إبداع

هذا الرجل… كما عرفته

وطني عروبي، ناصري الهوى، عاشق لمصر ولعروبته

أسامة إبراهيم
Latest posts by أسامة إبراهيم (see all)

عرفت الأستاذ مختار عيسى بعد نحو نصف قرن تمكن خلالها من  تثبيت أقدامه في عالم الكتابة الصحفية والإبداع الشعري والروائي والنقدي.. وبعد أربعة دورات متتالية أُنتخب خلالها فيما يشبه الإجماع كنائب لرئيس النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر.. وبعد أن كرَّمته جامعات عِدّة واتحادات مهنية ومؤسسات إعلامية كبرى، ومنحته الجوائز والدروع، إلا أنه يعلن بكل عزة نفس وشموخ على صفحته الشخصية: «جائزتي أن يظل وطني حراً.. ولائي لوطني لا لتجار العلاقات العامة والبزنسة الثقافية..خدوا المناصب والمكاسب لكن خلوا لي الوطن!».

 تعرفت بشكل شخصي على الأستاذ عيسى لأول مرة في مطلع عام 2019.. عندما شرفني بزيارة كريمة لدار النخبة، وكانت الدار حينها تطل على كورنيش النيل بحي العجوزة، برفقة الأديب المغفور له بإذن الله إيهاب الورداني، رحمه الله رحمة واسعة، وكان برفقتهما الصديق رشدي أنور.

في ذلك اللقاء، طرح فكرة إطلاق صالون أدبي، اختار له الأستاذ مختار عيسى اسم «المنتدى الثقافي العربي»، وأتذكر جيداً ما قاله لنا من «أن هدفه من المنتدى هو صوغ مشهد ثقافي إبداعي يليق بوطننا الكبير في لحظة فارقة من تاريخه الحديث».. واقترحت أن تتولى دار النخبة استضافة هذا الصالون الواعد ورعايته، فوافق مع وضع شروط صارمة كي لا يصبح مثل غيره من الصالونات التي تزخر بها الساحة ولا تقدم جديداً ولا مفيداً.

وبعد الاتفاق على فكرة المنتدى، اقترح الأستاذ عيسى أن يكون شعار المنتدى «الوحدة والتنوع»، وبعبارة أخرى «الوحدة في التعدد»، أو «الوحدة وسط التنوع»، فهو يرى أن نقاط التلاقي بين الناس كثيرة ومتعددة، وهذه يمكن أن تشكّل وحدة تَجمع الناس ولا تفرقهم من خلال هذا المنتدى، لكن هذا لا يعني بالطبع طمس نقاط الاختلاف.

وأكد الأستاذ عيسى على ضرورة أن يتحول المنتدى إلى مؤسسة ثقافية شاملة، من بين أنشطتها إقامة أمسيات ثقافية، وتنظيم المؤتمرات، وورش العمل، ودورات تدريبية للسيناريو والتدقيق اللغوي، وتعليم أساسيات فن الرواية والشعر والقصة، وأن يرعى المنتدى جائزة تقدم في إطار مسابقة سنوية…

وبالفعل تم إقامة الندوة الأولى في الخامس عشر من إبريل 2019، بحضور صفوة الأدباء والنقاد والشعراء من مصر والعالم العربي، ثم تلاها عدة ندوات شهرية، تنوعت عناوينها، وشملت قضايا ثقافية وفنية وفكرية متنوعة.

 وفي كل ندوة، كان مختار عيسى يدير النقاش بين الضيوف والمتحدثين والحضور باقتدار كبير وبشكل احترافي جاد، وكل ذلك ساهم في إثراء المشهد الثقافي بكل مفيد من قضايا غلب عليها التنوع، ونجح في تحويل المنتدى إلى ساحة ثرية للحوار والنقاش، وبمرور الوقت استقطبت مختلف المبدعين والجمهور المتذوق للشعر والأدب.

 لكن جائحة كورونا وما تخلل ذلك من توقف جميع الأنشطة الأدبية والثقافية، أدت بكل أسف إلى توقف فعاليات المنتدى، الذي أرجو أن يعود إلى سابق عهده منارة للفكر والفن والإبداع.

تلك هي تجربتي المباشرة المشتركة التي جمعتني مع الأستاذ مختار عيسى، تبيَّن لي خلالها كم هو شخص وطني عروبي، ناصري الهوى، عاشق لمصر ولعروبته.. ودود عطوف مع كل من يتعامل معه، لكن لا يسكت على ما يراه خطأ.

لقد حبى الله هذا الرجل بثروة هائلة من المواهب.. يقرض الشعر.. يكتب القصة والرواية والمقالة السياسية والنقد الأدبي.. يمتلك قدرة هائلة على فن الإلقاء والخطابة.. خفيف الظل مع رزانة ووقار.. بارع في الحوار.. يستوعب البشر رغم تباين طباعهم وأمزجتهم.. يفتش في كل منهم عن أجمل ما فيه.. لكن لا ينصِّب نفسه قاضياً على أحد… رجل لا يرد من يأتي إليه طالباً دعماً أو مساعدة.. يفعل ذلك بدون تردد ولو علي حساب وقته وراحته.. فلم يكن عمله على مدار سنوات الماضية في اتحاد كتاب مصر مجرد منصب للوجاهة أو لتحقيق مآرب شخصية، وإنما عمل خدمي يستهلك وقته وجهده‏..‏

هذا هو مختار عيسى‏..‏ ذلك الرجل الذي يحترم الناس صغيرهم قبل كبيرهم، ويؤمن بأن كل من يتولى مسؤولية في أي مكان يجب ان يكون في خدمة مجتمعه وليس سيفاً مسلطاً عليه‏..‏ ومن أقواله التي نشرها مؤخرًا على صفحته الشخصية وأعجبتني: «من لا يسمع أنّات المتعبين أشك- بل أكاد أجزم- بمعاناته هو من مرض نفسي أبرز أعراضه الإنكار… الساخرون من آلام الفقراء: أنتم مرضى لا شك!».

من المميزات الشخصية التي لاحظتها في مختار عيسى تواضعه الشديد مع الثقة بالذات والاعتزاز بالنفس، وحرصه على خدمة الجميع من دون منٍّ ولا أذى، ليس له شلة ولا يحرص على أن يجتمع حوله المريدين، ولذلك فاز بمحبة الجميع واحترامهم له.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى