إبداع

معرض فرانكفورت للكتاب وأكاذيب الثقافة

أمر بالغ الخطورة والفداحة هو ما حدث من هيئتي الكتاب ودار الكتب والوثائق القومية

د. شوكت المصري
Latest posts by د. شوكت المصري (see all)

افتتح معرض فرانكفورت الدولى للكتاب أبوابه منذ أيام قلائل، هذا المعرض الذى يعد من أكبر وأقدم معارض الكتاب فى العالم الحديث، حيث تأسس فى سبتمبر عام 1949 فى هذه المدينة الألمانية، بعد أربع سنوات فقط من انتهاء الحرب العالمية الثانية، لتضطلع الثقافة والوعى بمهمة رئيسية فى إعادة بناء الأوطان والإنسان بعد ما قاساه العالم من دمار ووحشية فى حربين عالميتين متتاليتين راح ضحيتهما ما يقرب من 30 مليون نسمة وتشردت فيهما أسر وعائلات تفوق هذا العدد بعشرات المرات.

وهى ذات الرسالة تقريبًا التى تبناها «معرض القاهرة الدولى للكتاب» الأقدم والأكبر عربيًا، والذى تأسس عام 1969 ولكن بفلسفة أقوى وأكثر تحديًا؛ لأنه انطلق فى أعقاب نكسة 67، ممهدًا الطريق إلى نصر أكتوبر الذى نحتفى بيوبيله الذهبى هذه الأيام، بوعى فكرى وثقافى قادر على النهوض بالمجتمع والإنسان المصرى مانحًا إياه القدرة على تجاوز كل العقبات والانتصار على كل النكسات والتحديات عبورًا إلى الضفة الشرقية وتحريرًا للوطن ورفعًا للراية الغالية الخفاقة.

ويبدو أن معرض فرانكفورت طال عليه الأمد فنسى رسالته وتجاهل وظيفة الثقافة والوعى بل الإنسانية ذاتها متأثرًا بأضاليل غربية عنصرية أصبحت شائعة فى وسائلهم الإعلامية الموجهة التى تتحكم فيها الرأسمالية الصهيونية التى نجحت وفى خلال سبعين عامًا فى شراء ذمم وتوجيه كيانات وتوظيف مؤسسات؛ لتتحكم فى دول كاملة بحكوماتها وشعوبها تحت مسميات متنوعة أبرزها الاستثمار والتحديث والشركات العابرة للقوميات.

وهكذا رأينا «يورجن بوس» مدير معرض فرانكفورت الدولى للكتاب مصرّحًا يوم الافتتاح فى بيان رسمى بأن المعرض يقف بكل قوته (ضد الحرب الإرهابية على إسرائيل) وأنهم يريدون للمعرض أن يكون داعمًا للأصوات اليهودية والإسرائيلية حتى تكون (مرئية بشكل خاص فى معرض هذا العام، وهو البيان الذى جاء ردًا على الانتقادات التى وُجّهت للمعرض بعد أن أعلن منظموه إلغاء تكريم الروائية الفلسطينية عدنية شبلى واحتفاءهم فى المقابل بكُتّاب الكيان المحتل!!

وإلى هنا تكاد الأمور على سوئها وصلافتها سائرةً فى مسارها الطبيعى، فالغرب لا يريد أن يتخلص أبدًا من غروره ورؤيته العنصرية للعرب والشرق الأوسط بل كل من هم عداه على ظهر هذا الكوكب. لكن أمرًا بالغ الخطورة والفداحة هو ما حدث من وزارة الثقافة المصرية ممثلة فى هيئتين من هيئاتها، قامتا بالمشاركة رسميًا فى دورة معرض فرانكفورت لهذا العام. وتحديدًا بعد الأحداث الجسام والاعتداءات السافرة على إخوتنا فى فلسطين وغزة تحديدًا، إذ انطلقت الأصوات الحرة مطالبة بمقاطعة معرض فرانكفورت الذى أعلن مناوأته للحق الفلسطينى والداعمين له عربيًا، وبالطبع فإن مصر بشعبها وحكومتها كانت على قمة الداعمين الذين يتحداهم المعرض المذكور بموقفه السافر.

ورغم صدور بيان من اتحاد الناشرين العرب يدعو إلى مقاطعة المعرض، وصدور بيان آخر عن معرض الشارقة فى ذات التوجه، ورغم ما تعلنه وتتحمله الدولة المصرية فى سبيل وقف نزيف الدم وقيادة قاطرة الدعم لإخوتنا فى فلسطين اقتصاديًا وشعبيًا وسياسيًا ودبلوماسيًا؛ فإن هيئتى الكتاب ودار الكتب والوثائق القومية وهما مؤسستان رسميتان تتبعان وزارة الثقافة المصرية أطاحتا بكل بساطة بالتوجهات الرسمية المصرية، ولحق رئيسا الهيئتين بحفل افتتاح المعرض دون أى إدراك لخطورة ما يفعلان معارضين سياسات الدولة المصرية ومواقفها المعلنة الثابتة من الأحداث، خاصة أن هذه المشاركة تحمل فى طياتها شبهة تطبيع ثقافى من باب «صديق عَدُوّى عَدُوّى».

وهو ما يتبدى بجلاء فى موقف المعرض وضيوفه من دولة الاحتلال الغاصبة. وقد يقول قائل إن هناك من شاركوا من الدول العربية الأخرى، أو إن ترتيبات المشاركة فى المعرض كانت قد انتهت قبل انطلاق فعالياته بأيام، وإلغاء المشاركة سيكبد الهيئتين والوزارة خسائر مالية!!

ولهؤلاء أقول: أولًا إن مصر لم ولن تبحث يومًا عن مبررات لشبهة من تقصير أو تخاذل، وثانيًا: لقد ألغت وزارة الثقافة نفسها فى الأيام الأخيرة فعاليات أكبر حجمًا وتكلفة فى ظل الأحداث الراهنة، كما أن ما تكبدته الدولة المصرية فى دعمها للحق الفلسطينى لسنوات طوال يتجاوز مليارات الدولارات، فما بالنا بجناح لا تتجاوز تكلفته نصف مليون جنيه بحد أقصى، ألا تستطيع وزارة الثقافة تحمل خسارة طفيفة كهذه فى مقابل المصادقة على موقف الدولة المصرية فى مرحلةٍ فارقة من مواجهات أمتنا وشعبنا علمًا بأن ناشرين صغارًا التزموا بموقف المقاطعة الأصوب وتكبدوا من (لحم الحى) تكلفة هذا الموقف الحر؟! ثُمَّ أَوَلَم يكن بالإمكان أن تتحول مشاركة هيئات الوزارة بهذا المعرض إلى سطر جديد فى سجل لوحة الشرف المصرية إقليميًا ودوليًا؛ لو تم تجميد فعاليات الجناح ورفع العلم المصرى داخله إلى جوار العلم الفلسطينى وبجانبهما عبارات باللغة العربية والإنجليزية والألمانية تطالب المجتمع الدولى والمفكرين بالتدخل لوقف قتل الأبرياء والأطفال الفلسطينيين؟!

أمنيات ومواقف (لا تُشترى) كنت أتمنى أن أراها ويراها جموع الكتاب والمثقفين المصريين الذين انتقدوا ما فعلته وزارة الثقافة المصرية فى الوقت ذاته الذى كانوا فيه يسيرون بين الملايين انتصارًا للعروبة والحق ودعمًا لموقف مصر وحكومتها وشعبها فى مواجهة مصيرية مع ما يحدث فى فلسطين الحبيبة الأبية.

وأخيرًا أستعيرُ كلمات الرئيس السادات من خطاب النصر لأذكر بها كل وطنى حر أرهقته الأحداث وأدماه الانتظار «سوف يجىءُ يوم نجلس فيه لنقص ونروى ماذا فعل كل منا فى موقعه، وكيف حمل كل منا الأمانة، وكيف خرج الأبطال من هذا الشعب وهذه الأمة فى فترة حالكة ساد فيها الظلام؛ ليحملوا مشاعل النور، وليضيئوا الطريق، حتى تستطيع أُمَّتُهم أن تعبر الجسر ما بين اليأس والرجاء.

المصري اليوم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى