إبداع

وطن على الرصيف

قصة تواكب الحدث من المجموعة القصصية «درجة ثالثة»

Advertisements
د.تامر عزالدين
Latest posts by د.تامر عزالدين (see all)
كتبت هذه القصة بتاريخ ٢٧ فبراير ٢٠١٩ بعد حادث قطار محطة مصر الشهير، وقد نُشرت ضمن المجموعة القصصية «درجة ثالثة» ٢٠٢٠ المعروضة حاليًا بمعرض الكتاب بالإسكندرية، وأنشرها الآن ألمًا وتضامنًا مع حادث قطار سوهاج مارس ٢٠٢١.
 

يبدو الطريق ملتوي تتشابك عليه القضبان تلتقي وتفترق وتئن تحت ثقل العربات، الدروب وَعِرة ترهق الأبدان الملتصقة المتدافعة داخل الصناديق الحديدية..

لا شيء يفوق اليأس عندما تكون الطرق مسدودة والأذهان مشتتة ولا سبيل إلي الحكمة والكل في اتجاه واحد ولكل منهم اتجاه.

 تدلف الأصوات بين الرؤوس تحكي الحكايات وتدور الحوارات ويزيد الصخب الذي يمتزج بصوت الصفير وصرير التروس.

 كانت الأوراق تنقصها إمضاءات فركب هذا مسافرًا ليمضيها والمصالح تنتظر هؤلاء ليبدأوا أعمالهم والصفقات تسافر من قطر إلى قطر عبر القطار..

والباعة والتجار والطلبة والأب العائد والأخ المسافر والأصدقاء يضحكون والمتجولون يبيعون بضائعهم والمواعيد متأخرة والرواتب متدنية، والسائق يتذمر والطفل يبكي على كتف أمه واللصوص يتحينون الفرص والمحامون يجرون وراء القضايا والأطباء يتنقلون بين الوحدات الصحية والمرضى يذهبون لتلقي فرص العلاج الصعبة في القاهرة..

وهو يحمل كل هؤلاء في بطنه يعتصرهم عصرًا ويرجهم رجًا، والنفوس بداخله كالطرق بعضها مستقيم وبعضها ملتو ووعر وبعضها مغلق مسدود.

ينطلق يشق المزارع ويبتلع القضبان ويلتهم الزمن وهو في انطلاقته لا يبالي ويدخل محطة مصر يلفظ محتوياته من البشر على الأرصفة العتيقة التي تحكي تاريخًا حافلًا أكثر من مائة عام وهي هنا تمتد على أرض القاهرة تستقبل العائدين وتودع المسافرين وتستمع إلى سلاماتهم وتشهد وقع أقدامهم.

 ويلف الزمن حول المبني المهيب يدور ويذهب وتشيخ الجدران وتبهت الألوان وتغطي أبخرة القاطرات العروق الخشبية فتطل كالوجوه العجوزة التي شهدت إنجازات وإخفاقات ثم وقفت تراقب ما تبقي لها من عمر لا تفعل شيء سوى أنها تراقب.

وعلى الرصيف العريض يقف الكمسارية وبائعو الجرائد وتتناثر الأكشاك محملة ببضائع ثانوية وترى طفلًا يمسك بيد أمه وهي تلاحق أبيه الذي يحمل الشنط ويجر قدميه مسرعًا يحاول اللحاق بالقطار ويقف هذا متذمرًا..

 لقد تأخر عن الوصول فيقف منتظرًا أكثر من الساعتين ثم يجلس ثم يقف ويذهب ويجئ.. يشرب عدة أكواب من الشاي وأعصابه تحترق فموعد اختبار القبول سيفوته وستضيع منه فرصة ذهبية طال انتظارها

حدث نفسه :- إهمال وتسيُّب!!

نظر حوله لم يكن هو الوحيد من تعطلت مصالحه الكل ينتظر في قلق..

قال عجوز ينتظر مثله:- «كنّا نضبط الساعة علي مواعيده في الماضي… لكن ككل شيء في البلد مافيش شيء أستمر على حاله».

لم يعر له أحد انتباه فكلٌ في حياته منشغلًا مطحونًا، هناك شابًا يطالع في تليفونه يعلق على العجوز:- «أكيد سائق القطار لسه نايم» 

فيرد زميل له:- «لو عندهم قائد مسئول بيدور عليهم ماكنش حيبقى فيه تسيّب»

يرد العجوز:- «القائد مسؤول… سلسلة مسؤوليات لا يعفي منها أحد يجب أن ينضبط عقرب الثواني لكي ينضبط عقرب الدقائق وتنضبط الساعة الله يرحم المسؤولية»

فينظر الشاب للعجوز ويقول:- «في كل مكان ستجد الملتزم ومن يقوم بدوره على أكمل وجه وستجد في المقابل المهمل والمتسيب»

يبتسم العجوز ويقول:- «عندما يكون هناك شخص واحد متسيب سيضيع مجهود الملتزم لازم الكل يلتزم.. لازم النظام كله يكون صح وإلا حنفضل مستنين القطر يجي في ميعاده وعمره ما حيجي في ميعاده و حنفضل علي طول متأخرين»

ويضيع الحوار في الزحمة ويستمر الانتظار ويختلط البسطاء وتختلط الهموم وتزداد الأعداد على الرصيف.. ويتقدم أحدهم يسأل أحد الأكشاك على جريدة يقرأها مادام سيطول الانتظار

«مافيش غير جريدة الوطن»

ينظر على المانشيتات في صفحات الجريدة التي تراصت على الأرض أمام الكشك

«ما فيش جديد في الوطن»

فيعدل عن دفع الجنيهات مقابل أخبار مملة ويقترب من مكتب الاستعلامات يسأل عن سبب التأخير

«قرب يوصل.. مشكل فنية»

وهناك ليس ببعيد عنهم ليس بعيدًا من محطة مصر كان هناك جرارًا عالقًا بآخر

أيضًا بسبب مشكلة فنية أو هكذا يسمون الإهمال ويزيد الطين بلة أن يترك السائق جراره العالق يزمجر على القضبان وينطح في الآخر ليتشاجر مع زميله

كان يلقي عليه باللوم فهو يرى أن زميله هذا لم يتبع الأوامر من برج المراقبة وزميله هذا يراه هو المخطئ.. وكل منهم يلقي اللوم على الآخر، ويدور الجدل عن من فيهم المخطئ.

والناس هناك على رصيف محطة مصر لا تدري هي الأخرى من هو المخطئ؟

ويثور الجرار علي الموقف وتشتد رغبته في التحرك ويزيد عزمه وينفلت مهملًا سائقه المتعجرف الذي تركه وحيدًا عالقًا على القضيب.

ينطلق الجرار مسرعًا مجنونًا بلا قائد ينتبه السائق وينظر وفِي عينيه نظرة بلاهة واستعجاب إلى ذلك الجرار الهائج الذي ينطلق في جنون مبتعدًا عنهما في طريقه إلى المحطة غضبان أسفًا! لكن بلا سائق ولا عقل وقد تملك محركه جنون جائح فجعل يزمجر وينهب القضبان يبتلعها في طريقه للرصيف.

والناس تنتظر هناك لا أحد منهم يدري شيء هل سيصل قطارهم المتأخر، فمنهم من أستسلم للأمر الواقع ومنهم من استمر في الانتظار متململًا ومنهم من ترك الرصيف ليستقل وسيلة أخرى ليصل إلى غايته، ولا أحد يدري ما تخبئه الأقدار.

وكالقذيفة يدخل الجرار للرصيف النهائي هائجًا مجنونًا لا يأبه لشيء يزمجر زمجرة مخيفة ومستمرة ويعجن القضبان تحته وينفث زفيرًا كثور فقد صوابه في حلبة المصارعة ينقض بأقصى سرعة تجاه مصارعه يريد أن يقضي عليه..

 ولأنه لا يعقل شيء ولأنه بلا قائد ولأنه يحمل في جوفه وقودًا متفجرًا ولأن طريقه مسدود ولأنه فقد الحكمة ولأنه لا يعبأ بهؤلاء الناس المنتظرين على الرصيف….

ارتطم بشدة بنهاية الرصيف وكان الانفجار هائلًا أذهل العقول وفزع القلوب وحرق الأبدان..

 أنتشرت ألسنة اللهب كالكلاب المسعورة تنهش لحوم البشر من على ظهر الرصيف  وغطى الدخان الأسود السماء كأنه يوم القيامة، واندفع البعض هاربًا من النار وهي تلاحقهم لتنال منهم ثم تأكلهم أكلا.

كانت اللحظة قاسية وقاضية لم يدرِ أحد من ضاع ومن حرق ومن هرب لكن ربما كان هناك هو واحد منهم مواطنًا عاديًا ليس مسئولًا ولا قائدًا ولا سوبر مان.. واحد من الناس مواطن هو من وقف يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه..

ربما كان واحدًا من الناس ما زال يحمل قلبًا ونفسًا تعرف معنى المسؤولية رغم أنه ليس مسئولًا؛ لم يفر، بل ذهب إلى داخل النيران.. اتجه إلى هـؤلاء الذين يحترقون يحاول إنقاذهم من أنياب النار المستعرة بأقل ما يمكنه من أمكانيات.

كم مر من وقت كانت جهنم خلاله تذكّر الأرض بوجودها.. لا أحد يدري.

لكن عندما هدأت النار كانت رائحة الموت تختلط برائحة اللحم المحترق، وجلس هذا المواطن المجهول مذهولًا تختلط أمامه الرؤية وتتداخل الألوان ويلمح هناك الجرائد أمام الكشك محترقة لم يبقَ منها سوى عنوانًا واحدًا باقيًا وسط النيران على الرصيف.. 

الوطن!

من المجموعة القصصية «درجة ثالثة»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى