إبداع

«9 مارس» لعنة تطارد امرأة في سرد «محمود شامي»

كاتب مهموم بقضايا مجتمعه الإنساني في مختلف البقاع

Advertisements

ثلاث روايات، لكاتب مهموم بقضايا مجتمعه.. ليس بالمجتمع المحدود بأسرة أو بحي أو مدينة أو قُطر.. بل بمجتمعه الإنساني في مختلف بقاع الأرض.

«9 مارس» و«وثالثهما الفنجان»، و«روزالين»، تلك الأعمال أقرب إلى ثلاثية، حيث تتشاركها عدة ثيمات، هن أقرب إلى محاور مستقلة، مثل: الشتات، الصدام الثقافات، الحروب، والهوية، الحب، الخيانة، الهجرة، التعايش… في الوقت الذي تمثل كل رواية عملًا قائمًا بذاته، يتضمن محوره المستقل، ومعالجته الفنية.

أثر الحروب ومشكلات المجتمع على الكاتب

 ويمكن أن تلتقي الثلاثة كروافد لعمل واحد، لتشكل مجرى نهر واحد. كل ذلك التشكل والتباين يجده القارئ في الأعمال الثلاثة، كما تبعث على التساؤل حول قدرة هذا الكاتب على الإلمام بكل ذلك الثراء المعرفي لتلك المجتمعات المختلفة، ليقدم همومها وتطلعاتها، وقد اختار شخصياته من هامش المجتمع، ليدرك المتلقي مقدار أثر الحروب وتسلط فئات على المجتمع وما ينتج عنه من عنف وفقر وملاحقات وتشرد.

 في هذه الأعمال يجمع الكاتب بين المتناقضات، الهدم لبنى اجتماعية وثقافية، والتبشير ببناء أخرى بديلة، هموم إنسانية لا تقتصر على مجتمعات القرن الإفريقي أو العربي، بل تشمل المجتمعات الإنسانية في القارات الخمس، في ظل ظروف إنسانية متشابكة، فالمصالح وقود، والأديان تفرق، والهويات تتصارع، والعرقية والموروث، كل ذلك وغيره يذكي الصراعات ويثير النعرات ويشعل الحروب.

تفاصيل متعددة، تذكي ما يعتمل في الحياة الإنسانية، ملايين يشردوا، وأخرى تهاجر عبر البحار والحدود من الظلم والأنظمة المتسلطة، هذه الروايات وما تحمله من رؤى بحاجة إلى اهتمام نقدي أكاديمي، ترجمتها إلى عدة لغات، اعتمادها ضمن مناهج التعليم المختلفة، لما تحملها من مضامين إنسانية في التعايش وما تتضمنه من دلالات عميقة تمس قضايا إنسانية معاصرة.

«9 مارس» رواية تحكي شخصيات نسيج اجتماعي

«9 مارس» رواية صادرة عن دار النخبة، القاهرة 2021، أكثر من مائتين صفحة، توزعت على سبعة فصول، تحكي شخصيات نسيج اجتماعي تكون من عدة أقطار: أثيوبيين، إرتريين، صوماليين وعرب… ثلاثة أجيال تشعبت حيواتهم المليئة بالترحال، عاشوا الشتات والترحال بين دول الجوار، من مدينة مصوع  الإرترية، ومدينة خميسي في إقليم أمهرة الأثيوبية، وهرجيسا الصومالية لتجمعهم جيبوتي ضمن نسيج مجتمعها، ليستقروا، ثم يبدأ الرحيل والشتات من جديد منهم من سافر إلى العراق وآخرين إلى السودان، والجزيرة العربية وبريطانية وفرنسا.

9مارس نسجها الكاتب كما هو أسلوبه في رواياته الأخرى، ظفر حكايات شخصياته بأسلوب مشوق، لتتوازى تارة وتتقاطع أخرى، وتفترق مرات. وهكذا يتقن شامي إيقاع تلك الحيوات في تناغم مدهش تحت وطأة قسوة الحياة وصلف الإنسان على أخيه الإنسان. فالحروب لها نصيب، والفقر له يد طولا تحت تأثير الجفاف والخوف، وإن بقي الأمل في حياة كريمة.

تعدد أصوات الرواة في رواية 9 مارس

في هذا العمل تعددت أصوات رواته، فمن الراو العليم، إلى (رحمة) الشخصية الرئيسية وهي تحكي حياتها، ومن (مختار) المهاجر إلى بريطانيا إلى (فردوسة)، و(ناصر). هكذا يتبادل الرواة بين صفحات الرواية، وتتغير المواضيع  طوال فصول الرواية؛ ما أعطى للرواية نوع من التشويق والمرونة لدى القارئ وتلك الأصوات تتناوب على سرد حياة الشخصيات، ووصف الأمكنة بتواريخها وتراثها وقدراتها الاقتصادية، نسيجها الاجتماعي وأحداث هامة مؤثرة. تنوع تلك الأصوات جعلت القارئ مشارك وكأنه أحد الرواة أو جليسهم، يشعر بما يعيشون ويتطلع إلى ما يتطلعون.

(رحمة) تلك الفتاة التي لا يملك القارئ إلا أن يتعاطف معها، وقد بدت مسيرة لا مخيرة فيما عاشته، قدمها الكاتب كضحية لقرارتها بعد أن اختارت (أمان)، ذلك الشاب اللعوب والمستهتر، لتعيش عشر سنوات مع معاناة خياناته المتكررة.

 (رحمة) قدمت أسرتها من مدينة برعصولي الإرترية هربًا من أوضاع قاهرة، لتستقر في جيبوتي، و(أمان) قدمت أمه من الهضبة الحبشية أو أعالي الهضبة الأثيوبية، بعد موت زوجها، وكان هدفها الهجرة إلى إحدى دول الخليج، لكنها تستقر في جيبوتي.

شخصيات الرواية

شخصيات أخرى، مثل (مختار) المهاجر إلى بريطانيا، (حمدو) زوج أبيبا الأثيوبية، (ناصر، صالح، فردوسة صفية أو أحلام .. عراميس، زهرة حبيبة ناصر وابنة مدينة تاجورا، محمد أولو الدلال، عوالي العائد من كندا…) وأسماء عديدة قدمت إلى جيبوتي لتتشكل مجتمع الشتات والتراحم والتآلف الإنساني، وأخرى عاودت الهجرة لكن (رحمة) ظلت الشخصية الرئيسة، وتلك الأحداث التي أثرت عليها حتى هجرتها وأسرتها إلى بريطانيا.

عشرات الحكايات لإنسان الهامش

جمع الكاتب شخصياته في عنقوده الحكائي المشوق، عشرات الحكايات لإنسان الهامش في أثيوبيا وإرتريا والصومال وجيبوتي. فمن بداية  طفولة (رحمة) إلى حبها لأمان ورفض نصائح الأهل والصديقات منه، إلى زواجها منه وحياة تكرار خيانته على مدى عشر سنوات، لتنتهي تلك العلاقة بالطلاق. تنكفئ بعدها (رحمة) على ذاتها حتى بعد أن تهاجر وأسرتها إلى بريطانيا كلاجئة تظل منطوية وقد هجرت الحياة في مدينة «مانشستر»، إلى طفولة (أمان) بداية بقدومه رفقة أمه صغيرًا إلى جيبوتي بعد وفاة أبيه، ونشأته في ظل زوج أمه (حمدو) بعد استقرارها في جيبوتي، تحصيله التعليمي،  ثم سفره لإكمال دراسته في فرنسا وعودته، ليشق حياتها كشاب ناجح في حياته العملية، زواجه من (رحمة) ثم انفصالهما ليهاجر ويختفي في مدينة أخرى..

 (مختار) ابن عم (رحمة)، الزوج المستقبلي الذي رفضته (رحمة) واختارت ما اختاره قلبها (أمان)، وتأثره بأستاذه العراقي (راضي) أثناء سنوات دراسته، انتماؤه للحركة القومية العربية، سفره للدراسة في العراق، ثم بريطانيا ليستقر هناك، وهكذا بقية الشخصيات كلٌ له حكاياته مع الحرب والهجرة وتسلط الأنظمة.

لم يكن لرحمة من منافس كشخصية رئيسية.. حيث أتت بقية الشخصيات على  مسافات متباعدة منها، أمان .. ناصر، مختار،  صفية،  فردوسة، إدريس… إلخ تلك الشخصيات.

هنا يمكن أن نقول أن تلك الشخصيات أو معظمها كانت تدور في فلك (رحمة)، في علاقات قرابة أو صداقة أو زمالة، لتظل هي الشمس ومحور كل الكواكب في مجموعتها.

المكان في كتابات «شامي»

الكاتب لم تنسيه شخصياته، عن تقديم المكان ووصفه، بل أنه قدمه كشخصية موازية للشخصيات الإنسانية؛ المكان لدى شامي ينبض بوصف حيوي وممتع، إذ يطعمه بالأرقام والمعلومات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية. متسلحًا بالأرقام التي تبين المسافات بين المدن، والارتفاعات عن سطح البحر، فإقليم دنكاليا يأخذ حيز، مدينة خميسي وإقليم أمهرة في الهضبة الأثيوبية يأخذ مساحة.

 وصف طبيعة وموقع مدينة برعصولي الإرترية يقارب الخمس صفحات. مدينة تاجورا الجيبوتية… وهكذا بقية تلك الأودية والمدن والأقاليم والسواحل، ليجد المتلقي حيز الجغرافي، أو المكاني وقد أخذ مساحات من صفحات الرواية هنا أو هناك؛ ما يعود على القارئ بالكثير من المعارف الفنية والجغرافية والتاريخية والسياسية والاجتماعية والفلكلورية، وقد تجاوز ذلك إلى شخصيات ليست من شخصيات الرواية مثل الفنان الجيبوتي عبد الله لي، الذي استغرق عدة صفحات للتعريف به وبفنه.

«9 مارس» رواية جغرافية

«9 مارس» يمكننا أن نصنفها بالرواية الجغرافية، ويمكن اجتماعية، وكذلك تنتمي لأدب الحرب.

لا يمكن الإلمام بمثل هذه الرواية المختلفة بمضامينها وفنياتها من خلال أسطرنا القليلة. وباعتباري كاتب روائي أتمنى كما أسلفت أن تأخذ حقها من النقد والتحليل وبقية أعمال هذا الروائي المتميز بسعة معرفته وجهده البحثي في تقديم أعمال مكتملة روائيًا.

 وأن تأخذ هذه الأعمال حقها من الدراسات الشاملة موضوعيًا وفنيًا، فكثيرًا ما يظن الكُتاب أن الرواية فن الحكي دون تبني قضايا معاصرة لإنسان هذا العصر، فكرًا وثقافة والبحث عما يعصف بأذهان القراء، فوظيفة الرواية ليست إلا بذر التساؤلات عن أسئلة كبرى وجودية تهم الإنسانية جمعاء، كما يصنع كاتبنا في أعماله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى