إبداع

قراءة لكتاب وللقلق نكهة

ابراهيم الاعاجيبي
Latest posts by ابراهيم الاعاجيبي (see all)

أراد قارئ من القراء أن يثني على كتاب راقه وملك عليه إعجابه , وكان صاحب الكتاب صديقاً حميماً له , فتوقع أن يلام في حسن الثناء على صاحبه , لكنه آثر وعزم على ألا يعبأ بلوم اللائم , أثاره العنوان الغير مألوف أو الغير نمطي , فأخذ يتساءل قُبيل قراءته عن كيفية أن يكون القلق محبباً , بدأ يقرأ ويقرأ حتى وجد إن الكتاب هو عبارة عن نصوص نثرية بلغة فلسفية , إن النصوص الواردة بين ثنايا الكتاب هي نصوص تُصنف ضمن الأدب الفلسفي , فلم يكتب الكتاب لأولئك الجامدين أو مدعي الثقافة أو بسطاء الناس , بل الكتاب كُتب إلى النخبة أو للصفوة من المجتمع , الذين يغوصون في داخل النص ويندمجون في داخل حروفه , لتنصهر نفوسهم بما يقرأون , والكتاب يحتاج إلى قراءة واعية وبتأنِ , ويجب أن يقرأ متقطعاً وليس جملة واحدة أو على جلسة واحدة , فقراءته مجزأًهي الأفضل والأنسب لكي يفك النصوص ويستشعر بجماليتها ومعرفة المغزى الذي تؤديه والأثر الذي تُحدثه في النفس , الكتاب يعيش الصراع الجواني فهو يعيش أزمة قومه ومتأثر بهذا الحال الذي يعانيه أبناء جلدته , أخذ يطلق آهات نفسه وما يختلج بها على شكل نصوص نثرية لكي يخفف من استعار الرماد في صدره ويطلقه على وريقاته , عسى أن تخفف من الوجد الذي يراه ويحسه ويشعره , فالكاتب ذكي لم تنطوي عليه الشعارات التي يرددها رجال السياسة ولا حتى رجال الدين , فهو يعرف بهؤلاء وعلى إلمام بأولئك , الشيء الذي غلب على نصوصه هو التساؤل , والفرق واضحٌ بين السؤال والتساؤل , فالسؤال يبحث عن إجابه , أما التساؤل فيحتاج إلى التفكير وتقليب أوجه النظر , وهذه حسنة كبرى تحسب للكاتب الذي يريد أو يحاول أن يجر القارئ إليه ليتساءل معه عن الحالات التي يشتركان بها , فنراه يتلاقى مع أبي الطيب المتنبي عندما يقول :
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
فيقول الكاتب ص 13: أريد أن اكون مثل هؤلاء المتسقين , سهلي الانقياد , البعيدين عن العبث المركب والبريء , أريد أن أكون ضمن النسق الماشي والراكب , بعيداً عن قلقي الفائض , الذي يؤرقني ويقودني إلى تصفح فكري بإفراط وإزعاج , أريد أن اكون جزءاً من الكل الكبير المتعاظم لغة , ونمطاً رتيباً منظماً حسب قواعدهم الشفاهية , أضحك حين يضحكون , وأبكي عند بكائهم , وأجلس كما يجلسون …
هنا يستشعر القارئ إن الكاتب يعاني ألم ممض من الجهل والجهالة التي تضرب العقل الجمعي , فهو يقول إنه يريد ان يكون مثلهم لكي يخفف من حدة الصراع الداخلي جراء ما يعانيه المثقف النخبوي في محيطه من انعدام قيمته جراء نأي الجمهور عنه ولهاثهم وراء شعارات براقة مزيفة يطلقها رجال السياسة والدين , ثم هنا نراه يستأنف قليلاً ليقول : بيد إني قلق وفي حيرة لا أستطيع أن أتقبل أن أكون فرداً ضمن مجموع المنظومة الحياتية التي يثيرها الضحك ببلاهة , ويحفزها نشيد حماسي للإقدام والحركة …
فهو يرفض أن يكون ضمن أولئك الجمهور الذي يثيرهم نشيد محفز يثير مشاعرهم دون معرفة أو إدراك , فهذه بلاغة ما أروعها وبساطة لغوية يستطيب لها الذوق , ثم تواضع منه رائع عندما نراه لا يترفع عن الجمهور بالوقت الذي يبقى محافظاً على نفسه وعقله …
ولعل الفصل الذي يحمل عنوان ( شارع الطوسي ) والذي أعده من أروع وأجمل فصول الكتاب كلها , فهو هنا تحول إلى معاتب وبوجه ممض , بدت كلماته كأنها رشقات المطر عتاباً , إنه ينطق بلسان المفجوعات والمثكولات والتي أقبل عليها البين فسلبها سليل فؤادها أو رفيق روحها , هنا يقف مع الأمهات الحزينات , والآباء المفجوعين , ليقول مخاطباً شارع الطوسي بلغة إياك أعني واسمعي يا جارة ! : ما زلت فاغراً فمك بامتداد الكون لتلتهم أولئك الشبان السمر المغادرين تواً مرابع الصبا والطفولة , يا لها من كلمات تفتت الصخر , فهو يعاتب بلغة ولسان صهره الحزن على أولئك الشباب الذي جادوا بأنفسهم وأرواحهم ليبذلوها في سبيل الوطن , ولعل وجوههم ما زالت بها ملامح الطفولة الغضة , هؤلاء الشبان الشي لم يشبعوا من طفولتهم قد خطفهم الموت ليأخذهم إلى عالم بعيد , فيقول : أيها المكان المسكون بالدم والدمع , والمكتوب بالعويل والبكاء والموسوم بالصراخ والأنين , متى ستشعل شمعة في خاصرتك معلناً نهاية مواكب الموت؟ ومتى ستشرق فيك شمس الحياة …
هذا العتاب الشديد الذي يحمل مشاعر صاحبه وأسفه على أولئك الشباب الشي ملكوا مشاعره وألهموه هذه الكلمات وهو يرى مواكب تشيعهم تمر بهذا الشارع لتستقر في مثواها الأخير , ولم يترك الأمل , فهو يريد أن تشرق شمس الحياة لتبدد ظلام الموت الموحش الذي سلب الفرح من العوائل التي تنظر لشبانها من يكبرون , فلم يكتفي بلوم شارع الطوسي أو شارع الموت بل مضى يوبخه على إفراطه المتعمد في الحزن قائلاً : يا شارع الموت والوجع والدم والدموع , ألا ترتوي ؟ …
ما أشد ما يختلج في الصدر عندما يعمد الكاتب ليخاطب الشارع ليكتفي ويرتوي من الحزن , فهو يقول ألم تشبع ؟ وهذا التساؤل الذي يدركه الكاتب هو ألم ومعاناة العراقيين جميعاً , ولهم حكايات وقصص هنا في هذا الشارع الذي أسماه بشارع الموت والحزن والدموع , إن الوجع العراقي كمن في هذا الفصل الذي ملك الوجدان بتوصيفه لحركة التشيع لدفن الموتى والشهداء , فالكاتب يجب أن يقرأ بأوقات يكون الجسم مسترخٍ والدماغ بذروة نشاطه وليقرأ مقطعاً , حتى تتداخل النصوص مع مزاج القارئ ولُبه , هذه النصوص المقلقة التي أحب صاحبها القلق الذي يبعث على الإبداع رافضاً الجمود الفكري والفقر الثقافي , فهو يحبب القلق إذا كان بحثاً عن التقدم والتطور ومواكبة الحياة بصورتها المعصرنة , إنه يرى إن القلق الذي يراه الكاتب هو قلق جميل , فالعالم اليوم كله قائمٌ على القلق وهذا القلق يولد الطاقة المتجددة , فالصراع الذي يحرك الشر هو الذي يجعلهم ينشدون التطور بسبل الحياة ومواكبتها كل حين .

تعليقات الفيس بوك
اظهر المزيد

ابراهيم الاعاجيبي

صحفى وروائي عراقى صدرعنه طبول الظلام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
تواصل معنا مباشرة whatsapp
إغلاق
إغلاق