إبداع

مرارة الخذلان

تمضي بنا الحياة رتيبة بلا طعم ولا لون منذ سنوات عديدة لا أتذكر عددها

Advertisements
Latest posts by غادة غنيمي (see all)

ابتلع لعابه في مرارة واضحة ظهرت على ملامح وجهه الحزينة التي تنم عن بقايا رجل وسيم، حاجباه متباعدان مرسومان بدقة تحسده عليها الكثير من النساء، جبهته عريضة يشقها خطوط عرضية تنحني بشدة في أطرافها تدل على طول العبوس، تستطيع أن تري في قسماته مزيجًا من القوة والضعف.

أمسك بقلمه الجاف ماركة (باركر جوتر) الفضي الذي يرافقه منذ قرابة عقد من الزمان، لم يتركه يومًا أو يستبدله خلال تلك السنوات، ثم بدأ يكتب بخط جميل كأنه رسم كوفي في لوحة أثرية قديمة:

«كنت أسمع كثيرًا عن قسوة كلمة الخذلان، ربما أكون قد قابلت في حياتي بعض المواقف التي أطلقت عليها خذلان وقتها، ولكني الآن أتذوق هذه الكلمة القميئة القبيحة كما لم أتذوقها من قبل، فتنزل مرارتها كالعلقم في جوفي، أشعر بها تحرقني وتدمي أحشائي.

أمس كان يوم الخميس الموافق الثالث من ديسمبر يوم قدومي إلى الحياة، وأيضًا يوم إعلان الحكم بإعدامي المهني بإنهاء حياتي العملية والوظيفية الحافلة بالنجاحات والإنجازات.. يوم إحالتي للتقاعد.. يوم خروجي إلى المعاش.

مشكلة الخذلان أنه يأتي دائمًا من أشخاص لا تتوقع ذلك منهم، أناس كنت تحسب أنهم يحملون في صدورهم لك قدرًا من المحبة والوفاء، تتوقع منهم بعض من الحب والثقة والأمان، ولكن تتفاجأ بالألم يتسلل إليك من جانبهم، وتمتد أياديهم إليك لتؤذيك ثم تتركك وحيدًا وتتخلى عنك.

ما يؤلم حقًا ليس فقط الضربة أو الطعنة التي تأتيك بغتة من حيث لم تحتسب أو تعد لها عدتها، ولكن يأتي الألم من الشخص الذي وجه إليك الطعنة، هو من يجعل قواك تخور وتفقد أي قدرة على الاحتمال مثلما حدث في رائعة وليم شيكسبير «يوليوس قيصر«، فالقائد الروماني العظيم «قيصر» لم تقتله الطعنات واحتمل الألم، ولكنه لم يستطيع الصمود عندما أدار وجهه ورأي أن من وجّه إليه الطعنة من الخلف هو بروتس صديقه.. الخذلان قتله والحسرة أجهزت عليه، انهار جدار روحه تحت وطأة الألم والحزن، فلم يستطع احتمال طعنات الغدر والخيانة.

أكتب هذا وأنا أنزف حزنًا على ما حدث معي أمس..

كان يوم إحالتي إلى التقاعد، يقولون إنها سُنة الحياة وأنا أشهد إنهم لكاذبون..

من أين جاؤوا بهذا القول، كيف أترك شركتي وإدارتي التي أفنيت عمري في العمل بها لمجرد يوم إضافي زاد على رصيد العمر، صفحة بيضاء جديدة تم إضافتها إلى سجل عمري تتسبب في حرماني من الحياة.

أطلقوا على حفل تأبيني اسم «حفل التكريم»، يحاولون خداعي أليس كذلك؟!

جاء موعد حفلة تأبيني وفوجئت بأنه لم يحضر الحفل إلا عدد قليل جدًا من زملائي، وحتى لم يكلفوا أنفسهم عناء شراء هدية ولو رمزية تعبر عن شكرهم وتقديرهم لمجهوداتي خلال سبعة وثلاثين عاما قضيتها في الشركة، واكتفوا بتقديم درع الشركة مع رسالة شكر تقليدية.

لم أتلق من أي منهم أي رسائل نصية أو اتصالات يعبرون فيها عن حزنهم وحسرتهم على فقد كفاءة مثلي، كان هاتفي في السابق لا يهدأ من استقبال المكالمات والرسائل من الجميع.

كانوا يتسابقون للسؤال عني، لتلبية مطالبي، لتقديم واجب العزاء حين أفقد عزيزًا لي، لعيادتي حين أمرض، كانوا يظهرون لي دائمًا تقديرهم لحكمتي، يضحكون للنكات التي ألقيها ويتندرون بها.

شعرتُ لأول مرة أنني على هامش الحياة.

عاش الملك.. مات الملك..

تنتابني الرغبة في البكاء مثل الأطفال منذ أن غادرتُ بوابة الشركة أمس.

استيقظتُ اليوم في الصباح الباكر كعادتي، ولكني لم أجد شيئًا أفعله غير قراءة الجرائد وتناول طعام الإفطار.

قرأت الجريدة اليومية وأنا مشوش الذهن لا أستطيع منع نفسي من الغضب والحسرة على ما حدث معي أمس.

تشاجرتُ مع زوجتي.. هي لا تفهمني، لم تفهمني يومًا.. ولن تفهمني أبدًا.

تمضي بنا الحياة رتيبة بلا طعم ولا لون منذ سنوات عديدة لا أتذكر عددها، وبعد زواج أبنائنا لم يعد بيننا أي وسيلة للتحاور والتفاهم، ننام متجاورين على فراش واحد ووسادة واحدة، ولكن في حقيقة الأمر فإن بيننا حاجزًا كبيرًا، وهوة ليس لها قرار تفصل بين أرواحنا وأجسادنا، نضب مخزون الحب منذ زمن بعيد، وحده العمل كان يعطيني أسباب الحياة، والآن أعيش بلا حب، بلا عمل، بلا مرتكز أستند وأتكئ عليه.

منذ قليل رن جرس الهاتف ليقطع صمت الحجرة وضجيج أفكاري المتلاحقة، التقطتُ الهاتف مسرعًا، توقعتُ أن أستقبل مكالمة من رئيس الشركة يطلب مني العودة إلى العمل، ويرجوني أن أوافق لأنه بالتأكيد لم يجد بديلًا لي يستطيع إدارة العمل مثلما كنت أفعل، فرجل في مثل ذكائي وإخلاصي يُعد عملة نادرة في هذا الزمان.

سأطلب منه مهلة للتفكير.

بالطبع لن أوافق على الفور.

سأعاود الاتصال به بعد أيام قليلة لأعلن له قبولي العودة.

سأملي عليهم بعض الشروط.

سأعود وأنتقم من كل من خذلني.

سأجعلهم يندمون.

سآخذ حقي من الحياة عنوة.

سأرد القسوة بالقسوة وبقسوة.

ولكن يا لخيبة أملي، فقد جاءني صوت نسائي على الطرف الآخر من المكاملة، ولما استفهمت مَن المتحدث رد الصوت بأنها منار.. تقول إنها ابنتي؟ مَن منار هذه؟ كان اتصالًا خاطئًا، أغلقتُ الخط وأنا اشعر بالإحباط.

  • تبًا لكم جميعًا وتبًا لشبكات الهاتف.

اللعنة على الناس، سبعة وثلاثون عامًا قضيتها في هذه الشركة، كنت أنا فيها الآمر الناهي، يخشاني الجميع ويتجنبون بطشي، لم يجرؤ أحد على مواجهتي أو مهاجمتي يومًا، والآن يتم تجاهلي وأصبح في طي النسيان.

أريد أن أرى من اخترع فكرة تقاعد الرجال عن العمل عند بلوغهم سن الستين لأقتله وأمثل بجثته، كيف لرجل أن يحكم على رجل مثله بأنه لم يعد يصلح للعمل، لم يعد ذا فائدة مرجوة منه، أيعقل أن يكون يوم واحد فاصلًا بين صلاحيتي كرئيس ومدير، وإعلاني إنسانًا عديم الفائدة فاقدًا مقومات الحكمة والقوة، أنام وأصحو فأجدهم يعلنون أني أصبحتُ عبئًا، ويجب عليَّ أن أعيش على هامش الحياة.

تبًا لهذ الصداع الذي يكاد يفتك برأسي، أكاد أجن من شدة الضغط على رأسي.

  • – منيرة، أنتِ يا امرأة.

جاءه صوتها مبتورًا قادمًا من المطبخ:

– نعم.

– أين دواء الضغط؟ لقد قلتُ لكي مائة مرة ألا تغيري مكانه وحذرتك من ذلك، اتركي أشيائي وشأنها ولا تعبثي بها.

  • لم أمسه، ابحث جيدًا عندك وستجده في مكانه المعتاد.
  • هل تعتقدين أني فقدتُ البصر، الدواء غير موجود وأنا لم أعد أحتمل تقصيرك وإهمالك، ألا تفهمين أن تغيير أماكن الأشياء يثير غضبي؟ تريدين أن تتسببي في موتي منفجرًا من الغيظ، اتركي ما في يديكِ وتعالي فورًا وإلا سيكون اليوم هو آخر يوم لك في هذا البيت.

قال ذلك وهو يصيح بها وينفث فيها مكنون صدره من غضب وغِل.

  • ما زلنا في أول يوم لي في التقاعد، ماذا سيكون الحال في المستقبل؟ احذري فأنا لن أحتملك كثيرًا.

أومأت برأسها بأسى وقد تعكر ما بين عينيها وهي تغمغم:

أول يوم فقط؟! نحن على هذه الحال منذ خمس سنوات، منذ أن أحالوك للتقاعد، كل يوم تجلس هنا في نفس المكان وتكتب ثم تبدأ في الصراخ والتهديد والوعيد، ارحمني يا رب فأعصابي لم تعد تحتمل هذا الهراء اليومي.

  • ماذا تقولين؟
  • أقول لك ها هو الدواء أمامك في مكانه، سأذهب لآتيك بكوب من عصير الليمون البارد.

من المجموعة القصصية «الفتنة السمراء» الصادرة عن دار النخبة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى