إبداع

نظارة قراءة

من مجموعة «11 في كتاب» الفائزة بمسابقة القصص القصيرة برعاية «النخبة»

Advertisements
Latest posts by منى رضوان (see all)

هرولت راكضة في الممر المؤدي إلى المصعد كي ألحق به وهو صاعد إلى الطوابق العلوية لأدرك اجتماعي الذي كان على وشك أن يبدأ.

ليس من عادتي أن أتأخر في الذهاب إلى العمل ولكن اليوم حدث ظرف طارئ عند ركوب سيارتي، وجدت إحدى العجلات مفرغة تمامًا من الهواء مما أستدعى أن أذهب لأصلحها قبل القدوم إلى المكتب.

ضغطت على زر المصعد وفُتح الباب وبه وجوهًا مألوفة عادة ما أراها في أروقة المبنى الإداري باستثناء وجه جديد لم تقع عيناي عليه من قبل، وتعالت التحيات الصباحية بين الركاب «صباح الخير» و «صباح الفل».

 مع رؤية تلك الوجوه انبعثت رائحة عطر جميلة أو بالأحرى مثيرة لأحد الركاب من المجموعة، وفي لحظات أُغلق الباب لنمشي في الأنبوب الطويل الذي يتوقف في عدة طوابق منزلًا من فيه حسب أدوارهم المطلوبة.

وبما أن مكتبي في الطابق الأخير أكون عادةً أخر الخارجين من المصعد إلا اليوم فقد كان معي ذلك الوسيم ذو رائحة العطر النفاثة.

‏اجتماع اليوم فاصلًا بالنسبة لي، أنه من تلك الاجتماعات السنوية التي لا تستغرق من الوقت سوى ‫نصف ساعة أو ساعة إلا ربع ساعة ولكن نتائجها تؤثر على الشركة طوال العام، لقد كان للجنة المساهمين لإقرار الأرباح السنوية وكذلك الموافقة على ميزانية العام الجديد.

بصفتي المديرة المالية الجديدة يعد هذا أول اجتماع كبير لي في خلال العشرة شهور المنصرمة، قابلت فيهم معظم الشركاء المساهمين في الشركة التي لها عدة فروع في الشرق الاوسط، ولكن كما تعلمون بعض المساهمين في الشركة يظهرون فقط في مثل هذه الاجتماعات حيث إنهم لا يشتركون في الإدارة بل يدخلون بأنصبة مالية فقط يجنون من ورائها الأرباح بشكل سنوي أو كمان يطلق عليهم المستثمرون. silent partner 

في هذا اليوم على الجميع أن يحضر حيث لا تتم الجلسة إلا بوجود الشركاء جميعًا أو من يمثلهم قانونيًا والمدير المالي لذا كان عليّ أن أكون بين الموجودين.

دخلت للغرفة لأجد الجميع جالسين حول الطاولة المستديرة التي كان فيها كرسيين شاغرين، أغلقت باب الغرفة وأخذت مكاني على أحدهم.

بمجرد أن أوصدت الباب وجلست تم فتحه مرة أخرى ليدخل ذلك الوسيم الذي قابلته للتو في رحلة المصعد الصباحية.

ولحظي العاثر أو السعيد لا أعلم جلس في مقابلتي تمامًا مما أربكني، فلقد كان وسيمًا جدًا ولكنني لا أعرف من هو، ولكن على الأرجح هو أحد الشركاء الصامتين الاثنين من ضمن الخمس شركاء أصحاب هذا الصرح العملاق.

جلوسه أمامي وتّرني بشكل ما، ولكنه أيضا سهَّل علي مهمة أن أراه بوضوح ولم يكن هناك ما يدعو أن أسترق النظر له، فبمجرد أن أرفع رأسي يكون هو أول ما أراه …

جذاب جدًا، شكله لا يوحي بعمره ولم يمكنني التخمين عدد سنواته، لا يرتدي أي شيء يميزه سوى ملابس أنيقة متناسبة تمامًا مع جسمه، شعره طويل يلامس أكتاف بدلته…بدا لي كهؤلاء الرجال الإيطاليين أو الأسبان كثيفي الشعر مع سمار خفيف وعيون فاتحة.

غزا شعره الغزير بعض الشعيرات البيضاء التي تجعله يبدو كحكيم وسيم.

تنهدت داخليًا وقلت لنفسي:

–  يا سلوى مهما كان سنه مش هتفرق، هيطلع يا متجوز يا متعقد من الجواز يا في علاقة مفتوحة يا أصغر منك بكتير يا مسيحي…

فقد مررت بكل هذه التجارب في العشر سنوات الماضية.

لملمت شتات أفكاري الداخلية وقلت:

– ‏ صباح الخير وأسفة على التأخير أعتقد دلوقتي نقدر نبتدي الاجتماع.

 فقامت سكرتيرة الشركة والعضو المنتدب بعرض النقاط التي سنقوم بمناقشتها اليوم قائلة:

–  النهاردة عندنا كذا موضوع في الجلسة، أول حاجة هنطلب من كل الشركاء الاطلاع علي كشف الأرباح والتوقيع عليه لاعتمادها علشان نبتدي نشتغل على أرباح الموظفين زي كل سنة، وبعد كده هنتكلم على السنة الجاية والخطة المالية واليّ فيها هتكلمنا المديرة المالية الجديدة آنسة سلوى عليها وهنوزع علي حضراتكم جداول الميزانية للاطلاع عليها بشكل مستقل، وبعد كدة هننتقل للأوضة المقابلة عشان نفطر مع بعض فطار خفيف وندشن اليوم بصورة جماعية وكل سنة وشركتنا بخير وفي ازدهار.

‏بدأت في فتح الأوراق كي نبدأ في مناقشة ما طرحته السكرتيرة وكان تفكيري مشتت لأن ذلك الرجل يجلس أمامي وينظر إلى بنظرات ثاقبة حاولت تجاهلها وقلت:

–  ده أول اجتماع لي في الشركة لإقرار الميزانية الجديدة والأرباح بتاعت السنة اللي فاتت وأنا سعيدة أنيّ أبلغكم أننا حققنا خطتنا من الأرباح وبالتالي ملتزمين نحو الموظفين بنسبة المكافأة اللي ياخذوها حسب نصوص عقودهم معانا، وكمان يهمني إني أنا أعرض عليكم ميزانية السنة الجاية بالبنود بتاعتها واليّ أرقامها اتوافق عليها مبدئيًا من المدير التنفيذي، والنهاردة بنديها لكم للاطلاع لمدة ٣ أيام عمل وهنعقد اجتماع الأسبوع القادم ناخذ منكم التوقيع الرسمي عليها علشان نبدأ نشتغل في خطط البيع والتسويق في الكام أسبوع الجايين قبل بداية السنة الجديدة عشان نكون مستعدين.

‏بمجرد فتح للأوراق وجدت الكلمات والأرقام صغيرة جدًا ومتلاصقة، حاولت أن أرتجل قدر الإمكان ولكن كيف لي أن أرتجل أرقام من ٧ فواصل عشرية؟ أدركت حينها أن السبيل الوحيد لي لقراءة الأوراق بثقة هو فقط عندما أرتدي نظارة القراءة، ولأول مرة أتردد في فعل ذلك بسبب ما سيحدث من آثار سلبية… فنظارة القراءة لها دلالات جارحة أحيانًا وتعني أنني تجاوزت الأربعين فكيف لذلك الوسيم أن يعجب بشخص أكبر منه ولا يمكنه أن يقرأ بدون تلك الشوافة التي تبّصره وتجعله قادرًا على تمييز الألف من كوز الذرة والحروف والكلمات؟!

وجهت بصري إلى السكرتيرة وسألتها:

–  هو أحنا عندنا نسخة من الورق ده ممكن نعرض على شاشة الپروجكتور عشان كل الناس تبقى شايفة معانا؟

فنظرت لي قائلة:

–  لا الورق مطبوع ومحطوط في الدويسيه قدام كل واحد من الشركة والورق اليّ قدامك بس يا سلوى هو اليّ فيه كل حاجة…

كانت إجابة متوقعة ولكنني فضلت أن أسأل حتى وإن كان السؤال محرج لي أمام المجموعة فهو أقل حرجًا من إخراج تلك النظارة وارتدائها أمام ذلك الوسيم… ولكن مع رد السكرتيرة المفحم تأكدت أنه لا فرار من ظهور الحقيقة و «كدة كدة مفيش داعي أخبي ولا أكذب والكذب ملوش رجلين وأنا مش ناوية أكذب أصلًا».

أخدت نفس عميق واستعديت نفسيًا لصدمة جديدة بعد أمل صغير… على أي حال أنا لم أقابل هذا الرجل إلا منذ لحظات قليلة…

نظرت للمجموعة وقلت:

–  لحظة واحدة أطلَّع النظارة وأدرت خصري لأمسك بحقيبة يدي الصغيرة المعلقة على ظهر الكرسي وفتحتها وأخرجت منها علبة النظارة الحمراء المخملية وفتحت العلبة وارتديت النظارة الأنيقة التي تعطيني من الوقار ومن السنوات ما يزيد على عمري الحقيقي؛ بمجرد ارتدائها… نظرت أمامي على استحياء لأراه يراقبني مبتسمًا لي ابتسامة عريضة وهو يمد يده داخل جيبه لإخراج شيئًا ما… نظارة قراءة.

من مجموعة «11 في كتاب» القصص الفائزة بمسابقة «همس الأوراق» برعاية دار النخبة العربية للنشر والتوزيع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى