إبداع

هدى

من مجموعة «11 في كتاب» القصص الفائزة بمسابقة «همس الأوراق»

Advertisements
Latest posts by د. سلمى عادل (see all)
  • هدى - 26 فبراير، 2022

«متخافيش إحنا معاكي»

استيقظت هدى على تلك الكلمات التي خُيِّل إليها أنها تسمعها بالفعل وليست أضغاث أحلام، جالت ببصرها في الغرفة لوهلة وكأنها تتأكد من عدم وجود أحد معها.

ها هي تكرر ما تفعله كل ليلة منذ وفاة والديْها في حادثٍ أليم، تقضي الليل في البكاء على فراقهم وعلى حالها، كيف أصبحت بلا أهلٍ ولا سندٍ في مدينة تبعد مئات الكيلو مترات عن أقاربها، وليس لها هنا سوى بعض أصدقاء الدراسة والعمل.

هدى فتاة جميلة وحيدة، لم تحظَ في حياتها سوى بحب واهتمام والديها، اللّذَيْن سكنا العاصمة منذ ولادتها ولم يغادراها إلا لزيارات قصيرة متباعدة لبعض أقاربهم هنا وهناك .

كانت هدى تمضي الليل في البكاء حتى يغلبها النوم ولا تستيقظ إلا بعد منتصف النهار وكأنها تستأنس بالنوم وتحاول التغلب به على ألم الفراق.

في ذلك اليوم لاحظت هدى أن البيت مرتبٌ ونظيف، وهي لا تذكر أنها قامت بذلك!

-أنا حالتي بقت صعبة وبدأت أنسى كتير!

هكذا بررت الموقف وهي تشعر بالأسى على حالها. نظرت في المرآة لترى أنّ الحزن أفقدها الكثير من وزنها في الأسابيع الماضية وقد ذَبُلت ملامحها، تذكرت أنها لم تأكل شيئًا منذ يومين، فهي لا تقوى حتى على الخروج لشراء مستلزمات البيت الذي أصبح تقريبًا فارغًا من كل شيء.

قطع جرسُ البابِ حالةَ الصمت التي تعّم المكان، وفتحت هدى لتجد عم عبده البواب قد أحضر لها ما طلبته من البقالة.

-أنا طلبت الحاجات دي امتى يا عم عبده؟

-الصبح يا هانم وقولتيلي أجيبهالك على العصر.

شعرت بالدهشة والخوف، لابد أن حالتها أسوأ مما تتخيل، لكنها لم تعقب على كلامه حتى لا يشعر بشيء.

كان عم عبده قد أحضر لها كل الأشياء التي تحبها فتعجبت ! أيعقل أن تطلب كل هذا ولا تتذكر!!

ازداد شعورها بالخوف وبحثت عن هاتفها لتتحدث مع هالة صديقتها المقربة، لتجد رسالة من هالة تخبرها فيها بمدى سعادتها بقرار هدى للعودة للعمل بعد انقطاعها عنه طوال هذه الفترة!

-ألو ازيك ياهالة.

-هدى ازيك يا حبيبتي عاملة إيه، متعرفيش إنتي فرحتيني ازاي لما كلمتيني الصبح وقولتيلي إنك راجعة الشغل، أنا كلمت المدير زي ما طلبتي عشان أبلغه.

-لحظة بس يا هالة، أنا كلمتك النهاردة؟!

-الصبح يا بنتي إنتي نسيتي ولا إيه؟ وقولتيلي إنك نزلتي تخلصي كام مشوار وهتكلميني تاني آخر النهار.

-بس أنا كنت نايمة يا هالة ومنزلتش النهاردة ولا اتصلت بيكي!

-لا يا هدى إنتي بقيتي زهايمر خالص، شوفي سجل المكالمات عندك هتلاقي المكالمة كانت حوالي الساعة 9.

تفقدت هدى سجل المكالمات لتجد مكالمة مع هالة مدتها 5 دقائق في الساعة 9:15 !

-لا الوضع ده ميتسكتش عليه أبدًا، معقولة يكون جالي أي مرض نفسي ولا زهايمر، فعلًا يخليني أعمل حاجة ومفتكرهاش!

-هالة من فضلك تقدري تعدي عليا النهاردة بعد الشغل؟ حاسة إني مرهقة ومحتاجة أغير جو.

-أخييرًا، ما أنا بتحايل عليكي بقالي أسبوع نخرج وإنتي مش راضية، طيب اجهزي ساعة بالكتير وأكون عندك.

لم تستطع هدى تناول أي شيء مما أحضره عم عبده،كانت فقط تريد أن تفهم ماذا يحدث لها.

دخلت هدى غرفتها لترتدي ملابسها لكنها تسمرت في مكانها وهالها ما رأت! لقد وجدت فستانها الأسود المفضل والتي كانت تنوي ارتداءَه على السرير!

لا تتذكر أنها وضعته هنا، بل إنها لم تكن تنوي الخروج اليوم، فكيف تجهز ملابسها مسبقًا!

أخذت هدى تركض في أرجاء المنزل كالمجنونة..

-مين هنا؟! مين اللي بيعمل فيا مقلب؟ مهو أنا أكيد مش هتجنن بين يوم وليلة! هالة إنتي في البيت؟ والله مش هعتقك لو طلعتي إنتي السبب في كل ده، هااااالة … هااااالة….لم يجبها أحد.

انتابتها نوبة هستيرية من البكاء لم يقطعها سوى اتصال من هالة:

-هدى أنا تحت البيت يلا انزلي.

-مش قادرة يا هالة.

-مالك يا هدى؟ إنتي بتبكي؟ طيب افتحي يلا أنا طالعالك.

قصت هدى على هالة كل ما حدث لها منذ بداية اليوم، وطمأنتها هالة بأن حالتها النفسية والصدمة الكبيرة التي تعرضت لها قد تكون سببًا في أنها تنسى.

-مش كان عندك زمان كاميرا فيديو جابهالك باباكي هدية؟ خليها تسجل أوضتك طول الليل لحد ما تصحي وشوفي اللي هيحصل، إنتي عارفة لولا تحكمات بابا أنا كنت بيّت معاكي النهاردة، متقلقيش يا حبيبتي إن شاء الله خير، شغلي بس قرآن وإنتي نايمة وإن شاء الله فترة وهتعدي.

نفذّت هدى الفكرة وتعمدت نثر بعض الأشياء في أرجاء المنزل وأغلقت هاتفها حتى لا تتمكن من إجراء مكالمات دون وعي منها.

وكانت المفاجأة أن هدى لم تستيقظ خلال نومها ولم تسجل الكاميرا أي شيء غريب، لكنها وللمرة الثانية وجدت البيت مرتباً والهاتف مفتوحاً ووجدت مكالمة في الصباح من مديرها في العمل مدتها 5 دقائق!

قامت هدى بإجراء كل الفحوصات الطبية اللازمة، لجأت للمشايخ والرقية الشرعية والأذكار، بحثت في عودة أرواح الموتى، قرأت في الميتافيزيقا علها تجد تفسيراً لكن دون جدوى، الأحداث تتكرر ومستوى الخدمة يرتقي وكأن أحداً قرر أن يحمل عنها كل أعباء الحياة!

في إحدى الليالي قررت هدى أن تتوقف عن البحث، قررت الرضا واعتبار الأمر منحةً إلهيةً طالما أن ما يحدث لا يضرها ولا يضر غيرها ، وحاولت النوم دون أن تتناول المهدئ الذي اعتادت عليه الفترة السابقة.

وفي الصباح وجدت هدى الإفطار جاهزاً كالمعتاد وقررت أن تتناوله لأول مرة، وشعرت بيد تربت فوق كتفها وتقول:

«مش قولنالك متخافيش… إحنا معاكي!»

ابتسمت هدى ولمعت عيناها وقالت بلهجة آمرة:

-عايزة محشي على الغدا النهاردة.

من المجموعة القصصية «11 في كتاب»، القصص الفائزة بمسابقة «همس الأوراق» برعاية دار النخبة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى