صدر حديثا

المرأة وإشكالية الجسد.. تابوهات سمر يزبك

قراءة نقدية في نصوص الكاتبة السورية سمر يزبك

صدر حديثًا عن دار النخبة للنشر والطباعة والتوزيع، كتاب «حضور المرأة وإشكالية الجسد… التابوهات في نصوص الكاتبة سمر يزبك»، للأديبة والناقدة السورية سوسن إسماعيل.

يقع الكتاب في 162 صفحة من القطع المتوسط، تم تأسيس الكتاب على ثلاث هياكل نقدية:

الفصل الأول: شعرية العنوان وإنتاج الدّلالة في رواية «لها مرايا».

الفصل الثاني: السّرد والمثليّة في رواية «رائحة القرفة».

الفصل الثالث: السّلطة الدّينيّة والدّنيويّة في المجموعة القصصية «مفردات امرأة».

حضور المرأة وإشكالية الجسد.. أسئلة عن التابوهات في المجتمع العربي 

تقول المؤلفة في مقدمة كتاب حضور المرأة وإشكالية الجسد، ترتكزُ العناوين المذكورة في الأعلى على الأسئلة التي تطرحها الروائية سمر يزبك؛ أسئلة عن التابوهات في المجتمع السوري خاصة، والعربي عامة، والمسوّغات في هذه العناوين تقومُ على مخطوطة قرائيّة تأخذ بالعنوان الرئيسي والعناوين الدّاخلية، جسراً لها، لتقبضَ على إغواء وفتنة الغامض والممنوع، المحظور ورهبته، وفتح المفازات أمام القارئ ليختطفَ من رعبِ الحدث، خلاصة اللغة المحيطة بالنصّ واختلافه، فالعناوين «مفاتيح لباب النّصّ الموصدة، إلى أن يرتضي النصّ عنوانه، ويفلت العنوان من العماء ويستكين إلى ألفة الوجود ويحوز هويته».

ومن جهة أخرى؛ تمكنُ الإشارة؛ إلى أنَّ المشهد الكتابي الأدبيّ، قبل (الربيع العربي وثوراته)، يختلف كليّاً عمّا بعده، فـ(الثورات) قلبت الكثير من الموازين السياسية وحتى الاجتماعية.

نصوص الكاتبة سمر يزبك قبل الحرب

ولعلّ ما تطرقت إليه الروائية السورية سمر يزبك، في نصوصها التي كُتبت قبل الحرب (آذار2011)، استحوذت على الاهتمام والقبول من القرّاء، ولا سيّما بعد اندلاع (الاحتجاجات السورية)، رغم كلّ إخفاقاتها والتحولات التي طالتها.

 كما أنَّ حركة النزوح واللجوء الكبيرة، أسهمت إلى حدّ كبير في توطيد وتوثيق هكذا نصوص والإسهاب في قراءاتها، وإعطاء فسحة واسعة لإبداء الرأي فيما يخصّ قضايا الجندر وولوج فضاءات السلطة، وفتح الأبواب بقوة بين الشرق والغرب، وهذا الانفتاح الحاصل بينهما ـ الشرق والغرب ـ أسهمَ بشكل رحب وواسع في الاستبدال الواضح بمفاهيم وتعامل الرجل مع المرأة، أو الأصح بحسب الوعي الجمعي/ الشرقي، رؤية الرجل لـ الآخر ـ أقصد المرأة ـ على أنّها القاصر والضلع الأعوج في هذه الحياة.  

المعوقات الاجتماعية وجسد المرأة       

إنَّ البحث في المقولات التي ربما تكمن وراء أزمة زمنيّة، مضت وتمضي ببراهين ورؤى جديدة، إذ يطلقُ الكثيرـ مناـ بعض الآراء الضبابية الوليدة لمجموعة من المعوقات الاجتماعية، التي تنظر إلى جسد المرأة كسلعة وليس ككائن مُشارك، فالمنظومة الاجتماعية التي تكونتْ فيها المرأة بمفاهيمها حول قواعد وأسس للحياة، بقيت قاصرة جداً؛ بقيت دونية والسبب لا يعودُ لها بقدر ما يرجع إلى السياقات الاجتماعية والثقافية التي وجدتْ نفسها فيها. 

فالمرأة لا تقرأ جسدها بقدر ما الآخر يقرؤه لها ويعرّفها بجزئياتها، لأنّ رؤيتها لذاتها لا تنبعُ من إدراكها لنفسها، إنما هي نظرة ما تنفكّ عن نظرة الذكورة لها ثقافيّاً واجتماعيّاً.

رؤية الآخر للمرأة

فالمشكلة لدى المرأة لا تكمنُ لديهاــ لأنها هي من تمارسُ أوجه المقارنة مع الآخرــ إنما ترتدُّ إلى رؤية الآخر لذاتها ككائن غير مستقل، لذلك بقيت أحكامها معيّارية.

 المرأةـ الشرقيّةـ لا تجدُ نفسها كما تريدُ هي أن ترى، إنما تنصرفُ إلى المقدار الذي يراها فيه الرجل، فلا تنسجمُ عمّا يصدرُ منها إلا بالمقاييس الذّكوريّة، فالرؤية الفرديّة/ الشخصيّة لها، لا يمكنُها أن تضعها في فسحة الاكتشاف، بقدر ما تكشفُ عن رؤية الآخر لها، فهي ربما لن تتفهم اختلافها إلا بالمنظور الجندري.

المنظور الجندري

 فالمرأةــ كمنظور خاصــ صُنّف ظلُها كجزء دوني في العمليّة الحياتيّة الجندريّة من زاويتين؛ إحداها بمقتضى السياق الاجتماعي؛ الذي زادَ من عمق الشرخ فيها، وتحيّزتْ إلى ما هو بدائي/ فطري، وبذلك باتَ صعباً عليها؛ أنْ تختارَ أو ترسمَ لذاتها سلطة تخصها، تتكفّلُ هي بها، بعيداً عن السلطة الذكوريّة، وتدركُ اتجاهات شغفها، وتغادر بذلك دور المرسل إليه فقط، أمام سلطة المُرسل/ الرجل، فبغياب المرسل لا أثر للمرسلِ إليه، وبذلك يغيبُ الجزء المهم في العمليّة؛ عمليّة أن ترتضي المرأة أن تبقى الظلّ الجميل للآخر، ثقافيّاً، عرفيّاً، اجتماعيّاً، حتى سلطويّاً، فتسوّر بذلك كيانها وجسدها بكلّ سلطة أعلى، إضافة إلى الأنظمة السلطويّة منذ نشوئها، كسلطة الأب، الأخ، إلى الزوج.

لو أنّ المرأة تعمقتْ في جوهرها الذاتي، بالقدر الذي غاصت في رؤية الرجل لها، لربما اختلفَ الكثيرُ من الموازين، ولما عاشت الزعزعة والاختلال وفقدان بعض التراصف من خلال الإحالة إلى النظام الاجتماعي الذي أسهم بشكل ما في عمليّة تكوينها وبنائها، الثقافي/ الجسدي/ المعرفي.

جسد المرأة وإشكاليته

وبذلك تنبري الكثير من القيم السلوكيّة والنفسية للمرأة، وهذا كله يلعبُ إلى حدٍّ كبير في تكوين طبيعة الأنثى، إذ يحولُ كينونتها من وجوديّة لذاتها إلى كينونة تُمثّلُ الآخر بكلّ عيوبه وتناقضاته، وتُتركُ قشةً سهلة للطيران، حتى أمام هبوب النسيم.

إنَّ القراءةَ عن ــ جسد المرأة وإشكاليته ــ أو التناول والبحث في التحيّز الجندري ضدها، من خلال السياق الاجتماعي والتابوهات، ضمن مجموعة من المستويات، بوصف الجسد ملتزماً بقوانين المجتمع، ومرةً بوصفه متمرداً على القوانين، ربما هي من بعض الفلسفات التي تأتي عبر الأحكام الجمعية، فجان جاك روسو أشار بأنّ «المرأة كائن طويل الشعر، قصير التفكير».

محظورات الجسد الأنثوي

 فموضوعة الجسد الأنثوي، من المواضيع الإشكاليّة الحقيقية والحياتيّة، التي نتعايش معها وتتعايش معنا، دون أن نقتربَ منها أو حتى التداول فيها، وذلك لأنَّها تثيرُ حفيظة الكثيرين، على اعتبارها من المحظورات التي يتوجب تجنبها، كما في السياسة والدين في مجتمعات الشرق، حيثُ الروائية تغوص بقوة في الموت والخراب الذي طال الطائفة والجميع بسبب السلطة الأسديّة الراهنة، وتبعات هذه السلطة على الدين والجسد، إذ تمّ استغلالهما وتحييدهما لجانب السلطة نفسها، فكلّ ما يُثارُ؛ هي قضايا مصيريّة ومهمة في كتابات سمر يزبك، وشخصياتها قائمة على فئتين، إحداهما دائماً تتغلب على الأخرى، سواء اقتصاديّا، سياسيّاً، وحتى اجتماعيا وطبقيّا.

وختاماً؛ وانطلاقاً من رؤية ذاتيّة وشخصيّة، كان ثمّة ما يدفعني ويشدّني ــ وأنا القارئة الشغوفة لكلّ ما تكتبه سمر يزبك ــ لأنجز هذه القراءات في نصوص مختارة للروائية، وذلك من خلال متابعتي لكلّ قديم وجديد لها على مستوى الكتابية الإبداعيّة، إذ تبدو، إنَّ الروائيّة لا تنحاز إلّا لمآسي وعويل السوريين، وبالأخصّ هموم الطائفة وكلّ ما يخصّها حتى المعتقدات، الطائفة التي ما تزالُ تُقدمُ شبابها قرباناً لحربٍ تسعى لبقاء الرئيس الابن، الرئيس وثلّة من حوله، في محاولة الاحتفاظ بالتاريخ في ظلّ وتحت مقولة: (عاش الرئيس، إلى الأبد).

وكلمة شكر لا بُدّ منها؛ لمنْ قدّم ليّ النصيحة وساهم في تشجيعي، لأسعى بجرأة مشوبة بالخوف لإنجاز أوّل كتاب نقديّ، وأتمنى أن يكون هذا الكتاب عوناً لكلّ القرّاء والمهتمين بالشأن النقدي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى