جيدة؛ فالمبدع لا يوحى إليه وإنما يوحى له، وعليه تنمية وتخصيب وتكاثر وتناسل هذا الوحي.

  • من تستهدف في كتابات أكثر، القاريء العام أم المثقف؟

ـ هل تصدقني إذا قلت لك: لا هذا ولا ذاك؟ الإبداع عملية إبداع محضة إذا وضع المبدع نصب عينيه فئة معينة أصبحت صنعة وخرجت من دائرة الإبداع، هي عملية ولادة، هل يستهدف الوالدين ظروفًا معينة لمولودهما ليخرجاه مناسبًا لتلك الظروف؟

  • إلى أى مدى حققت حلمك كصحافي وأديب؟ وما الحلم الذي لم يتحقق حتى الآن؟

ـ من يقول لك حققت حلمي الإبداعي أو نصفه فلا تصدق أنه مبدع حقيقي، فالمبدع مسكون دائمًا بالقلق الإبداعي، مثل المؤمن الذي يصلى الليل والنهار وكل أمله أن يقبل الله منه. أما العمل الصحفي فهناك في عالمنا الثالث مؤثرات خارجة عن سيطرة الفرد تشكل مسيرته، وعلى المستوى الشخصي فبالرغم من وصولي موقع نائب رئيس تحرير بالأهرام وهي المؤسسة الأكبر، لا أراني قد سُمح لي بتقديم ما كنت أرجوه، ولن يًسمح لأن دولاب العمل له مقتضيات غير معلنة لا يمكن لأحد المساس بها، وتلك طبيعة الصحف الحكومية. أما الصحف غير الحكومية فهي تجاهد لاهثة الأنفاس لمجرد البقاء ولو بنصف هواء في رئتيها.

  • في ضوء ما تشهده بلادنا العربية من أحداث وانقسامات فكرية وطائفية وسياسية، هل ساهم الإعلاميون والأدباء العرب كقوة ناعمة في إرساء روح الوحدة وتقبل الآخر؟

ـ المبدع العربي يدور في فلك النظام الذي يحكمه، شاء أم أبى، وإلا اتهم بالخيانة وتمت محاكمته أو تهميشه، وحتى من تركوا بلادهم لبطش السلطة فيها، إلى بلاد عربية عليهم الالتزام الصارم بتبجيل النظام هناك، والتجارب العربية في ذلك، للأسف الشديد كثيرة.

  • يتعرض الشباب العربي لمحاولات تذويب الهوية، ما دور الأدب في الوقوف أمام هذا المحاولات؟

ـ الأدب والفنون عمومًا ليست عربات إطفاء للحرائق، فقط هي تشير إليها وتنبه وتحذر من خطورة الحرائق، وعلى المتخصصين في عمليات الإطفاء القيام بدورهم، وإلا اختلطت مهام أجهزة الدولة بشكل عشوائي يضر بالصالح العام.

  • كيف ترى مستقبل الكتاب الورقي؟ وهل يستطيع الصمود أمام الكتاب الإلكتروني والمسموع؟

ـ ما زال للكتاب الورقي بريقه ورائحته ورمزيته، فهو في يد حامله دليل على ثقافته، ولكن الحكم باستطاعة الصمود فهذه متروكة للبدائل المستقبلية، فقد انتهى زمن شريط الكاسيت مثلًا، وهو الذي قضى على عصر الاسطوانات. ولكن رغم طغيان الشاشة والصورة هناك من يجرفه الحنين لسماع الراديو، وخير دليل كثرة دور النشر في العالم وكثرة توزيع الكتب ومحافلها العديدة في هيئة معارض دولية.

  • مَن مِن الأدباء العرب المعاصرين يستحق أن ترشحه لجائزة نوبل؟

ـ الأسماء كثيرة، والإبداع العربي متنوع وخصيب، فالعرب أبناء حضارة الكلمة (الشعر ديوان العرب)، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا غارقة في الجهل والظلام، ولكن ما أصاب الجوائز العربية ربما تسرب إليها من جائزة نوبل وهو وباء تسييس الجوائز غير المعلن، ولو افترضنا جدلًا أن نجيب محفوظ كان معارضًا لاتفاقية السلام مع إسرائيل وصدح بذلك، هل كان سيفوز بنوبل، أو باهتمام الدولة وجوائزها؟ كنت ستقرأ نبأ وفاته في خبر صغير، وقضي الأمر مثل غيره من الكبار الذين وأدتهم المعارضة السياسية.

  • كلمة أخيرة إلى قراء النخبة ونصيحة للصحفيين الجدد؟

– النصيحة للقراء هو ما أنصح به نفسي، وأمرنا الله به في القرآن الكريم «إقرأ»، وفي التوراة: «في البدء كان الكلمة»، والمثل يقول: قل لي ما تقرأ، أقل لك من أنت؟ وللصحفيين الجدد عليك بملاحقة التطور الإلكتروني المتلاحق وتعلم لغتك الأصلية جيدًا، وما استطعت من اللغات الحية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى