إبداع

وضع النقاط على الحروف

تحريك الجمود والسكوت عن أوضاع الجامعات الأكاديمية في الوطن العربي

أ.د. سمير عبدالرحمن الشميري
Latest posts by أ.د. سمير عبدالرحمن الشميري (see all)

أعجبت كثيراً بأطروحات المفكر العربي طيب تيزيني، في مقالة الموسوم بــ: (هل تتحمل الجامعات العربية مزيداً من الاختراقات ؟!) (1)

إنه بهذا المقال قد ألقى حجراً في الماء الآسن لتحريك الجمود والسكوت عن أوضاع الجامعات الأكاديمية والتنظيمية والمالية والأخلاقية في الوطن العربي.

نعم، لقد تقهقرت المؤسسات العلمية والأكاديمية العربية، وتراجعت أدوارها العلمية والتنويرية، وتسيد التيبس الفكري والجمود والرتابة وقلة الإبداع.

إن كانت الجامعات في مراحل أولى من تطورها، قد شهدت حراكاً قوياً، وإبداعاً متميزاًَ، وكان المثقفون والمبدعون ورواد العلم والثقافة قادتها، وتخرج في مؤسساتها شخصيات علمية وفكرية وتركت بصماتها التاريخية الواضحة في حياتنا المعاصرة، حيث كانت تتفاعل مع حركة إيقاع المجتمع، وتفيد وتثري الحياة بعلمائها ومثقفيها وقادتها البارزين. فعميد الأدب العربي طه حسين، كان من الرواد الأوائل للجامعة المصرية، والذي أغنى المكتبة الثقافية العربية بالعلوم والمعارف، وبالأطروحات الفكرية والاجتهادية والنقد الجريء.. لقد بدأ خطواته الأكاديمية الأولى، بنقد التعثر والجمود وأساليب التلقين في المؤسسات التعليمية والجامعية المصرية، وأكد على الحرية الفكرية لأنه بدون الحرية والنقد لا نستطيع أن نخطو الخطوات السليمة إلى الأمام.(2)

وعليه فإن من الإشكاليات التي وقعت فيها الجامعات العربية (اليوم) هو قلة النقد والتيبس الفكري والجمود، فبدلاً من أن تكون الجامعات مصدراً من مصادر الحرية والفكر الجريء والنقد الهادف، ومصدراً للعلم والفكر والإلهام والإبداع، أصبحت فقط تستهلك ما ينتجه المفكرون والعلماء من خارج أســـوار الجامعــة، واكتفــــــى (البعض منهم) بشرف الألقاب الأكاديمية والتي تم الحصول عليها بمراسيم وهبات، لا تمت بصلة بالإبداع والابتكار والكدح الذهني المتميز.

لقد وضع الدكتور التيزيني النقاط على الحروف، عندما ركز على المعضلات الأكاديمية والأخلاقية التي أفسدت الحياة العلمية والأخلاقية في الجامعات العربية، وبسطها في نقاط ثلاث هي:

  1. انتزاع الاستقلالية العلمية و الأيديولوجية للجامعات من قبل المؤسسات والمكاتب والأجهزة.. وفي سياق ذلك راحت جموع من (الأساتذة) تقتحم الحرم الجامعي دون أن يكون لديها الإمكانات الضرورية للعمل العلمي الجامعي..
  2. الهجرات الفردية والجماعية لكتل متسعة من الأساتذة إلى جامعات تكفل لهم الكفاية المادية والكرامة الاجتماعية..
  3. لجوء أعداد متكاثرة من الأساتذة والمؤسسات الجامعية لبيع أسئلة الامتحانات ومنح الدرجات العلمية مقابل (أعطيات) من الهدايا والمال والمناصب.

إذا كنا ننادي بإصلاح الجامعات العربية، فالإصلاح يجب أن يكون شاملاً في جميع الصعد العلمية والأكاديمية والإدارية، وركيزة الإصلاح الأساسية في الجامعات العربية، هو إعادة الاعتبار للأستاذ الجامعي، الذي أهدرت كرامته، بحيث يتم التدقيق عند القبول للجامعات إلى نوعية  العناصر العلمية المستقطبة إلى هيئات التعليم العلمي والأكاديمي، وأن تكون من أساسيات القبول الكفاءة العلمية والعملية للأستاذ الجامعي، وترك الاعتبارات الأخرى جانباً بعيداً عن التحيزات، ومثل هذا المعيار لا بد أن يطبق على الطلاب الملتحقين بالدراسات الجامعية، حيث إن البعض منهم تستهويهم الشهادة الجامعية أكثر مما تستهويهم العلوم والمعارف الأكاديمية، وفي هذا السياق نطالب بتحرير الأستاذ الجامعي من سطوة الجهاز الإداري والذي تحول من أداة لخدمة العملية التعليمية والأكاديمية الجامعية، إلى جهاز معرقل للعملية التعليمية والأكاديمية، الأمر الذي يؤدي إلى إرباكات وإهدار للوقت للمتابعات والروتينيات البسيطة والتي لا تحتاج إلى ذلك الجهد والوقت في سبيل إنجاز المهمات.

إننا بشكل عام نعاني من أزمة ديمقراطية في بنايات العمل الأكاديمي والعلمي وتتجلى هذه الأزمة بصور شتى أبرزها في علاقة الأستاذ الجامعي بالإدارة وعلاقة الإدارة بالأستاذ، وعلاقة الطالب بالأستاذ وعلاقة الأستاذ بالطالب.

في الوقت الذي كان من الضروري أن تكون الجامعة منبراً حراً من منابر الديمقراطية ومصدر إشعاع للفكر والتنوير في نهضة وشموخ الممارسات الديمقراطية السليمة.

ولا نجانب الصواب إن قلنا أننا نعاني من انفصال وتباعد ما بين الأقوال والأفعال، نعاني من تناقضات وإسقاطات مختلفة، ولعل أبرزها، (التناقض الوجداني) كما يعبر عنه علماء النفس. فالبعض من أساتذتنا الكرام، عندما لا يكونون في المواقع القيادية الأكاديمية، يكونون أكثر نقداً للنقائص والثغرات، وأكثر ديمقراطية في التعامل الإنساني مع الآخرين (أصدقاء، وخصوم)، وأكثر تسامحاً وسعة صدر، وعندما يتسلمون مناصب قيادية أكاديمية تتغير سلوكاتهم، ويضيقون ذرعاً بآراء الآخرين ويتحولون إلى أعداء حقيقيين لأي إصلاح سديد، ولكل يتجرأ على الحديث عن الفساد والنقائص والعشوائية ولكل من يجتهد في وضع النقاط على الحروف.

فإذا كان هؤلاء القادة المتنورين والمؤسسات الأكاديمية (البعض منهم)، فكيف لنا أن نلوم البسطاء من الناس، وغير المتمدرسين في حالة ارتكابهم الأخطاء، والتي قد تكون أحياناً دون قصد؟!

إن العلاقات الأكاديمية الداخلية قد تكون أحياناً مليئة بالحسد والكراهية، ولربما يكون ذلك ناتجاً عن عدم المساواة و الاختلالات في الحقوق والواجبات في الهيئات التعليمية والتمييز المستمر ما بين هذا وذاك وما بين هؤلاء وأولئك.. أو قد تكون استمراراً لعراكات قديمة تظل حبيسة النفوس.

لقد صور أحد الكتاب الساخرين حقد المثقفين على النحو التالي:

المثقف حين يصل إلى كرسي السلطة يصبح أكثر قمعاً وتسلطاً يتقمص دور الجلاد ويتفنن في تعذيب ضحاياه.. وحقد المثقف لا يظهر على اللسان.. إنما يبقى مطموراً ومتوهجاً مثل جمرة تحت الرماد.. فثقافته تساعده على إخفاء أحقاده، وعلى تضليل ضحاياه بالأفكار الجميلة، والكلمات المعسولة، وهو يظل يدعي النزاهة ويزايد باسم القيم الجميلة والأفكار النبيلة والمبادئ العظيمة، حتى إذا واتته لفرصة، تجلى على حقيقته (3).

وتغيب في أحايين كثيرة الرؤية الاستراتيجية في بعض الجامعات العربية، فضلاً عن الارتجال والعشوائية والأزمة المزمنة في التنظيم والترتيب والتخطيط الإداري والأكاديمي.

فبدلاً من أن تكون الجامعات مصنعاً حقيقياً للأجيال ولتخريج وتأهيل المثقفين  والمتمدرسين والفنيين والكوادر بأفرعها المختلفة، تحولت إلى المؤسسات لهضم الكفاءات العلمية والأكاديمية، وتخرج أعداداً من الكتبة الشبان بألقاب وشهادات علمية ركيكة المعارف والأداء، وفي أحايين تهضم المبدعين والموهوبين من الأساتذة والطلاب، حيث تمنع الكفاءات الأكاديمية الرفيعة من دخول الحقل الأكاديمي، بحجة عدم وجود شواغر، أما السبب الحقيقي الدفين عند أصحاب الشأن هو الخوف من الكفاءات العلمية المتميزة.

وليس بغائب على أحد، من أن المؤسسات الأكاديمية العربية، تزخر بكم هائل من القوانين واللوائح والتعليمات والحقوق والواجبات للأساتذة والطلاب، ولا تجد طريقها للتنفيذ، ما عدا النزر اليسير منها، حيث يتم التعامل معها بانتقائية شديدة، وتطبق حسب الأمزجة والاتجاهات، وليس على أساس الأنظمة والقوانين. فالواجبات كثيرة ويتم التشدد حيالها إلى درجة تصل أحياناً إلى مستوى من التعسف والضيم، أما الحقوق فيتم التلاعب بها وتطبق حسب الأهواء والأمزجة.

فالجامعات العربية لا بد أن تكون من المؤسسات التحديثية في المجتمعات العربية المعاصرة، وحصوناً قوية من حصون النهوض الحضاري والتحديث المجتمعي، حيث تحولت بعض المؤسسات الأكاديمية من أداة تحديث إلى أداة تدجين وجمود، الأمر الذي أعطى أساساً للمتزلفين في التمدد والتسلق على حساب المقاييس والأعراف العلمية والأكاديمية.

إن الجامعات العربية تحتاج إلى إصلاح سريع وحقيقي دون تباطؤ حيث أن الجامعات تعاني من عثرات ومصاعب جمة ولعل أبرزها:

  • ضعف أداء الإدارة والتنظيم والتخطيط.
  • عدم امتلاك رؤية إستراتيجية حقيقية لعمل المؤسسات الأكاديمية.
  • انفصال الجامعة الجزئي أو الكلي عن المجتمع ومشاكله ومتطلباته.
  • التدخل في شؤون الجامعات العربية من جهات غير جامعية، مما أفقدها الاستقلالية، وأضعف هيبتها العلمية والأكاديمية.
  • ضعف القاعدة العلمية والبحثية والأكاديمية لأسباب عدة.
  • ضيق مساحة الحرية والممارسات الديمقراطية.
  • سوء التدبير وتبذير الإمكانيات العلمية والمادية في أمور بعيدة عن العمل الأكاديمي العلمي الحقيقي.
  • ضعف القيم والمبادئ الديمقراطية وعدم فاعلية المؤسسات المدنية الحديثة في الجامعات العربية، مثل النقابات والتي تحولت من أداة للدفاع عن حقوق وكرامة منتسبيها إلى أداة لمصادرة حقوقهم وتمييعها.
  • ضعف القاعدة المادية التجهيزية الحديثة لبعض الجامعات العربية، فبدلاً من تجهيز الكليات والمؤسسات العلمية بالأدوات والمختبرات والكمبيوترات والتقنيات الحديثة، يتم منحها لأقسام في إطار الجامعات، وتهمل مواقع العمل الأكاديمي وتحرم من هذه التجهيزات.
  • ضعف روح التسامح، حيث تتحول التباينات والاختلافات في بعض الهيئات الأكاديمية إلى عراكات عنيفة توظف فيها النعرات الحزبية والمناطقية والعشائرية والشللية.. أو أحياناً يتحول التباين من تباين بسيط، يمكن حله بالطرق الديمقراطية السليمة إلى تباين عويص ومعقد.. الأمر الذي يضعف من روح التسامح والمكانة الأكاديمية للجامعات.
  • احتقار بعض الكتبة للعمل الذهني والفكري، واعتباره عبثاً لا فائدة منه.
  • التعيينات الأكاديمية غير السوية، والتي تكون بعيدة عن الكفاءة والقدرة والموهبة، تعطي هذه التصرفات زاداً لمزيد من التفتت والتراجع في العمل العلمي والأكاديمي، مما أدى إلى تحول العمل العلمي الأكاديمي إلى مجرد أشغال إدارية روتينية.
  • التناقض بين حزم القوانين والقرارات وتطبيقاتها على أرض الواقع.
  • ضعف مبدأ الحوافز والتشجيعات للأعمال العلمية والأكاديمية المتميزة مما أدى إلى خلق نوع من الإحباط في نفوس المشتغلين والمبدعين في مجالات العمل الأكاديمي أو ذهاب الحوافز والتشجيعات لغير مستحقيها.
  • ضعف التطبيقات للوائح والقرارات الخاصة بالتعيينات للأساتذة وكذا بالنسبة لسياسة قبول الطلاب في الجامعات، مما أدى إلى التحاق أعداد من الأساتذة والطلاب بالجامعات من غير الأكفاء، وبالتالي أثر هذا المسلك بشكل سلبي على العمل العلمي والأكاديمي.
  • ضعف الأداء الأكاديمي في بعض الجامعات أو بعض المؤسسات الجامعية، وتحولت بالتدريج مؤسسات العمل الأكاديمي إلى رتابة وجمود وتيبس فكري وإبداعي، وهذا الوضع ساعد كثيراً على استمرار البعض في مزاولة الأساليب التلقينية  التدريسية العتيقة والجامدة.
  • ضعف مبدأ الثواب والعقاب.

الهوامش :-

  • طيب تيزيني: «هل تتحمل الجامعات العربية مزيداً من الاختراقات». نزوى– عُمان.العدد ( 16)، أكتوبر 1998م، ص 255-256 .
  • أنظر مثلاً: طه حسين، في الأدب الجاهلي، دار المعارف، مصر. د. ت. ص 7-45.
  • عبد الكريم الرازحي، «مقاولو الثقافة وثقافة المقاولات»، الشورى– صنعاء. العدد (247 ) . 19-10-1997م، ص12 .

*نزوى (عمان)، العدد18 ،إبريل1999م، ص255-256.

من كتاب «شخصيات وقضايا سوسيولوجية في مجتمع عليل» للأستاذ الدكتور سمير عبدالرحمن الشميري، الصادر عن دار النخبة للنشر والطباعة والتوزيع.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى