حول العالم

معارك سوق النشر المصرى

هل نواجه عملية ممنهجة لخلق قوى ثقافية تسحب البساط من تحت القاهرة؟

يواجه سوق النشر المصرى العديد من التحديات في ظل الأزمات الاقتصادية والمنافسة على مركزية مصر الثقافية فى العالم العربى، حول هذه القضية الشائكة والتى تتطلب الالتفات لها، كتب أحمد الدرينى، مقاله المنشور فى جريدة المصرى اليوم، بعنوان «سوق النشر المصرى.. معارك لا يلتفت لها أحد».

وجاء فى المقال..

يقترب معرض القاهرة الدولى للكتاب، بينما تغلى تحت سطح سوق «النشر» حمم لاهبة، ومفارقات باتت أطغى من أن يُغض الطرف عنها.

واحدة من هذه الحمم اللاهبة هى السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم: هل بتنا نواجه عملية ممنهجة لخلق قوى ثقافية تسحب البساط من تحت القاهرة التى تربعت لقرون على عرش المركزية الثقافية فى العالم العربى، ضمن مكتسبات تاريخية أخرى تتعرض لذات موجات المناوشة والاختلاس؟

ولعلنى أبتدئ من حديث هامس عن دولة شقيقة فكرت فى إقامة واحد من معارض كتابها بالتوازى مع معرض القاهرة الدولى للكتاب، مثلما حدث من قبل مع معرض بغداد للكتاب.

وبطبيعة الحال تأذى كثيرًا معرض بغداد، لعوامل، لا تحتاج قارئى العزيز- لكثير فطنة- كى تستنتجها.

لكن بمعزل عن الهمس- ومدى دقته- فملابسات التوتر الذى يعتمل فى سوق النشر المصرى بدأت قبل عامين تقريبًا، حيث وصل سعر طن الورق إلى قرابة ١٩ ألف جنيه مصرى، وهو رقم ضخم وغير مسبوق بمعايير وقتها، بينما يقف الآن قبل الـ٦٠ ألفًا بقليل!، الأمر الذى ألقى بظلاله- بداهة- على أسعار الكتاب وعلى صناعة المعرفة والثقافة بوجه عام، فالتجول فى المكتبات، ومتابعة المؤلفات الحديثة ومحاولة شراء الكتب، باتت عملية شديدة الغرابة، بالأسعار الجديدة غير المعهودة كلية على سعر الكتاب فى مصر.

فسعر الكتاب اليوم، الذى هو ابن شرعى لكلفة عملية الطباعة فى المقام الأول، يجىء فى وقت تعاين فيه البلاد وضعًا اقتصاديًّا ضاغطًا كما لم يكن من ذى قبل.

ولو سألتنى شخصيًّا عن المستهدف الأول من القراءة والاطلاع وتكوين البنية المعرفية.. لقلت: هم الشباب فى مقتبل حياتهم، من طلاب المرحلة الثانوية والجامعات وحديثى التخرج، ممن تتشكل قواعدهم المعرفية وترتسم شخصياتهم وتتبلور مساحات اطلاعهم بوجه عام، أو بالاحتياج الأصيل لأصناف من المعارف المتخصصة، بموجب الدراسة والعمل.

وهذه الفئة العمرية ليست بطبيعة الحال هى الأقدر على توفير المبالغ الطائلة التى باتت تتكلفها عملية شراء الكتب، الأمر الذى كان رافدًا من روافد تغذية سوق النشر الموازية (غير الشرعية)، التى تعتمد على قرصنة الكتب وإنتاجها بسعر أقل من السعر الذى طرحته دار النشر.

وإذ اعتبر البعض أن المنصات الإلكترونية المدفوعة مسبقًا، بمثابة نافذة اقتصادية- بالنسبة والتناسب فى مسألة الأسعار- للاطلاع على عشرات الكتب بسعر معقول.. فقد باتت هذه المنصات هى الأخرى فى مواجهة مباشرة مع قواعد البنك المركزى فى استخدام العملة الأجنبية فى الشراء من الإنترنت، ومن ثَمَّ عملية تجديد الاشتراك،

الأمر الذى أفضى إلى وجود مشقة حاضرة فى «كلفة» عملية الاطلاع والمعرفة ككل، وفى ظل وضع اقتصادى أضحى على كثيرين- بسببه- المفاضلة بين أوجه الإنفاق بدقة.

على جانب آخر، فإن ذلك المشهد يؤثر بدوره على عملية إنتاج المعرفة والثقافة نفسها، ففى ظل ركود سوق الكتاب سيضعف الإنتاج وستقل جودته، بل قد ينفك عن السوق المصرية ويتوجه بدوره ناحية أسواق أخرى، وبتنا نشاهد ذلك فى اتجاهين، هروب منتجى المعرفة من الكُتاب والمترجمين والمحررين والباحثين ناحية الفرص الخليجية الواعدة فى مجال النشر، وقيام بعض دُور النشر المصرية بعقد اتفاقات مع دُور نشر خليجية لطرح «نسخة مصرية» من بعض المؤلفات والترجمات، بطباعة غالبًا أقل جودة وبسعر أقل بكثير من نظيره فى الخليج مقابل ذات الكتاب!.

يمكنك إن كنت متحسسًا أن تعتبره تضامنًا «عربيًّا» مع الوضع فى مصر بطرح الكتب باهظة الثمن بأسعار أقل فى مصر، ويمكنك أن تعتبره خيارًا اقتصاديًّا ذكيًّا لهذه الدُور نظرًا لحجم السوق المصرية القادرة على تعويض فجوات الأسعار، بموجات الشراء، فى بلد يفوق تعداده المائة مليون نسمة، لكنك لن تستطيع أن تغض الطرف عما يعنيه ذلك من محاولات مستميتة لسحب البساط المعرفى والثقافى من تحت عاصمته الشرقية الأعرق.

تكاد تعصف هذه المتغيرات فى وقت واحد، كمعزوفة موسيقية ترجف القلوب من فرط تناغم الهلع بين ضربات آلاتها، بينما يظل لمعرض القاهرة الدولى للكتاب ثقله الهائل بين المعارض النظيرة فى الإقليم.

إلا أن هذا الحجم المعنوى والمعرفى والاقتصادى الضخم لهذا المعرض التاريخى تحيط به منافسة محتدمة هى الأخرى من دول شقيقة، لديها تطلعات ومشروعات، وباتت تقيم أكثر من معرض كتاب فى مدنها المختلفة على مدار العام.

بل لقد أُتيحت العروض لدُور نشر مصرية لتسجل أنفسها بجنسيات أخرى وبتسهيلات أكثر وتعقيدات أقل، فى مقابل نشر الكتب والمؤلفات وطرحها للمرة الأولى فى معارض كتاب هذه الدول!.

فيصير الكاتب مصريًّا ودار النشر مصرية.. لكن الإتاحة الأولى للكتاب فى دولة أخرى. وكأن هناك توجهًا وإصرارًا على سحب الثقل الثقافى ناحية عواصم أخرى فى الإقليم.

ما نتداوله أعلاه ليس سرًّا، فى سوق نشر، ترقد على جمر الغضا منذ سنين ولا أحد ينقذها، على أهميتها القصوى لمصر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى