صدر حديثا

«يوميات سحن» والسقوط في الفخ القصصي

مجموعة قصصية تجسد صورًا واقعية متعددة للمجتمع الليبي

صدر حديثًا عن دار النخبة للنشر والتوزيع، المجموعة القصصية «يوميات سحن» للأديبة الليبية نعمة الفيتوري.

تضم المجموعة (16) قصة قصيرة، في أحداث مكثفة تحمل رؤى ثرية، وتجسد صوراً واقعية متعددة للمجتمع الليبي، منها الاجتماعية والأدبية والسياسية والعاطفية وغيرها.

يوميات سحن

يقول الكاتب والناقد مشعل العبادي، في مقدمة المجموعة: الكاتبة أسقطت القارىء في فخها القصصي وعالمها الثقافي بما يحوي من خصوصية، لاستخدامها بعض المفردات العامية الليبية الشديدة الخصوصية، وزجت بها بذكاء إلى كل الأحداث الإجتماعية، والمستأثر بها المجتمع الليبي دون غيره من المجتمعات العربية، من عرس بما يصاحبه من احتفالية، وليلة الدخلة، إلى الحمل والإنجاب واحتفالية المولود .. إلى الموت ، بكل ما يحيط من طقوس..

جميعها أحداث يمكن أن تمر مرور الكرام، لكن الكاتبة نجحت في أن تجعلنا نتقبلها ونتفاعل معها، من القصة الأولى تختار المفردات والألفاظ التي تخدم النص، وتضبطها في المواضع التي تريد تحديداً، وهو ما جعل أسلوبها شديد السهولة والسلاسة على القارئ، إذ لا يوجد أي تعقيدات لغوية، أو صعوبة في فهم المعاني التي يقصدها، كما أنها أحيانًا تذيّل القصة بجملة مرحة أو تعليق ساخر، وبعض القصص تركتها عمداً بنهاية شبه مفتوحة، مما يمنح القارئ قدرة على تخيُّل مغزى القصة..

على سبيل المثال نص (ولادة)، وجدته نموذجاً حيّاً لرحلة الإنسان، وربّما هو تمثيل لإعادة تدوير الحياة .. بمجمل ما فيها من لحظات فرح، وغصات ألم .. 

في كل مرَّة أجدني أعاود قراءة نصوص المجموعة التي سرعان ما تخرجني من ثقل العالم الافتراضي، وتحلق بي خارج كل الضجيج الذي يحيط بنا ويثقلنا بزحامه وضوضائه الفارغة.. 

لعلّه كان هذا هدف الكاتبة الذي أحرزته بنجاح؛ لذلك أشيد بمتن قصصها جميعًا وبدقة وحصافة اختيار مواضيعها، وتقسيمها لجزأين متعادلين ليوميات الرجل -المسحون – والمرأة – المسحونة.

من قصص المجموعة

رضينا بالهم

إنها ليلة خميس، ويعتبرها حسين فرصة للسهر والكتابة والمتعة المؤجلة طوال الأسبوع. يتقن حسين تقدير قيمة الأشياء ولم يقصر يوماً في واجباته. رجل يعرف كيف يحترم زوجته ويقدرها، ودائماً يبحث عما يسعدها ويقدمه بحب؛ لأنه رومانسي ومزيج من عقل وقلب متوازن.

ماجدة زوجته التي اختارتها والدته لأنها جميلة وبنت فلان، كان جمالها كلوحة انبهر بها كأي رجل ينبهر بجمال امرأة. لم تكن تشاركه ذلك العالم الخاص الذي يحب أن تشاركه فيه، فقد كانت عملية بشكل مثير للأعصاب، وتعتمد عليه في كل شيء. حبها لنفسها جعله يقوم تقريباً بكل المسئوليات بحجة أنها تخاف أو لا تستطيع، وإن اضطرت إلى عمل شيء من أعمال البيت لا تكمله حتى يعود ليكمله هو.

 عند الظهيرة عاد محملاً بأكياس لوازم السهرة وكيس أحلامه في المقدمة.

أخبرها أنه سيقضي ساعات قليلة يكتب، ثم يود لو يسهران معاً. قرر حسين أن يهمس لها في جو جميل بما يود أن يلمسه منها؛ لأنها زوجته التي يحب، ولا يريده من سواها، وصبر على ذلك سنوات دون فائدة. أخذ الأولاد ليناموا عند جدتهم، وعاد بعد العشاء…

الــحـــــــق الـمـكـتـــسب

يا عمر ما تنساش تبرم  على خيتك اليوم بلكي نقصتها حاجة.. هذه الجملة وكأنها الجذوة التى تشعل نيران غيرة فوزية زوجة عمر…

سميرة أخته متزوجة منذ خمسة عشر عاماً، زوجها أصيب في حادث منذ ثلاث سنوات  تسبب في عجزه تماماً،  ظلت في خدمته حتى هذه اللحظة، وهي الآن في الأربعين من عمرها، وعمر لم يتركها يوماً إلا نادراً.

وأنا أكتب نادراً أدركت أن عمر أيضاً نادر. هذه الأم العجوز التي تعيش مع عمر وزوجته وأولاده لا تنفك تطلب منه الطلب نفسه يومياً، وعمر لا يمل من الطاعة والود، لكنه يعاني من مكر زوجته، وغيرتها من اهتمامه بأخته، وعندما تطلب شيئاً وينسى.. تلوي وجهها بشكل بشع، وتندب حظها: آه كان حاجة لأختك ما نسيتها… يظل يعتذر، ووجهها على  الهيئة نفسها، دائم الانقباض والكرمشة، لا تهدأ ولا تمل من النكد والمبالغة في الشكوى، لكنه متسامح وصبور ومبتسم دائماً، أحياناً يزهو بنفسه من الداخل بهذه الغيرة، وأيضاً بهذا الاحتياج له والاعتماد عليه من الجميع، خاصة أن أخاه الآخر رغم إمكاناته المادية التي تفوق عمر كثيراً إلا أنه غير مهتم إلا ببيته وأولاده، وأن العبء كله على عمر.. هكذا هي الحياة لا يتحمل مسئولياتها إلا من يملك الروح الإيجابية، لا من يملك الإمكانات…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى