إبداع

نيتشه

الدكتور فؤاد زكريا وسيطًا بين القارئ والفيلسوف

إبراهيم الديب
Latest posts by إبراهيم الديب (see all)
الدكتور فؤاد زكريا من كبار المفكرين.. لم أقرأ له في أي موضوع فكري أو فلسفي إلا وشعرت أنني لم أعد بحاجة للقراءة عنه مرة أخرى.
 
فهو يجمع مادته ومصادره، وكل ما كتب عن الموضوع الذي يكتب عنه، ويتعايش كل ذلك ذهنيًا داخليًا ويقتله كما يقولون بحثًا، ثم يخرجه بروح ودفقة الأديب، وبعقل المفكر، ومنطق الفيلسوف، فهو أحيانًا أكثر قدرة وأعمق فكر وثقافة وفلسفة ممن يكتب عنهم وأكثر منهم قدرة وحرفية على عرض الفكرة والتعبير عنها بما له من باع طويل في عالم الكتابة، بأسلوب سهل أقرب للأدب منه للفكر والفلسفة.
 
قرأت له أخيرًا: كتابه عن (نيتشه) الفيلسوف الألماني، والذي أعتبره أديب أكثر منه فيلسوف، ومن المدهش أن هذا رأي فؤاد زكريا أيضًا، فقد تناوله بداخل ثنايا كتابة العميق عنه الذي غاص في نفس وحياة نيتشه العقلية وألقى الضوء باستفاضة على كتبه محللًا، وما كان دافعه لكتابتها في سياقها التاريخي.
 
ليصبح الدكتور فؤاد زكريا وسيطًا بين القارئ والفيلسوف فأصبحت تناوله وعرضه السلس أكثر وضوحًا وجمالاً بعد شرح المؤلف لها.
 
من أهم الأفكار التي ناقشها فؤاد زكريا؛ أن فلسفة نيتشه أو إن شئت بأن أفكاره لم يكتسبها من تجربة حياة مباشرة، بل كان ينفخ في أفكاره الذهنية ومن حرارة نفسه وروحه ووجدانه الفلسفي الملتهب ومن إحساسه وشعوره المحلق، حتى أنه حول الواقع لدفقات من عصارة الحكمة فلدى نيتشة من الجرأة والمغامرة الفكرية والفلسفية وإن شئت الحماقة التي تمكنه القدرة على الإطاحة بالثوابت والمألوف والمتفق عليه، ليعيد ترتيب الكون بثوابته التي اسقرت في عقول ونفوس ووجدان البشر من جديد حسب قناعاته وتصوراته الفكرية التي منها هذه الحكمة أو النصيحة؛ (املأ حياتك بالخطر، شيد مدائنك على مقربة من بركان فيزوف، ابعث بسفائنك إلى البحار المجهولة، عش في حرب دائمة).
 
يطلق نيتشة هذه الأفكار من داخله للخارج بعد أن يعمل فيها عقله و ذهنه المتوقد ووجدانه المشتعل كبركان لتهدم عقائد وتدمر أفكارًا يظن، أو يعتقد من يقرأها أنها تجارب حياتية معاشة ولكنها ثمرة عزلته التي يعتنقها، وصمته العميق وحربه المدمرة التي أعلنتها ضده نفسه التي أنهكت جسده.
 
أعتقد أنه لابد من مفكر بحجم فؤاد زكريا ليقف وسطا بكتابته بين الفيلسوف وبين القارئ والمثقف العادي الغير مؤهل للخوض في هذه البحار العميقة من الفكر والفلسفة، فهو هنا يقوم بدور الجسر الثقافي التي تعبر من فوقه الأفكار كما فعل العقاد وطه حسين في السابق.
 
فقد ناقش الدكتور فؤاد زكريا طريقة نيتشه ومنهجه في الكتابة باستفاضة حتى تستطيع أن تلتمس نيتشة بصورة واضحة جلية في ثنايا الكتاب، بل ونفس الشيء مع المؤلف الدكتور فؤاد زكريا، الذي من رأيه أن نيتشة لم يكن فيلسوفًا متماسكًا في خطه الفكري، صاحب مذهب فكري مغلق كما عند هيجل فيلسوف التاريخ، أو (إيمانويل كانت)، صاحب الفلسفة النقدية العميقة، وإنما كانت كتابته فقرات وشحنات نفسية و عاطفية مندفعة كاسحة لعقل من يقرأها قبل أن تترك تأثيرها عليها ويصبح في الغالب من دراويش مدرسته الفكرية.
 
كتابات نيتشه تعبر عن الغريزة والروح منفلته من سطوة وقيود العقل الذي يعتبره نيتشه بأنه يفرض على الحياة الإنسانية مذهبًا جامدًا أقرب للمجردات، أقرب لحياة الذهن، جاف يلجم انطلاق الروح والنفس، من التعبير الفطري المباشر المعبر عن صيرورة الحياة والفرح الطفولي العفوي بها.
 
أما طريقته في الكتابة فهي فقرات سريعة خاطفة تواكب قلقه وتوتره العصبي الذي بجعله ينتقل من فكرة لأخرى؛ فهو ليس من الكتاب أصحاب النفس الطويل.
 
الكتاب ارتحال في عالم الثقافة، ووجبة دسمة من الفكر والأدب والفلسفة كتبه مفكر من العيار الثقيل.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى