إبداع

مكتبة الإسكندرية: إلى أين؟

علينا جميعًا أن نُقدِّر حجم التحديات التي ستواجه مجلس الإدارة والأمناء

د. منصور الجنادي
Latest posts by د. منصور الجنادي (see all)

إحياء منارة المعرفة بالعالم القديم؛ مكتبة الإسكندرية، مشروعٌ يفخر به كلُ مصري ويتمنى له النجاح.

كان النجاح في حياة البشر ـ وسيظل ـ رهنًا بعاملين: فهم السياق، والتعامل معه بشكل أفضل من الغير.. هذا ما يسمونه في علم الماركتنج «التَمَرْكُز»، وهو ما قد تحتاجه مكتبة الإسكندرية، رغم عدم قدرة الكثيرين على تقبّل كلمة «تسويق» عندما يتعلق الأمر بمشروع دولة ثقافي حضاري كبير.

الماركتنج فكر استراتيجي متكامل

الماركتنج (بعكس التسويق) فكر استراتيجي متكامل، عِلْمِي ولكنه عَمَلِي، تُطبقه أوبرا باريس، ومتحف اللوفر، ومكتبة الكونجرس، أي المؤسسات الهادفة للربح وغير الهادفة للربح على حد سواء.

وتشتد الحاجة إلى الماركتنج عندما يتعقد السياق وتشتعل المنافسة. وهذا هو الحال مع مكتبة الإسكندرية. فلولا تَشَرُّفِي بالتعرف الشخصي على الدكتور أحمد زايد، المدير الجديد للمكتبة، وعلمي بسعة أفقه وخبراته السياسية والعلمية والإدارية، لأشفقت على مكتبة الإسكندرية من تعقّد السياق وضراوة المنافسة.

يتسلَّم الدكتور زايد مكتبة نقرأ في صفحتها الإلكترونية: «تسعى المكتبة إلى استعادة روح الانفتاح والبحث التي ميزت المكتبة القديمة، فهي ليست مكتبة وإنما هي مجمع ثقافي». كما نقرأ أن رسالتها هي أن تكون «مركزًا للتميز في إنتاج ونشر المعرفة»، وأن أهدافها هي أن تصبح «نافذة العالم على مصر، ونافذة مصر على العالم، ومؤسسة رائدة في العصر الرقمي ومركزًا للتعلم، والتسامح والحوار والتفاهم».

خطط المكتبة المستقبلية

كم من هذا تحقق منذ إنشاء المكتبة قبل عشر سنوات؟، وكم يمكن أن يتحقق في السنوات القادمة؟!

ليس لدي شك في أن الدكتور أحمد زايد سيُراجع إنجازات المكتبة قبل أن يصوغ فلسفة المكتبة وخططها للسنوات المقبلة. وهنا علينا جميعًا أن نُقدِّر حجم التحديات التي ستواجه مجلس الإدارة والأمناء عند إعادة التفكير في استراتيجية المكتبة ورسالتها وأهدافها.

على سبيل المثال، إن كانت رسالة المكتبة المُعلنة حتى الآن هي «التميز في إنتاج ونشر المعرفة»، فعلى من تتميز المكتبة في إنتاج المعرفة؟ على جامعات الغرب العريقة والمراكز البحثية ذات الموارد المالية والتكنولوجية الضخمة (تليسكوب ويب مثالًا)؟ هؤلاء هم مُنتجو المعرفة اليوم.

.. وعلى من تتميز مكتبة الإسكندرية في نشر المعرفة، في ظل احتكار جوجل وعمالقة الميديا؟!

المتنافسون مع مكتبة الإسكندرية

من هم المنافسون الذين ستقارن مكتبة الإسكندرية نفسها بهم؟، وما تعريف «السوق» التي ستَعرِض فيها خدماتها، وأي جمهور ستستهدفه.. الجمهور المصري أم العالمي؟.. وإن سألنا هذا الجمهور المستهدف عن مصادره في تحصيل المعرفة أو نوافذه التي ينظر منها على العالم أو على مصر، فكم منهم سيذكر تلقائيًا «مكتبة الإسكندرية»، ويُفضِّل استخدامها على المصادر والنوافذ الرقمية وغير الرقمية المتوفرة بالمكتبات ومراكز البحوث العالمية؟.. تلك هى المعايير، وليس حجم المبنى وما يضمه من كتب وحواسيب ومتاحف ومعارض وأنشطة، فهذه جميعًا وسائل وليست غايات. الغاية هي جذب الجمهور المستهدف. الجذب الذي يمكن قياسه بالأسئلة سابقة الذكر، إن كان للمكتبة أن تكون عالمية حقًا وليس بالتمني.

وهنا قد تحتاج مكتبة الإسكندرية إلى إعادة التمركز re-positioning، أى البحث عن فجوة في هموم العصر وآماله، تستطيع المكتبة أن تركز عليها نشاطها وتخدمها بشكل أفضل من غيرها من المؤسسات العالمية.. وهذا هو ما فعلته مكتبة الإسكندرية في عصر أفلاطون، ولكن كل بلغة عَصرِه.

إحياء منارة المعرفة

قد يصعب على مكتبة الإسكندرية التنافس والتميز في إنتاج المعرفة ونشرها.. ولكن هل المعرفة فقط هي المحور الوحيد للتميز، أم أن روح العصر الحالي تتوق أيضًا إلى الحكمة في التوازن بين الطبيعة والاقتصاد على سبيل المثال؟، لماذا لا تصبح مكتبة الإسكندرية الجديدة مركزًا «أخضر»، ومجمعًا لبحوث نماذج اقتصادية جديدة لتعايش الإنسان مع الطبيعة؟، أو لماذا لا تتنازل المكتبة عن فروعها بالمحافظات وتتمركز حول حوار عالمي للثقافات بتقنيات الثورة الذهنية وليس بالحوارات التقليدية التي تنتهي إلى «مونولوجات»؟!.

هذه مجرد أمثلة لعصف ذهن ضروري، من أجل «إعادة تمركز» مكتبة الإسكندرية تمركزًا يتناسب مع الموارد المتاحة ويجلب موارد جديدة، انطلاقًا من تمركز ذي مصداقية لدى الممولين المحتملين.

فكرة إحياء مكتبة الإسكندرية القديمة بشكل أو بآخر فكرة عبقرية. التحدي سيكون: كيف نجد المنفذ لتميز حقيقي يحتاجه العالم وتقدر عليه مصر، بعيدًا عن المجاملات الدبلوماسية والصياغات العاطفية لرسالة المكتبة وأهدافها؟

التحدي كبير.. ولكن المشروع عظيم، والإدارة الجديدة قادرة.

تمنياتنا بكل توفيق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى