كتاب الأسبوع

معاناة المهاجرين في «البريق المخادع»

هربوا سواء بسبب الحرب ليصطدموا بواقع أسوأ

«البريق المخادع» رواية سيرية للروائي السوري الكردي سعدو برو.

رواية لامسْتُ وقائعها بشكل شخصي بكل ما فيها من معاناة وألم، ولم تأت من القيل والقال.

إنّها معاناة كل المهاجرين بعد انعدام الأمن والأمان في بلدانهم، هربوا سواء بسبب الحرب أو بسبب عدم توافر فرص العمل والأجور المناسبة أو أدنى مستوى المعيشة، ليصطدموا بواقع أسوأ وحياة أكثر صعوبة!

منهم من عمل وكافح لسنوات طويلة، وخَطَّطَ ليُكْمِلَ بقيةَ عمره ما بعد التقاعد، بحياة هنيئة هادئة، ولم يكنْ يعلم إنه هرب من شكلٍ من أشكال الموت ليقابل موتاً من نوعٍ آخر يَكْمنُ في إهمال ورعونة وطيشِ المشافي الأوروبية التي لا تَقِّلُ جهلاً عن جبهة النصرة وداعش، مثال هؤلاء: والدي ووالدتي.

ومنهم من دَرَسَ وَاجْتَهَدَ وتَعِبَ حتى يَتَنَعَّم بالمستقبل المشرق الزاهر الذي طالما رسمه في مخيلته ليجد نفسه بين ليلة وضُحاها مُرْغِماً على الفرارِ فيغدو عاملاً يقتات قوتَ يومه بعرق جبينه.

من أجواء رواية «البريق المخادع»

 إسطنبول

 كانون الأول- ٢٠١٢ م

تلك المدينة الرائعة بشوارعها وأبنيتها والبحر الذي يتوسطها، والطقسُ المعتدل رغمَ أننا في أربعينية الشتاء. ولكن اي قلب سيفرح وثمةَ مَنْ هُمْ مُحيطون بالنار، والدي ووالدتي وأعمامي ولا نعلم ماذا سيكونُ مصيرهم، فكل ما أتمناه هو أنّْ تبق القرية في أمان.

تركتُ منزلي ومكتبي وعملي وسيارتي ولا أعلم كم من الوقت سنمكثُ هنا. فكما كنا كالكرة في الملعب الذي كانوا كل لاعبيهِ حواجزٍ ومفارز أمنية وعسكرية وداعشية، الآن نجد أنفسنا أمام مقارنة شبيهة- ألا وهي- الوطن الأحمر (نسبةٍ إلى لونِ الدمِ) والمُهَرِّبون… هؤلاءُ وبِدونِ مبالغة هُم مصاصي الدم! الذينَ يبتدعون كُل يوم طرقاً وأساليب جديدة للوصول إلى أوروبا، براً  أو جواً أو بحراً، نظير مبالغ باهظة.

أتعَرَّفُ على مُهرِّبٍ وأتفقُ معه، ولكنه يطلبُ مقدماً مبلغ ألف وخمسمائة دولار.

لا يهم، المهم أنْ أتخلَّص من الايجارات الغالية والأسعار المرتفعة حيث يتوجبُ علينا صرف مائة دولار يومياً.

أحضرَ ليَّ الجوازات ولكن تبدو عليها التزوير فالصور ملصقة بالصمغ  ومن المؤكّد أنَّ مصيرنا سيكون الحبس.

رفضت عَرضه وطالبته باسترجاع المبلغ لكنه أخذ الجوازات ولم يُعيد الثمن بقوله:

–        هذا كُلُّ ما لدي، فنحن صرفنا العربون الذي دفعتهُ لنا واشترينا به هذه الجوازات!

يبدو أننا سنتعذب كثيرا، لا أحد ينجو من المراقبة المشددة في المطارات، وليسَ أمامنا إلا البحر.

وبالفعلِ وجدتُها وهيَّ تتباهى وتقول إنها تعمل في هذا المجال منذ سنوات طويلة وذات خبرة عالية.

ليسَ لدينا خيارات كثيرة وما علينا الا أنْ نوافق، فمَّا من حل آخر.

تزورنا في الشقةِ التي استأجرتها، وتقول دائماً:

–        في غضون أيام قليلة ستسافرون إلى اليونان، ولكننا لم نعثر حتى الآن ولم نستطع الاتفاق مع أصحاب السيارات حتى يأخذكم إلى البحر- المكانَ الذي ستنطلقونَ منه- فعدد ركابنا كبير ونحتاج الى عدة سيارات!

وبسبب تكرار هذه العبارة، قالتْ لها ابنتي المشاكسة:

–        وهل ستأتون بالسيارات من سوريا ولهذا السبب يحدث كل هذا التأخير!

بقينا على هذا الحال إلى أن تم تحديد موعد، يبدو أننا أخيراً سنسافر فعلاً. إنه اليوم الأول من سنة ٢٠١٣ وموعدنا هذا المساء.

وكما العادة ذهبت إلى الحديقة لكي أتمكَّن من رؤية الأصدقاء ووداعهم، حيثُ وجدت ذلك المُهَّرِب جالساً فطالبته بالمبلغ، رفض وقال:

–        أعلمُ إنكَ ستسافر اليوم، فلماذا لا تطيعني ونقطع لك بالطائرة؟

–        وبالجوازاتِ نفسها؟.. أقولها له.

–        نعم ولكننا لصقنا الصور بتقنية أفضل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى