إبداع

يموت القلب ألف مرة

أغلبنا لا يرى الصورة واضحة في البدايات، بل لا يراها من الأساس

د.دينا ابو الوفا
Latest posts by د.دينا ابو الوفا (see all)

استفزني بدرجة كبيرة، كما أنني على ثقة تامة إنه استفز الكثيرين غيري، خبر عودة إحدى نجمات الطرب في مصر والوطن العربي إلى زوجها السابق المطرب الذي لم أكن أعلم بوجوده في ساحة الوسط الفني، إلا بعد زواجه من تلك المطربة العظيمة.

عادت إليه بعد فترة من الانفصال، كانت على ما يبدو كافية لرواج وانتشار سلسلة طويلة من الأخبار، قامت بنشرها الجرائد والصحف، وتنافست على ترويجها البرامج التليفزيونية وتداولتها صفحات السوشال ميديا.

وراحت جميعها دون استثناء لتتحدث وبأريحية شديدة، عن تفاصيل الخلاف بينهما وأسباب الانفصال وتطلق العنان لأدق التفاصيل الخاصة عن حياتهما، حتى صارت مشاعًا وموضوعًا مطروحًا للنقاش وعلكة في فم الجميع !!!

وحتى أكون صادقة تمامًا فلم يستفزني خبر عودتهما فقط بل استفزتني وبشدة القصة برمتها ومنذ بدايتها لعدة أسباب أولها، اختيار النجمة الخاطىء لذلك الشخص الذي كان من الواضح عدم توافقهما منذ البداية وإن تغاضيت عن هذا الخطأ والتمست لها الأعذار،  كون أغلبنا يرتكب نفس هذا الخطأ الفادح في سوء التقدير والاختيار والانجذاب للشخص الغير ملائم.

وكون أغلبنا لا يرى الصورة واضحة في البدايات، بل لا يراها من الأساس وينطلق نحو التجربة أعمى البصر والبصيرة مدفوعًا بمشاعر الحب والاحتياج، إلا أنني لن أستطيع أن التمس لها الأعذار في أخطائها التالية المتتالية. فقد تزوجته وأدركت بعد الزواج نقاط الاختلاف والمسافات الرهيبة بينهما ومع ذلك قررت الاستمرار في طريق وعر بدافع الحب الأعمى!!

ربما كنت التمست لها العذر هنا لو أنه كان والد ابنتيها، وأقنعت نفسي أنها تحاول الإبقاء على عائلة وبيت… الخ إلا أن تلك ليست المسألة!

ثم عادت لتستمر في علاقة أقل ما توصف بها أنها مسمومة، ليس فقط مسمومة لأنهما اختارا طريق الإدمان ليسيرا فيه معًا دون الالتفات للعواقب والتداعيات عليهما وعلى ابنتيها، بل لأنها تجرعت من شخصيته النرجسية سمومًا ربما تسببت فى أضرار أكبر وأعظم من أضرار المخدرات ذاتها. 

لقد تحملت وتقبلت العيش مع شخص نرجسي بمعنى الكلمة، ألقى بشباكه عليها ونسج خيوط العنكبوت حولها في البدايات ربما باهتمامه الزائد وكلامه المعسول وأدائه البارع في لعب دور الرجل المحب العاشق الولهان، وكم يبرع النرجسي فى ذلك براعة أشهد له بها!!

لذلك لم ألم عليها في البدايات، في اختيارها الخاطىء فقلما يستطيع أحد أن يشخص النرجسي في بداياته، حتى أكثر النساء حنكة ومعرفة وذكاء ينخدعون فيه ويقعون فريسة له. ولكن إن تقرر بمحض إرادتها أن تعيش مع هذا النرجسي بعد أن سقطت أقنعته الزائفة فتلك مصيبة أخرى أن تتحمل منه الضرب والتجريح… أن تتقبل منه الإهانات المتكررة، تارة في تعليقه على وزنها الزائد وتارة في الإشارة بوقاحة وتعالي على عدم قدرتها على تحدث الإنجليزية، وتارة في الإفصاح بكبر وغرور عن كونها أقل منه فى المستوى الاجتماعي !!! فتلك أمور لا تغتفر. تلك أشياء كان عليها الوقوف عندها وقفة صارمة، أشياء كان عليها رفضها رفضًا باتًا، كان عليها الرحيل وفورًا وإدارة ظهرها لتلك العلاقة السامة التي سلبتها صحتها وسلامها النفسي واحترامها لذاتها وكبرياءها وكرامتها. كان عليها الرحيل في محاولة لاستعادة كل تلك الأشياء.

الأمر الذي يأخذني إلى الخطأ العظيم الذي ارتكبته بعد ذلك، وهو عدم الانفصال بهدوء، دون إثارة البلبلة، لقد اختارت أن تخرج عن صمتها وتظهر للجميع بغضبها وثورتها وجروحها وآلامها، لتحكي أمورًا شخصية لا يحق لكائن فوق الأرض معرفتها، وتسترسل في الخوض في تفاصيل عنه وعنها لا جدوى منها بعد الانفصال.

من يقرر الرحيل عن من أحب يومًا، عن من كان له في القلب مكانة لم يصل إليها غيره، من يقرر الرحيل عن من جمعت بينهما أيام وذكريات.. فليرحل في صمت، فليدر ظهره ويرحل دون عتاب، دون تجريح، دون الخوض في تفاصيل لا تغير من النهايات شيئًا.

ما يأخذني إلى الخطأ التالي وهو تسرعها وهمجيتها في التعامل مع التجربة المؤلمة، وجدير بالتوضيح هنا، إنني لا أبخسها حقها في الشعور بالألم والوجع حد الموت، فالانخداع في من منحناهم قلوبنا وثقتنا الغالية من أصعب التجارب، وقرار الرحيل عنهم كقرار البقاء كلاهما مر، كلاهما مؤلم، كلاهما يسلبنا أشياء لا نعود بعدها كما كنا، لذلك لا ألومها على ذلك التخبط واللغط، ولكنني ألومها على إساءة التعامل مع تلك المشاعر برمتها، فقد كان لزامًا عليها الاستشفاء أولًا، كان عليها التصالح مع نفسها أولًا، كان عليها الوقوف على قدميها من جديد واستعادة قوتها وصلابتها..

فلو أنها فعلت ذلك لما خرجت إلى الجميع بكل مشاعر الغضب والثورة تلك، لما خرجت إلى الجميع بتلك الشخصية الضعيفة المتخبطة المنكسرة..

لو كانت منحت نفسها الوقت، بعض الوقت فقط لالتئام الجروح، لخرجت للجميع قوية ثابتة صلبة، لكانت حطمته وقهرته، قهرت شخصيته النرجسية وحطمتها، ما يأخذني إلى الطامة الكبرى، إلى الخطيئة العظمى وهي عودتها له بتلك البساطة بين ليلة وضحاها..

أي درس هذا الذي تعلمته! ألم تتعلم شيئا مطلقا! وأي رسالة توجهها لابنتيها!؟

تقبلا الاهانة بصدر رحب، تقبلا التعاسة بلا جدال ! تقبلا الانكسار على يد رجل ظالم وابتسما كأن شيئًا لم يكن؟! كيف؟ ولم؟

لماذا اختارت أن تعود له؟! هل دفعها الحب والعشق؟! فليذهب الحب والعشق إلى الجحيم..

هل دفعها الاشتياق والشوق، إن كانت تلك هي المسألة، فتبًا للاثنين معًا..

إن كان قلبها يموت بدونه في اليوم ألف مرة، فمرحبًا بموت القلب مئة ألف مرة في سبيل إحياء الكرامة !!

لماذا اختارت أن تضحي بما تبقى لها من كرامة وكبرياء وعزة نفس؟!

ألا تعرف أن من ضحى بكرامته وكبريائه، ضحى بأغلى ما يملك..

فتلك أشياء إن فقدناها فقدنا هويتنا، فقدنا كينونتنا، فقدنا أنفسنا إلى الأبد!!!

لنكمل ما تبقى لنا في العمر وبداخلنا سؤال لا إجابة له:

 أنا مين، أنا مين؟

أليست تلك كلماتها فى أغنيتها (المرايا)!

فليكن الله في عونها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى