إبداع

مسؤولية القرار.. ثمرة تجارب «السويكت»

قراءة في كتاب «القرارات وما يترتب عليها»

سهام الجزار
Latest posts by سهام الجزار (see all)

اتخاذ القرار من أصعب الاختبارات التي يوضع فيها أي إنسان، وهذا يكون على جميع الأصعدة سواء الوظيفية أو الاجتماعية أو حتى الإنسانية، والاطلاع على تجارب الآخرين يؤهلنا بدرجة كبيرة إلى اجتياز هذا الاختبار بل والنجاح فيه وتجنب الكثير من السلبيات التي قد نرتكبها في قراراتنا.

وفي هذا الكتاب الصادر عن دار النخبة للنشر والطباعة والتوزيع، بعنوان «القرارات وما يترتب عليها» الجزء الأول (المسؤولية)، نطلع على ثمرة تجارب ثرية، صاحبها أمضى أكثر من 38 عامًا في شغل مهام وظيفية بدأت بوظيفة مهندس مدني في المرتبة السابعة، بوزارة المراصلات، وانتهت تلك المهام بتكليفه رئيساً للمُؤسّسة العامة للخطوط الحديدية بالمرتبة المُمتازة، المهندس محمد بن خالد السويكت.

نحن أمام خبرة وتجربة فريدة، ورحلة خاضها مؤلف الكتاب، يقف بنا في محطات بها لأخذ الفائدة والعِبرة وذلك بسرد الأحداث والعقبات التي تعرض لها أثناء مهامه الوظيفية وتوثيق الخبرة التي اكتسبها خلال تلك الفترة الطويلة من عمله الحكومي.

 بدأ المؤلف المهندس «السويكت» باسترجاع مواقف عايشها، والمُتعلِّقة بالقرارات وما ترتّب عليها، سواء أكان هو متخذ القرار فيها، أو اتّخذها غيره، وكان له علاقة بها، صنفها واختار عناوين مُناسبة لها، ثم وضعها في مجموعات ووزعها على أربعة فصول، بحيث يشمل كل فصل 14 موضوعاً تحت مظلة واحدة، مُلائمة لها من ناحية نوعية القرارات، وما ترتّب عليها.

اختار للفصل الأول عنوان «المسؤولية» لأهميتها وتأثيرها على عمله بوزارة المواصلات (النقل لاحقًا)، وللفصل الثاني عنوان «قصر نظر» لمواضيع ترتّب عليها أمور سلبية، معظمها لم يقصد مُتّخذ القرار ما نتج عنها، ولم يكن يتوقّعها، والفصل الثالث بعنوان «تحديات» وتضمن مواقف تطلّبت مُواجهة واتخاذ قرارات لحلها، والرابع بعنوان «أحداث مُتفرِّقة»، لها علاقة أيضاً بعنوان الكتاب، والخامس جاء بعنوان «مُتطلبات القرار السليم»، التي من واقع خبرته ومُمارسته العملية، وجد بأنها مُناسبة، لكل مُتّخذ قرار يعمل في القطاع الحكومي، مهما كانت مرتبته، بأن يضعها في اعتباره قبل اتخاذ أي قرار، سواء شفهياً أو رسمياً، وختم الكتاب بالفصل السادس بعنوان «ماذا قد يترتّب على القرارات؟»..

واختار المؤلف لهذا الجزء عنوان (المسؤولية) لأهميتها، حيث أنه قرر استكمال عدة أجزاء أخرى تحت العنوان الرئيسي (القرارات وما يترتب عليه)، فلا بد أن يكون متخذ القرار يستشعر مسؤولية الهدف من القرار، وأن يصب في المصلحة العامة، وأن لا يكون للأهواء والأمور الشخصية والمجاملات تأثير على ذلك، وتتطلب المسؤولية من الجهات الحكومية، التأكُّد أنّ الرجل المناسب في المكان المناسب، وعدم منح صلاحيات ليس كفؤاً لها، وإلا قد يتخذ قرارات، تكون نتائجها عكسية، مثل اللي «جا يكحلها».

ويؤكد المؤلف على أن اتخاذ قرارات مهمة، ليست مسؤولية مُقيّدة بأصحاب المناصب الكبيرة، فيمكن لمهندس مشرف، أن يتخذها، إذا رصد «الخطر الخفي» الذي يؤثر على سلامة مُستخدمي الطريق، أو إذا كان عليه اتخاذ قرار يحدد مصير طريق تم الاستغناء عنه وهجرانه، ورأى من واقع علاقته به الجانب الإيجابي في «قديمك نديمك».

وأشار إلى أن كما لا تقتصر المسؤولية على صاحب الصلاحية في اتّخاذ القرار، ولكن تنطبق على جميع من يهتم ويُبادر برأي يُساهم في أن يتّخذ صاحب الصلاحية القرار المُناسب الذي يخدم المصلحة العامة، خُصُوصاً إذا توفرت الخلفية الجيدة عن الموضوع، وعلم بأنه سيترتّب عليه أمرٌ مُهمٌ يتعلّق بسلامة مستخدمي الطريق، وبذلك يكون بمثابة «رأي بقرار».

وتطرّق المؤلف في الفصل الخامس، الخاص بمُتطلبات القرار السليم، بأنّ من أهمها تحمُّل مسؤولية ما قد يترتّب على القرار، فإن كان مُتّخذ القرار يدرك ذلك مسبقاً، فذلك بالتأكيد يساعده لأخذ الإجراءات اللازمة لما يترتّب عليه، إذا كان لا بد من اتّخاذه، ولكن إذا لم ينتبه لما يترتّب عليه، فإن ذلك من المُفترض ألا يعفيه من المسؤولية، وعليه أن يتحمّل ما يترتّب عليها، إذا كان واثقاً بأنّ قراره كان هدفه المصلحة العامة.

ويشدد المهندس «السويكت» في كتابه على تطوير الذات واكتساب الخبرات من خلال الوظيفة ومن ثم الحرص على الاجتهاد والإخلاص في العمل، يقول: «المُفترض أن يعتبر المواطن الذي يتم تعيينه في أي جهة حكومية، بأنّ الوظيفة فرصة ووسيلة لبدء حياة عملية جديدة يتمكّن خلالها من تطوير نفسه باكتساب الخبرة، والحرص على الاجتهاد في العمل والإخلاص فيه، ويُحاول أن يكون له دورٌ إيجابيٌّ مُؤثِّرٌ في الجهة التي يعمل بها، ويطمح أن يساهم في تحقيق إنجازات يقدِّمها لوطنه، ولا يكون تفكيره محدوداً كالبعض، باعتبار الحصول على الوظيفة هي الهدف والغاية بحد ذاتها».

ويسرد المؤلف أحد المواقف التي اتخذ فيها قرارًا بالاستغناء عن أحد الموظفين موضحًا ظروف اتخاذه لهذا القرار؛ يقول: «رأيت بأنه من مصلحة العمل، ومن تحمّل للأمانة كمسؤول عن تلك الإدارة أن اتخذ القرار المناسب، بعدم بقاء المهندس السعودي، لأنه سيكون سلباً عليها مُستقبلاً، ولذلك أعددت تقييم الأداء بأنّه غير مُرضٍ، وفعلاً تم الاستغناء عنه من العمل بالوزارة».

ويضيف: «لو حرص كل مسؤول في الجهات الحكومية على تطبيق هذا المبدأ على الوجه المطلوب، ولا يشعر بحرج أن يُقال قطع رزق إنسان، فالأرزاق بيد الله، فإذا لم يكن الموظف الجديد مُجتهداً في السنة الأولى من تعيينه، والتي من المُفترض أن يحرص خلالها على إثبات كفاءته، فإنّه من باب أولى لما بعدها أضيع، ولذلك فقبول أي مسؤول بقاء موظف غير جديرٍ بالوظيفة، يُعتبر تقصيراً في أداء الأمانة، ويترتّب عليه تحميل الجهة أعباءً إدارية ومالية، وبالتالي التأثير السلبي على الأداء العام لها».

ويلفت المؤلف أن القرار الذي يكون هدفه المصلحة العامة، المفترض أن لا يكون فيه مجالٌ للمجاملة ولا يتأثّر بالضغوط ولا ردة فعل الآخرين، خُصُوصاً إذا كان مُتّخذ القرار يثق في نفسه، ولديه خلفية جيدة عن الموضوع ويعرف من واقع خبرة، ماذا سيترتّب على القرار.

تحت عنوان (قصر نظر) يقول: يفوت على كثير من مُتّخذي القرارات أمور مهمة تترتّب على قراراتهم، نتيجة عدم الاطلاع على خلفية المواضيع المتعلقة بتلك القرارات، غالباً بسبب قلة الخبرة وعدم وجود تصور واقعي للوضع بعد الانتهاء من الإجراءات إن كان القرار إدارياً، أو في مجال التنفيذ إن كان القرار فنياً، وأحياناً يكون اتخاذ القرار متعمداً ومجرد عناد، ولا يهتم بما يترتّب عليه. ولكن قصر النظر عند بعض مُتّخذي القرارات، يؤدي إلى أخطاء كثيرة مركبة، تنتهي بـ «رصاصة الرحمة».

في حين أن ربط بعض المشاريع غير المُتجانسة ببعض، عند طرحها للمنافسة، يؤدي إذا كان متخذ القرار لا يدرك ما قد يترتّب في حال حصول عجز في تنفيذ بعضها، فقد يتسبّب في إلغاء مشروع مهم، تأخّر تنفيذه سنوات طويلة لأنه ببساطة «ضاع في الزحمة». أمّا المُجاملة على حساب المصلحة العامة، فهو قصر نظر مُتعمّد من مُتّخذ القرار، إذا منح الأولوية لما ليس له أهمية على حساب الأهم،

ويؤكد على أن قد يعذر من يخطئ في ببعض القرارات، إذا كان مُجتهداً ولم يقصد بأن تترتّب عليها أمور سلبية، ولكن بماذا يُمكن أن يُوصف من أُحيط علماً بما سيترتّب على القرار من ضرر كبير على المصلحة العامة، ومع ذلك يصر على اتخاذ قرار كانت نتيجته «نهاية حتمية».

وأحياناً تكون القرارات لحل بعض العوائق واضحة لذوي الخبرة تساهم في تسهيل العمل وتسريع وتيرته، ولكن يأبى بعض المسؤولين، لقصر النظر، إلا أن يعقد الأمور ويطيلها، ويتبع بذلك خطى «وين أذنك».

بعض مُتّخذي القرارات، يُركِّز أحياناً لمُعالجة وضع ما ويكون هدفه المصلحة العامّة، من وجهة نظره، ولكن يتسبّب من حيث لا يقصد في أمور سلبية أخرى مُتعدِّدة، لأنّه لم يكن لديه الخلفية الجيدة أو الخبرة اللازمة لما قد يترتّب على القرار.

ويشير المؤلف إلى أن بعض القرارات تعتبر تحديات، وافرد لهذا المعنى جزءًا من كتابه بعنوان (تحديات)، يقول: «كان لديّ قناعة مُتأصِّلة خلال فترة عملي كمسؤول في وزارة النقل، بأنه لا توجد مشكلة فنية أو إدارية أو مالية، يمكن أن تواجه مشاريع الوزارة أو أي جهة حكومية، ليس لها حل فوري، ولكن ذلك يعتمد على المسؤول الذي لديه اهتمام وحرص شخصي ولا يقبل أن يستسلم للأمر الواقع، وبحيث يعتبر ما يواجهه تحدياً من المُمكن إيجاد حلٍّ له بتطبيق أفكار من خارج الصندوق، وبالتأكيد فإن الثقة بالنفس والخبرة تلعب دوراً مهماً في تحقيق ذلك».

وربط المؤلف الثقة واتخاذ القرارات في فقرة مهمة من الكتاب يقول فيها: «بناء الثقة تتطلّب مواقف تثبتها، وتستغرق وقتاً لتأكيدها وترسيخها في أذهان من يتعامل معك، في حين أنّ هدمها لا يتطلب إلا مَوقفاً واحداً سلبياً، تتراجع فيه أو تتنصّل عن أمر التزمت به، وهذا ينطبق على الحياة العملية، كما ينطبق على الحياة الشخصية».

(نصائحٌ مجّانيةٌ) وحرص المهندس «السويكت» كما أورد في كتابه، على إسداء النصيحة والمشاركة بخبرته في توجيه زملائه في العمل ولكل من يحتاج إليها: «كنت أرى بأن المسؤول، بأي وظيفة كان، لا يجب أن يقتصر اهتمامه على أداء عمله فقط، بل يُشارك بفكره وخبرته بالتوجيه والنصيحة، فيما يخدم المصلحة العامة، لمن قد يسأله عن أمر يُواجهه، سواء على المستوى الشخصي أو مجال العمل، ومن ناحية أخرى، يُبادر إلى النصيحة بدون أن يُطلب منه ذلك، إذا رأى أمراً يتطلّب ذلك. كنت بطبعي أحب المُساهمة في خدمة مَن يطلب المشورة، سواء من الزملاء في العمل أو من المُقاولين، ولا أتردّد في إسدائها لمن أرى ضرورة إيصالها إليه، خصوصاً إذا كانت لها علاقة مباشرة بالمصلحة العامة وتؤثر عليها، ويبقى الخيار لمن يتلقى النصيحة، الأخذ بها، أو تركها، ومرت معي العديد من المواقف بهذا المجال».

ويؤكد على أن النصائح التي أسداها لم تكن عبثاً، بل من واقع الإحاطة بظروف الطرف الآخر، وحرصه على مصلحته، وفي نفس الوقت على المصلحة العامة، إن كان الموضوع يمسها ويؤثر عليها.

وفي الفصل الخامس سجل المؤلف ما تذكَّره من نتائج سلبية حدثت، أو كان يمكن أن تحدث، من واقع قرارات اتخذت، خلال عمله الحكومي، وقد صاغها بأسلوبه الخاص، لعلها تكون إضاءات، لمتخذي القرارات في الجهات الحكومية.

وفي الختام ومن خلال قراءة هذا الكتاب الشيق الذي ينطوي على تجربة ثرية مليئة بالخبرات في مجال عمل المؤلف كمسؤول حكومي في وزارة المواصلات، نستطيع أيضًا أن نخرج منها بفائدة في الحياة بشكل عام حيث أن كل موقف سرده المهندس «السويكت» واتخذ فيه قرار؛ نتعلم منه قيمة من الممكن الاستفادة منها على المستوى الاجتماعي والإنساني وفي مختلف المجالات، كلٌ في موضع مسؤوليته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى